رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أحفاد «بلفور».. الغرب يُجدد الوعد لـ«إسرائيل»

بلفور
بلفور

- بين «عرفات» و«أبوعبيدة».. 60 عامًا من خسارة الأصدقاء «أمام الميكروفون»

- «وعد بلفور» لم يكن لعنة بريطانية فقط.. بل جريمة جماعية لـ«عصابة» الأمم!

تمر علينا ذكرى «وعد بلفور» المشئومة هذا العام؛ وغزة، ومن ورائها فلسطين، تدفع ثمن البلطجة الإسرائيلية فى حرب لا تبدو نهايتها قريبة. لا جديد، ولا مفاجأة للأجيال القديمة التى عاصرت أو قرأت عن سلوك «أحفاد بلفور» فى أمريكا وأوروبا تجاه إسرائيل عبر العقود الماضية؛ لكن الجديد ربما يكون من نصيب الأجيال الجديدة التى كادت تنسى القضية برُمتها، والتى عاشت فى وهم حياد الإعلام الغربى الذى يقدم رسالته الإخبارية باحترافية يزعمها، ويعايرنا بها، وترى فى دول الغرب «المُتحضّر» مثالًا يُحتذى به فى حقوق الإنسان.

من «عُصبة الأمم» 1922 إلى «الأمم المتحدة» 1947.. «يا ضمير العالم يا عزيزى»!

مَن أسعده حظه بعدم متابعة ردود أفعال بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإيطاليا وباقى «الشِلّة» فى سنوات إعلان «وعد بلفور» وتقسيم فلسطين و«النكبة» والعدوان الثلاثى و«النكسة»، أمامه الفرصة الآن ليتابع المشهد بالألوان الطبيعية فى بث مباشر على قنوات الأخبار العالمية، والعربية أيضًا. سيشاهد بأم عَينيه «بجاحَة» الغرب التى ظننّاها مُبالغات حين قرأنا عنها فى كتب التاريخ، كما سيتأمل كذلك ملابسات بعض المواقف العربية المعاصرة، ويقارنها بزمن كان للعرب فيه علاقات مريبة بالدول الاستعمارية عندما فعل «بلفور» فعلته.

لكن، هل كان «وعد بلفور» فى الثانى من نوفمبر ١٩١٧ لعنة بريطانية فحسب؟

الواقع أن المخططات السرية والمطالبات العلنية التى سبقت وعد وزير الخارجية البريطانى «آرثر جيمس بلفور» لليهود ومنظماتهم الصهيونية بدعم بريطانيا إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين- لم تكن جريمة بريطانية فقط، بل شاركها بشكل أو بآخر باقى الحلفاء الذين خاضوا الحرب العالمية الأولى، إلى جانب باقى «العصابة»، عفوًا أقصد «عصبة الأمم» التى منحت عام ١٩٢٢ الشرعية للاحتلال البريطانى لفلسطين تمهيدًا «لنقل ملكيتها» لليهود.

وبلغة المصالح التى دفعتهم إلى تأييد «وعد بلفور»، قبل ١٠٦ أعوام، تواصل هذه الدول حاليًا إعلان دعمها غير المشروط لإسرائيل فى مواجهة مدنيين محاصرين فى غزة، بل يمكننا أن نقول إن «بجاحتهم» فاقت زمن «بلفور» ورفاق مرحلته، رغم أنه من المفترض أن الغرب صار أكثر تحضُرًا مقارنة بزمن الاستعمار، أو هكذا روّجوا بيننا.

فى ٢٠٢٣ نقرأ..

«تعهد قادة أمريكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا بدعم إسرائيل فى جهودها للدفاع عن نفسها بعد الهجمات المفاجئة من قبل حركة حماس».

وإن رأيت هذه صياغة دبلوماسية عادية، فما رأيك فى التالى: «سارعت أمريكا إلى إرسال ذخيرة متطورة طلبتها إسرائيل لتزويد طائراتها الحربية، التى ألقت أطنانًا من المتفجرات على غزة. كما أرسلت اثنتين من حاملات طائراتها إلى شرق البحر المتوسط، تصحبها طائرات مقاتلة وطرّادات ومدمّرات لحماية إسرائيل»، فضلًا عن «استخدام أمريكا حق الفيتو لإفشال أى مشروع قرار يدعو لهدنة إنسانية مؤقتة تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى غزة».

هل تابعت تصريحات بريطانيا؟ «سندعم إسرائيل باتخاذ كل ما تراه مناسبًا، لأنها فى أحلك أوقاتها، وقد عانت من هجوم إرهابى ووحشى وصادم». تصريحات معبرة عن حنان «قلب الأم»، صاحبة شهادة ميلاد «وعد بلفور».

وماذا عن صوت ألمانيا؟ «أعلنت برلين تعليق جميع مساعدات التنمية للأراضى الفلسطينية، وتوافق على طلب إسرائيلى لاستخدام طائرتين مسيّرتين ألمانيتين فى حرب غزة»، كما «تراجع معرض فرانكفورت الدولى عن تكريم الأديبة الفلسطينية عدنية شبلى، نتيجة الهجوم على إسرائيل». وهل سمعت رأى وزارة الخارجية الإيطالية بشأن قصف غزة؟ «إن المنطق السليم هو السائد فى إسرائيل، وجيشها لا يقصف سوى مقرات حماس فقط».

فلماذا العَجَب من التاريخ.. 

إذا كان الحاضر أكثر توثيقًا بالصوت والصورة؟

قبل ١٠٦ أعوام، استقبلت الصحافة البريطانية «وعد بلفور» بالترحاب، فكان مانشيت «ديلى إكسبريس»: دولة لليهود، ومانشيت «تايمز»: فلسطين لليهود، كما نشرته جريدة «أوبزرفر» تحت عنوان: بعد جيل واحد ستصبح فلسطين لليهود. ومن ثم، قفز عدد أعضاء المنظمة الصهيونية فى العام نفسه من ١٣٠ ألفًا إلى ٧٧٨ ألف يهودى!

فى ذلك الوقت كانت بريطانيا قد وضعت الملك فؤاد على عرش مصر فى الشهر الماضى، وكان السير «ونجت» هو المندوب السامى البريطانى، أى الحاكم الفعلى لمصر فى زمن الاحتلال البريطانى، فماذا تنتظر من رد فعل؟

وحسب دراسة تحليلية للكاتب الصحفى محمود عوض بعنوان: «كيف تفكر إسرائيل»، نعرف أن «فيصل الأول»، الذى أصبح ملكًا للعراق، أرسل برقية إلى ملك بريطانيا جورج الخامس يقول فيها: «أذكر مُفاخرًا لجلالتكم ولشعبكم الكريم الأيادى البيضاء فى تحقيق آمال العرب، وإنى لواثق بأن الأمة العربية ستُعيد مَجدها القديم ما دامت مُؤيّدة بصداقة بريطانيا العظمى»!

هل ما زلت تتعجّب من موقف قادة الثورة العربية الكبرى فى بلاد الحجاز الذين تحالفوا مع بريطانيا بإرادتهم الحرة فى سبيل اعتراف الإمبراطورية العظمى باستقلال دولة واسعة يحكمها «شريف مكة» الحسين بن على وأحفاده؟ إذن، فعليك مشاهدة احتفالات «موسم الرياض» فى أيام الحِداد الفلسطينية حاليًا، أو متابعة قنوات إخبارية يملكها ويموّلها أشقاء آخرون يبتزون مصر بالمزايدات الكلامية ويقلّلون من جهودها فى سبيل دعم القضية الفلسطينية، بينما المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلى ضيف دائم على شاشاتهم، فـ«البيت بيته» عمليًا.

حلمنا بـ«وعد بلفور عربى» بعد البريطانى.. فصدمنا «الصك الأمريكانى»!

حلّت الذكرى التاسعة عشرة لـ«وعد بلفور» عام ١٩٣٦ فى ظل اندلاع الثورة العربية فى فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطانى، «اسم الدلع للاحتلال»، كما كانت مصر على حالها هى الأخرى تحت سيطرة الاحتلال الإنجليزى ذاته.

وربما لذلك لم تنتبه الصحافة المصرية بالقدر الكافى لهذه المرحلة الحرِجة من النِضال الفلسطينى فى مواجهة سلطات الانتداب البريطانى، لكن فى ظل الرقابة المشددة، اكتفت مجلة «آخر ساعة» بنشر لوحة كاريكاتيرية ضد «وعد بلفور»، تتضمن رسمًا لحائط المبكى المزعوم لليهود، مكتوبًا عليه «وعد بلفور»، وأمامه المواطنون العرب يتباكون ويشقون الجيوب. وكتب الرسام «صاروخان» تحت لوحته: «مبكى العرب، لليهود فى القدس مبكى هو جدار هيكل سليمان، لكن حان الوقت ليكون للعرب أيضًا مبكى يندبون سوء حظهم فى ظِلاله»!

وفى ١٩٦٧، لم ينتبه أحد لذكرى مرور نصف قرن على «وعد بلفور»، فجراح النكسة الطازجة لم تكن فى حاجة إلى التذكير بمزيد من الآلام. لكن فى الذكرى الأولى للنكسة، نشرت «آخر ساعة» تحقيقًا صحفيًا بعنوان: «المؤامرة على فلسطين مستمرة»، كتبه الصحفيان: وجيه أبوذكرى وحامد سليمان. وبين صور البؤس فى المخيمات الفلسطينية، جاء التعليق: «بدأت المؤامرة الاستعمارية فى فلسطين بوعد بلفور، ومطلوب الآن وعد بلفور آخر من الضمير العالمى لإعادة أكثر من مليون لاجئ شريد إلى أرضه التى استولت عليها إسرائيل وطردت منها أصحابها الحقيقيين».

وعلى قدر ما فى المطلب من سذاجة ورومانسية إنسانية، حمل التحقيق شيئًا من المفارقة، فقد كان أحد العناوين الفرعية للتحقيق الصحفى شعارًا اشتهر به الرئيس جمال عبدالناصر: «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة»، وهو شعار أكثر منطقية وقابلية للتطبيق من مخاطبة الضمير العالمى، إذ أى ضمير؟ وأى عالَم؟

وفى العام نفسه، نشر الكاتب الصحفى فيليب جلّاب فى باب «العالم يُفكر» تحت عنوان: «مطلوب ١٨٠٠ جنيه إسترلينى لنشر هذا الإعلان»، وهو عبارة عن صياغة إنجليزية بسيطة ومباشرة مَفادها أن: «مطلوب بلفور جديد ليؤسس وطنًا قوميًا فى فلسطين لأكثر من مليون لاجئ عربى».

وقاد هذه الحملة الإعلانية الموجهة للخارج طلبة الجامعة الأمريكية فى لبنان من جنسيات عربية متعددة، فقد جمعوا المال لينشروا الإعلان على صفحة كاملة فى صحيفة التايمز البريطانية فى ذكرى إعلان دولة إسرائيل.

وقال قادة الحملة إن الهدف من الإعلان «إيقاظ الضمير العالمى، وتذكير الشعب البريطانى بالمأساة التى ارتكبها الساسة البريطانيون فى حق الشعب الفلسطينى». كان ذلك عام ١٩٦٨، فهل استيقظ ضمير قادة بريطانيا وغيرهم من قادة الغرب، كما نراهم اليوم بعد ٥٥ عامًا؟

هل تذكرون دعم الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» إعلان القدس عاصمة لإسرائيل؛ بالمخالفة لكل قرارات الأمم المتحدة وخطط التسوية السلمية، وإشارته إلى «صفقة القرن» التى وصفت بـ«وعد بلفور» جديد؟

كان أمل الأرشيف الصحفى فى «وعد بلفور عربى» يعيد اللاجئين إلى فلسطين؛ فأخبرتنا صحافة اليوم بأن الوعود تتحقق فقط على الجانب الآخر من البحر!

من القبائل إلى الفصائل.. الانشقاق والمزايدة نقطتا ضعف حركات المقاومة!

كنت مشغولًا بقراءة عدة كتب عن «وعد بلفور» والمقارنة بين محتواها؛ لأفهم طبيعة المجتمع الفلسطينى قبل عشرينيات القرن الماضى، وأتابع فى الوقت نفسه بطولات المقاومة فى «طوفان الأقصى»، وصمود أهالى غزة فى مواجهة تهديدات الاجتياح البرى، وجهود مصر لضمان عبور المساعدات الإنسانية معبر رفح بشكل مستدام، حتى صُدِمت بتصريحات «أبوعبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسّام» وتلميحاته المسيئة لجهود مصر فى أزمة معبر رفح بأسلوب ليس غريبًا على حركة «حماس»، لكن الغريب أن يحدث ذلك فى هذا الوقت تحديدًا!

كان فضولى فى القراءة عن زمن «وعد بلفور» محاولة الإجابة عن سؤال قديم جَال بخاطرى: أين كان الزعماء المحليون لفلسطين فى ذلك الزمن، وكيف استقبلوا صدمة «بلفور» التاريخية؟

بين عدة كتب، وجدت جزءًا من الإجابة فى كتاب ميسرة صلاح الدين: «١٠٠ عام على وعد بلفور»، بإشارته إلى تأثير تبعية فلسطين الممتدة للدولة العثمانية، وقوله إن «الغالبية كانت للعرب فى فلسطين بالفعل، لكنهم كانوا شعبًا قَبليًا لم يَحظ بحكومة مركزية موحدة، ولم ينل حُكمًا ذاتيًا لسنوات طويلة، ولم يتمتع بخبرة ممارسة السياسة والإدارة فى مواجهة قوة استعمارية بريطانية، وفكر تنظيمى صهيونى».

فهل نعتبر ذلك ضمن عوامل نجاح «بلفور» فى الوفاء بوعده على أراضٍ لم تملكها بلاده يومًا ما؟

وإذا كانت للروح القَبَليّة خصائص؛ منها التمسك الخفى بـ«عصبية الجاهلية»، واحتراف قصائد الفخر بأبناء القبيلة وهجاء القبائل الأخرى؛ فهل بقى أثر من «روح القبيلة» فى نفوس أعضاء حركات المقاومة الفلسطينية القديمة والمعاصِرة أعاقهم عن اكتساب الخبرة فى معاملة الصديق قبل العدو، ومنعهم عن الاتحاد حتى اليوم فى مواجهة عدو مشترك؟

بحثت فى الأرشيف الصحفى بغرض تدقيق بعض المعلومات وظروف نشأة وانشقاقات منظمة التحرير الفلسطينية على سبيل المثال، للإجابة عن السؤال نفسه: ما دوافع تعدد وتضارب وانقسام وانشقاق منظمات المقاومة الفلسطينية التى تتنوع أسماؤها على شبكة الإنترنت حتى اليوم بين: «قوات النجم الأحمر، والنسر الأحمر، والفهد الأسود، والكف الأسود، وفارس الليل، وفهود الكتائب، وعرين الأسود»؟!

وبين الصحف والمجلات القديمة، فوجئت بموضوع صحفى عمره أكثر من ٥٥ عامًا، يطرح السؤال نفسه! وكأن شيئًا لم يتغير، وهو أمر قد يزيد أى صحفى إحباطًا على إحباطه!

فى يونيو ١٩٦٤، تصدرت الصفحة الأولى لـ«الأهرام» صورة للرئيس عبدالناصر والقيادى الفلسطينى أحمد الشقيرى لإعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل جيش التحرير الفلسطينى المُنتظَر أن يتشكّل من ٣ ألوية، هى لواء «عين جالوت» فى غزة تحت إدارة مصرية، ولواء «حطّين» فى سوريا، ولواء «القادسية» فى العراق قبل نقله إلى الأردن.

وانضمّت إلى المنظمة الوليدة عدة تيارات فلسطينية متباينة الانتماء، وصلت بالمنظمة إلى حالة من الجمود والترهل نسبيًا. وبعد نكسة ١٩٦٧ حانت ساعة المواجهة، والانتقال إلى مرحلة جديدة.

بعد ٣ سنوات من العمل الفدائى السِرّى، تصدّرت صورة ياسر عرفات الصفحة الأولى لـ«الأهرام» فى أبريل ١٩٦٨، للتبشير بأن «منظمة فتح» خرجت أخيرًا إلى الضوء لتكشف اسم زعيمها «أبوعمار»؛ واصفة «حركة التحرير الوطنى الفلسطينية» بأنها أكبر منظمات المقاومة العربية، وسيمثلها ياسر عرفات على مختلف المستويات.

وكان «عرفات» قد أسّس حركته مطلع ١٩٦٥، وشكّل جناحها العسكرى باسم «قوات العاصفة». وقالت «الأهرام» إن «أبوعمار» سبقت له المشاركة فى المقاومة الشعبية للعدوان الثلاثى على مصر ١٩٥٦، وهو من أبناء القدس، وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة، وتلقّى تدريبًا عسكريًا فى الكلية الحربية المصرية.

لكن اللافت فى الظهور العلنى الأول لعرفات، نبرة تصريحاته العدائية فى وقت مُبكّر: «إن بيان الحركة سيشرح للشعب العربى المؤامرات التى تتعرض لها القضية الفلسطينية ومنظمة فتح كطليعة ثورية»، فى إشارة حادة ربما إلى القيادة السابقة لمنظمة التحرير وتشمل أحمد الشقيرى ورفاقه!

أمّا بخصوص همومنا القديمة المتجددة، فقد كتب وجيه أبوذِكرى تحقيقًا فى «آخر ساعة» تحت عنوان «قيادة واحدة للفدائيين» مدخلًا بالغ الدلالة على حالة الانشقاق المبكرة: «لو سألت أى فلسطينى مخلص عن أعز أمانيه، لقال دون تردد: الانتماء إلى أى تنظيم فدائى. ولو كان السؤال التالى: لماذا لم تنضم حتى الآن إلى أحد التنظيمات الفدائية، فسوف يحكى لك قصة غريبة حزينة، سيقول إنه حاول، لكنه سمع شائعات لا حصر لها عن كل تنظيم، واتهامات من هذا التنظيم إلى ذاك التنظيم المنافس، مما يُفقد العمل الفدائى عناصر وطنية مخلصة».

والحل كما يراه أبوذِكرى فى زمنه: «حتمية وحدة حركات المقاومة، حتى لا تنجح إسرائيل فى التسرب إلى العمل الفدائى وإجهاضه من خلال ثقوب التفكك، وبعثرة الأبطال فى منظمات صغيرة بمجهود مضاعف».

وطرح أبوذِكرى سؤالًا بديهيًا، نعيد طرحه الآن بعد أكثر من نصف قرن: «هل من جدوى لبعثرة العمل الفدائى بين أكثر من عشرين تنظيمًا، من بينها منظمة فتح، وأبطال العودة، والجبهة القومية، وجبهة تحرير فلسطين، وطلائع الفداء، والقيادة الفلسطينية لحزب البعث، والتنظيم الفلسطينى للحزب الشيوعى، وحزب التحرير الإسلامى، والهيئة الفلسطينية العليا، وغيرها، بل لا أريد أن أقول إن لكل اسم من هذه التنظيمات عدة أجنحة فرعية»!

ويعيد أبوذِكرى صياغة السؤال: «هل من الصعب أن تشترك منظمة تحرير فلسطين وقوات العاصفة والجبهة الشعبية فى تنظيم عسكرى واحد. وإذا كان الهدف والانتماء واحدًا، فما سِر الوقوف ضد هذه الوحدة المقدسة»؟

وفى ٢٠٢٣ أمام نشرات الأخبار نسأل: هل من إجابة يا بطلنا «أبو عبيدة» أنت وإخوانك وخصومك؟ أتطالِب الجميع بالاعتراف بحق «حماس» فى تخوين خصومها فى المقاومة الفلسطينية على مدار ٣٠ عامًا بدعوى العِمالة لإسرائيل، ثم حقها فى التراجع عن شعاراتها، وتبرؤها من «التبعية الإخوانية» فى وثيقة رسمية إدراكًا للأمر الواقع فى ٢٠١٧، وتستكثر على الأشقاء فى مصر أن يديروا دعمهم للقضية بأسلوب قد يختلف مع «جماعتك»، أو لنقل «حركتك»؟ 

هل أعمتك الإساءة إلى جهود مصر، عن تقييم دور «حلفاء» آخرين لا يقدمون إلا الأموال السهلة، وما أكثرها، والتفاخر على الهواء بالتوسط للإفراج عن رهائن العدو لديكم؟ لماذا لم تذكرهم بالمرة؟ 

أليس من الأجدى أن نُركّز جميعًا فى حسن إدارة الحرب الحالية، واكتساب الأصدقاء والأشقاء بدلًا من تخوينهم؟ أم أن المزايدات المعتادة من خلف «اللثام» أشد جاذبية؟ ألا تدعونا دائمًا إلى العمل بالوصية القرآنية: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم»؟

نحن فى ٢٠٢٣ يا بطلنا، لا ١٩١٧،

ألم يحِن بعد وقت نتجاوز فيه روح وزمن القبيلة؟

نصركم الله على كل حال.