القاهرة : الإثنين 10 ديسمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
إسلام سياسى
السبت 09/يونيو/2018 - 08:36 م

أوراق الخرباوي.. قصة الانفصال الأول عن «الإخوان»

ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي
dostor.org/2204425

- التلمسانى: الإخوانى يجب أن يسمع ويطيع إخوانه الكبار دون تفكير

كانت هذه هى نهاية صلتى الأولى بالإخوان، فقد ساءنى أن نالنى مصطفى مشهور بمساءة، واعتبرنى كأننى «جُوال بطاطس» سيتم حمله وتسليمه لأخ كبير هو مسئول مخازن الإخوان فى منطقة شرق القاهرة، ثم كانت الإساءة الكبرى أن يتم تخفيض قيمتى من شاب فى العشرين من عمره إلى «ولد» مع ما لها من معنى يستهدف تصغير شأن «المُنادى»، فيقول لى الشيخ عبدالبديع صقر: يا ولد، ثم يقول لى مصطفى مشهور: يا ولد، ورغم أن كل مولود ولد إلا أن هذه غير تلك، لذلك قررت وقتها أن أنقطع عن تلك الجماعة ولا أذهب إليها أبدا.
كان أن حملت خيبة أملى وذهبت بها إلى الأخ إبراهيم جمعة أبودراهم رحمه الله، وصديق آخر اسمه رضا عبدالمعبود حسن كان من المحبين للإخوان فى كلية الحقوق، وهو الآن من كبار المحامين بالقليوبية، وقلت لهما ما حدث، فتعجب رضا وقال لى إنه يذهب إلى مقر الدعوة «الإخوان» وإنهم يقابلونه بكل ترحاب، وإنه يرسل لهم مقالات يتم نشرها فى بريد القراء بمجلة الدعوة ولم يحدث أن قلل من شأنه أحد، ولكن أبودراهم قال موجها الكلام لرضا: الأمر يختلف هنا يا أخ رضا، فثروت كان على مشارف الدخول للإخوان ولكنه لم يقبل أن يلين بين يدى إخوانه، قلت له: ماذا تقصد؟، قال: حظك كان رائعا بالجلوس مع المرشد والإخوة الكبار، هؤلاء هم شيوخ الدعوة، وهذا أمر نادر يا ثروت، فأنا نفسى لم تتح لى تلك الفرصة، وعندما أرسلونى للحاج عبدالمنعم دحروج ذهبت دون ممانعة، ولكنك رفضت ووقفت عند شكليات.
رد رضا نيابة عنى: يروح إزاى يا إبراهيم، هُوَّ «كيس بطاطس»، الموضوع ده فيه إهانة.
قال إبراهيم: ما تكبرش الموضوع، إنتو مسمعتوش درس للأستاذ التلمسانى، كنتُ حاضرا وكان يقول إن الأخ يجب أن يلتمس لإخوانه العذر ويلين بين أيديهم، يسمع ويطيع لإخوانه الكبار، ويكون بين يدى نقيب أسرته كالميت بين يدى من يغسله يقلبه كيف يشاء.
قلت معترضا: أنا مش ميت يا إبراهيم، أنا مش رايح للناس دى تانى، لن أتصل بهم ثانية.
كانت فكرة الصلة هى التى تستهوينى فى تلك الأيام، الصلة بالله أولا، ثم الصلة بالناس، كيف تكون؟، فمثلا عرف الإنسان منذ بدء الخليقة أنه يجب أن يكون متصلا بالله، ولكنه لم يفهم كيفية هذه الصلة، فأرسل الله الأنبياء والرسل لكى يجعلوا لهذه الصلة قالبا وشكلا حركيا، فكانت الصلاة والركوع والسجود والدعاء والابتهال والتسبيح والطواف وما إلى ذلك، كل هذه الأشياء تجدها فى الإسلام، وتجد بعضها فى المسيحية واليهودية، وكلها تصلنا بالله، ثم وضع الله عبادة تصلنا بالناس هى الزكاة والصدقات، لذلك كان كل نبى يأمر بالصلاة والزكاة، فقد قال الله تعالى عن إسماعيل «وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة»، وأمرنا الله تعالى فى القرآن فى مواضع كثيرة بـ«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة»، وسيدنا عيسى أول ما نطق قال «وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا»، وهكذا نجد أن الصلاة هى صلة بالله، والزكاة هى صلة بالناس، وتلك هى أعلى العبادات.
وكان قد وقر فى قلبى أننا نتصل لأننا نحب، فلا يمكن أن أتصل بمن لا أحب، لا يمكن مثلا أن أتصل بإبليس وإن كان هو يسعى للاتصال بنا ليحقق وعيده عندما أقسم لله رب العالمين قائلا «فبعزتك لأغوينهم أجمعين»، لذلك فإن الغواية هى وسيلة إبليس فى الاتصال بالناس، ولكننا نتصل بالله لأننا نحبه، ونتصل بالذين نحبهم من الناس، والرِّقة هى من وسائل التعبير عن الحب، أما الغلظة فهى من وسائل القطيعة بين البشر، ومن أجل هذا قال الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، فقد كان الرسول من أرق الناس فى صلته بالناس.
كانت الغلظة التى حدثنى بها عبدالبديع صقر ثم مصطفى مشهور من عوامل نفورى أول الأمر من الجماعة، ولم ينفع معها الرقة التى عاملنى بها عمر التلمسانى، ومرت سنوات قليلة قطعت فيها صلتى بمقر الإخوان الذى يطلقون عليه «الدعوة» ويبررون ذلك بأنه مقر مجلة الدعوة، والحقيقة أنه كان مقر «دعوة الإخوان» التى نشروها بين الناس وكأنها دعوة تختلف أو تتمايز عن دعوة الإسلام، وقالوا عن حسن البنا وهم يتكلمون عنه إنه «الإمام الشهيد صاحب الدعوة»، لذلك إذا أردنا أن نضع توصيفا لتلك الجماعة فإننا لا نستطيع أن نقول عنها إنها فرقة، أو طريقة أو مذهب، فهؤلاء إنما يتفرعون عن أصل، والأصل هو الدين الذى تكون منه الفرق والجماعات والمذاهب، والدين هو الدعوة التى أمر الله بها، والله قال «وله دعوة الحق» أى أن الدعوة إنما هى لله، والله هو صاحب الدعوة، ودعوة الرسول إنما هى تابعة لدعوة الله مصداقا لقوله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ»، وقد نقبل أن يكون المسلم داعية لله، ولكنه لا يمكن أن يكون هو صاحب الدعوة فصاحبها هو رب العزة، ولكنهم أشركوا بالله سبحانه فجعلوا حسن البنا وبشكل حصرى «صاحب الدعوة».
وحينما ظننت أننى انقطعت عن تلك الجماعة كان مستقبل الأيام ينبئنى بنبأ يقين، هو أن «النداهة» دعتنى فاستجبت للنداهة وعدت مرة أخرى، وكان اللقاء الأول هو لقاء الرجفة الكبرى التى جعلتنى أرتجف وأمكث فى الفراش أياما.

ads