رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أزمة أمريكا الاقتصادية


لعلنا أصبنا بدهشة من نتيجة الانتخابات الأمريكية ! ما الذى حدث؟ ولماذا رسبت كلينتون التى كانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح؟ وكيف نجح ترامب الذى لم يتوقع أحد نجاحه؟ الحقيقة أن الدهشة كانت لنا نحن ولكن أرباب الصنعة الانتخابية فى أمريكا كانوا يعلمون علم اليقين أن ترامب هو القادم، فالرجل بالنسبة لأمريكا كان هو الحل السحرى لأزمة طاحنة كان الاقتصاد هناك يمر بها دون أن نشعر نحن بها، ولكن المواطن الأمريكى كان هو الضحية لفشل اقتصادى وتضخم تسببت فيه سياسات ومغامرات هوجاء، فالحقيقة أنه كان لديهم «رؤساء مغامرون» وهذا هو أدق وصف لرؤساء أمريكا وكان آخرهم بوش ثم من بعده أوباما، ولحظنا وسوء حظ الأمريكان باءت مغامرات هؤلاء بالفشل، وضاعت عليهم المليارات التى دفعوها من أجل مشروعهم الخائب، بوش حاول أن يسقط منطقتنا فى أحضانه عن طريق الحروب، فدفعت خزانة أمريكا مليارات الدولارات، ثم غير أوباما المنهج فحاول إيقاع المنطقة كلها عن طريق المؤامرات والثورات والرشاوى التى دفع معظمها للإخوان، ولكن النتيجة بالنسبة لهم كانت كارثية!.

الذى رأته أمريكا تحت رئاسة أوباما ـ حبيب الإخوان وداعمهم ـ هو الأزمة المالية الطاحنة التى تمر بها حاليًا، وحين ظهر على شاشة الانتخابات «دونالد ترامب» بدا للمواطن الأمريكى كحل سحرى لأزمة ظنها لن تنتهى أبدًا، فهو رجل أعمال ناجح وخبير اقتصادى لا يشق له غبار، وإذا كان الساسة الكبار قد ورطوا الاقتصاد الأمريكى وأدخلوه المتاهة، فإن الاقتصاديين هم الأمل فى الإنقاذ من هذه الأزمة الممتدة.

بدأت علامات الأزمة عندما وقعت بعض البنوك الأمريكية فى الإفلاس، ذلك أن معظم هذه البنوك تقوم على إعطاء تسهيلات تأمينية للمواطن الأمريكى الذى يرغب فى شراء فيللا يسكن فيها، أو شقة سكنية يتزوج فيها، أو يبحث عن رحلة سياحية يجوب فيها العالم من أجل متعته، أو أى شىء من نفقاته الدورية المتكررة، والمواطن الأمريكى تعود فى ثقافته الاستهلاكية على سداد نفقات حياته كلها من خلال القروض الائتمانية، ولكن هذا المواطن توقف عن سداد قيمة الائتمانات التى حصل عليها بسبب التضخم الاقتصادى، فتعاقبت الأحداث على مدار سنوات، فى الوقت الذى كانت فيه الإدارة الأمريكية توجه أولوياتها المالية إلى دعم حروبها المقدسة فى أفغانستان والعراق، ثم دعم ثورات الربيع والإنفاق على إسقاط القذافى والأسد وبن على، وعلى تقسيم اليمن والعراق وسوريا، وعلى دعم الإخوان فى مصر لإسقاط مصر، وترتب على ذلك أن تم إفلاس بعض البنوك الأمريكية الكبرى حينما عجز المواطن عن سداد القروض التى استحصل عليها، فى مقابل تضخم أموال شركات الأسلحة وشركات الحاسب الآلى والاتصالات وغيرها من التى كان لها الدور الأكبر فى تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، فكان أن بدأت بعض البنوك فى هجر جميع عمليات الائتمان، وتحولت إلى مجموعات مصرفية لها وظائف اقتصادية منحصرة فى تحويل العملات وبيع النقد، وكأنها شركات صرافة ليس إلا.

وبسبب هذا التراجع الكبير فى العمليات الائتمانية أفلست العديد من المصانع خاصة أنها لم تستطع مواجهة الغول الصينى الذى تفوق عليها فى كل شىء، فنظرًا لعدم وجود ضرائب جمركية على البضائع المستوردة أصبحت البضائع الأمريكية راكدة فى مواجهة البضائع الصينية الأجود والأرخص، وهنا تنبهت حكومة أوباما إلى أن الأمور تسير بقوة نحو أزمة مالية غير مسبوقة، فالمجتمع الأمريكى يعتمد على قوة الاقتصاد وليس على غطاء الذهب، وقوة الاقتصاد بدأت تتبخر مع النفقات الرهيبة التى تم إنفاقها فى الجولات الاستعمارية الحالمة ببناء إمبراطورية أمريكية عظمى، وإذا بالاقتصاد الذى كان قويًا يأخذ فى التصاغر والتضاؤل، خاصة أن الرأسمالية الأمريكية خطت لنفسها طريقًا مختلفًا عن أصوليات الاقتصاد الحر، فأمريكا بجلالة قدرها تعودت على أن تضع بصمتها الخاصة على كل شىء، فأصبحت حركتها الاقتصادية منطلقة من طبيعة شعبها الذى شبهه أحد كتابنا الكبار ذات يوم على أنه شعب لا يعيش فى دولة ولكنه يعيش فى شركة استثمارية.

وعندما بدأت شركات التأمين الكبرى ـ التى هى عصب الحياة الاقتصادية فى أمريكا ـ فى اللحاق بالبنوك من حيث الإفلاس ثم دخل فى منظومة الانهيار العديد من الشركات الاقتصادية الكبرى، حينئذ كان لا بد أن يتدخل أوباما وحكومته فأصدر «سندات الخزانة الأمريكية» وأخذ يساوم العديد من دول العالم الثرية وخاصة دول الخليج فى شراء هذه الأذون لإنعاش الاقتصاد الأمريكى، ولكن دون جدوى خاصة مع فشل تجربة « أمريكا والإخوان» التى أنفقوا فيها مليارات كان المواطن الأمريكى هو الأحق بها .

وبسبب هذه الأزمة عاش البيت الأبيض أسود أيامه أثناء حملة كلينتون الانتخابية، وكان يحاول جاهدًا تزييف ماحدث والتبشير بمستقبل أفضل على يد كلينتون، ولكن ترامب كان يضغط بقوة على الجرح الاقتصادى، ويؤكد أن إنفاق أمريكا لمليارات على ثورات الربيع لإسقاط أنظمة ترتب عليه إسقاط الاقتصاد الأمريكى نفسه، ولذلك شعر الناخب الأمريكى أن هذه الأزمة ستظل قائمة فى ظل كلينتون إن نجحت، وكانت الأسئلة التى تلح على هذا المواطن تدور فى معظمها حول مستقبل النظام المالى لأمريكا، وهل ستمتد الأزمة إلى بنوك الودائع فتكون هذه هى العلامة الكبرى الدالة على قرب انتهاء أمريكا كلها؟ .

ثم أثار ترامب فى مناظراته مسائل مهمة تتعلق بروسيا التى رأى أن مزاحمتها ومواجهتها قد تقضى على أمريكا تمامًا، وأن الأفضل هو التوافق معها واحتواؤها فى ظل الأزمات الاقتصادية التى تمر بها بلاده، وقد كان هذا الطرح يوافق هوى العاطلين الذين أصابتهم البطالة، والكساد.

لذلك اختار الناخب الأمريكى ترامب رغم غرابة تصرفاته، لأنه كان يمثل الأمل القادم، ولكن المؤسف أننا لم نحسن القراءة وبالتالى لم نحسن استخدام الأزمة الأمريكية لصالحنا، فرغم أن دول الخليج قامت بشراء سندات الخزانة الأمريكية، إلا أنها لم تتمكن من ممارسة أى ضغوط اقتصادية على البيت الأبيض من أجل إجبارهم على اتخاذ قرارات سياسية تصب فى مصلحة المنطقة بأسرها.