القاهرة : الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الأحد 15/أبريل/2018 - 06:43 م
د. منى حلمى
د. منى حلمى

واحد مصرى اسمه القصبجى

dostor.org/2129956

فى ١٥ أبريل ١٨٩٢، وُلد طفل فى أسرة مصرية بسيطة.. حدث عادى متكرر، منذ آلاف السنوات، فلماذا ينال أى اهتمام؟.. ولكن كان للطفل المولود، رأى آخر. كان قد عزم الأمر، أغلب الظن، وهو ما زال جنينا فى رحم الأم، ألا يكون ميلاده مجرد رقم جديد مضاف إلى الأحياء.. إنه محمد القصبجى ١٥ أبريل ١٨٩٢- ٢٦ مارس ١٩٦٦.. الذى أحتفل بذكرى ميلاده الـ١٢٦، وحدى فى غرفتى، دون شريك، علنى أحتمل هذا العالم الذى أنبذه، كما تنبذ الموسيقى نغمات «النشاز».
سعادتى بموسيقى القصبجى سعادة غامضة، متناقضة. فهى تحمل النشوة والألم، فى كأس واحدة. سعادة الحصول على الشىء، وفقدانه، فى اللحظة نفسها. سعادة، لها طعم الوطن، وطعم الغُربة. مذاقها شديد المرارة من فرط حلاوتها.
ولا أدرى، كيف لرجل تكسوه ملامح التواضع، والهدوء، والسكينة، أن يخلق موسيقى، وألحانا، تهز هزات الزلازل، وتحرق، كما الحمم البركانية. موسيقاه قطار سريع لاهث، إلى برارى الحرية، ألحانه تغرف من أرض جوفية، بكر، هو مكتشفها، وعاشقها، ألحانه بناء هندسى فريد التركيبات. بين ثناياها عواطف جامحة، وفكر مغامر، وشغف لا يرتوى، بالتجريب، والتجديد الثائر، هو فيلسوف الموسيقى.. نصعد معه السلم الموسيقى إلى آفاق مدهشة، ممتعة، من التساؤل، والحيرة.
على أوتار العود، يلقى بعصارة العقل، والعاطفة، والخيال. فنسمعها دفقات من الأمل، بعد اليأس. ونحسها أمطارا، تغمرنا بعد الجفاف. «أيها الفلك على وشك الرحيل».. «يا طيور».. «رق الحبيب».. «فرق ما بينا ليه الزمان»... «امتى هتعرف امتى».. «ليت للبراق عينا».. «بتبصلى كده ليه».. «أسقنيها».. «أنا اللى أستاهل».
«ما دام تحب بتنكر ليه».. «منيت شبابى».. «ليه تلاوعينى».. «يا مجد ياما اشتهيتك».. «ياللى صنعت الجميل».. «قلبى دليلى».. «انت سعيدة».. «نعيما يا حبيبى».. «يا ختى عليه».. «مش ممكن أقدر أصالحك».. ومقطوعة «ذكرياتى».. هذه نماذج من كنوز القصبجى.
وبالطبع مونولوج «إن كنت أسامح وأنسى الأسية» الذى غنته أم كلثوم ١٩٢٨، وباع ربع مليون أسطوانة. سيبقى «القصبجى» مكتفيا بذاته، مثمرا بإبداعاته، شامخا بزهده. فى الحقيقة، نحن منْ يحتاج إلى «القصبجى».. لكى ننظف آذاننا، ويرتقى حسنا الفنى، ويتعدل مزاجنا الموسيقى. أما «القصبجى» فقد تعود دائما على الاستغناء، الذى يزيده عظمة. ومعه حق. فالأضواء «بيزنس» رخيص، للتلميعات الكاذبة، وتحويل الرث إلى ثمين.

ads