رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ستينية استقلال الجزائر

باحتفالات ضخمة، واستعراض عسكرى كبير فى العاصمة، هو الأول منذ سنة ١٩٨٩، يحتفل الجزائريون اليوم، الثلاثاء، بالذكرى الستين لاستقلال بلادهم، بعد ١٣٢ سنة من الاستعمار الفرنسى. ومنذ أسابيع، تظهر على شاشات كل القنوات التليفزيونية الجزائرية دائرة عليها ستون نجمة، تتوسطها عبارة «تاريخ مجيد.. وعهد جديد»، نتمنى أن نراها على شاشتنا، اليوم وغدًا، وأن نشارك الأشقاء العهد الجديد كما جمعنا التاريخ المجيد.

بدأت الثورة الجزائرية، كما ذكرنا أمس، فى الأول من نوفمبر ١٩٥٤، وبعد أكثر من سبع سنوات، وأكثر من ١.٥ مليون شهيد، تم توقيع اتفاقية «إيفيان»، فى ١٨ مارس ١٩٦٢. وبموافقة ٩٩.٧٪ فى استفتاء تقرير المصير، جرى إعلان استقلال الجزائر فى ٥ يوليو التالى. وبالتالى، «قضبان حديد اتكسرت.. والشمس طلعت نوّرت.. أرض العروبة.. أرض البطولة.. أرض الجزائر.. سنين طويلة.. حرب ونضال بين الكهوف.. فوق الجبال.. شايلين سلاح.. قصة كفاح أعجب وأغرب م الخيال»، وهذه الكلمات كتبها كمال منصور ولحّنها بليغ حمدى، وغنّاها عبدالحليم حافظ، الذى أحيا، فى ٥ يوليو ١٩٦٣، الذكرى الأولى لاستقلال الدولة الشقيقة.

هنا، فى القاهرة، جرى التحضير للثورة، فى اجتماعى ١٠ و٢٤ أكتوبر ١٩٥٤، اللذين عقدهما مجلس قيادة الثورة، ثورة يوليو ١٩٥٢، وقادة مناطق الثورة الجزائرية الستة. ومن هنا، من القاهرة، تم الإعلان عن إنشاء «جبهة التحرير الوطنى» الجزائرية. كما كانت القاهرة مقر الحكومة الجزائرية المؤقتة، التى تأسست فى ١٩ سبتمبر ١٩٥٨، ومن القاهرة، انطلقت كل نشاطات جبهة التحرير والحكومة المؤقتة السياسية والدبلوماسية. وقبل أن يُخرج يوسف شاهين فيلم «جميلة»، سنة ١٩٥٨ عن جميلة بوحيرد، أيقونة الثورة الجزائرية، قام محمد فوزى، سنة ١٩٥٦، بتلحين النشيد الوطنى الجزائرى، الذى لا يزال هو النشيد الرسمى.

دور مصر فى تحرير الدولة الشقيقة لخّصه كريستيان بينو، وزير خارجية فرنسا فى أواخر الخمسينيات، حين قال إن ما وصفه بـ«التمرد فى الجزائر» لا تحركه سوى المساعدات المصرية. وفى كتابه «السياسة العربية والمواقف الدولية تجاه الثورة الجزائرية»، أكد الكاتب الجزائرى إسماعيل دبش أن «تأييد مصر للقضية الجزائرية ولكل مطالب جبهة التحرير الوطنى كان مطلقًا، ومتشددًا، ودون تحفظ». وردًا على ذلك، شاركت فرنسا فى العدوان الثلاثى على مصر، سنة ١٩٥٦، ووقتها قال العقيد أحمد بن عبدالرزاق حمودة، المعروف باسم «سى الحواس»، أحد قادة الثورة الجزائرية: «لو عندنا طائرات لطرنا.. لو عندنا بواخر لذهبنا.. إذا انتصرت مصر انتصرت الثورة الجزائرية.. وإذا انهزمت مصر انهزمت الثورة الجزائرية».

جرائم وحشية كثيرة، ارتكبها الاستعمار الفرنسى فى حق الشعب الجزائرى. ومع ذلك، لم تعتذر فرنسا، إلى الآن، عن تلك «الجرائم». صحيح أن رئيسها السابق فرانسوا هولاند وصف استعمار بلاده للجزائر بأنه «ظالم ووحشى»، لكنه لم يعتذر. والشىء نفسه فعله نيكولا ساركوزى، الذى ندد خلال زيارته الجزائر، فى ديسمبر ٢٠٠٧، بالنظام الاستعمارى، لكنه رفض الاعتذار. أما الرئيس الحالى إيمانويل ماكرون، وهو أول رئيس فرنسى يولد بعد استقلال الجزائر، فأقر خلال حملته الانتخابية الأولى بأن الاستعمار كان «جريمة ضد الإنسانية»، ثم تعامل بعد ذلك بأسلوب «اللا إنكار.. واللا توبة» وطرح مبادرات لتنقية الذاكرة!. 

انطلاقًا من تلك الذاكرة، التى لن تنسى جرائم فرنسا الوحشية ونضالنا المشترك ضدها، كانت الجزائر أول دولة يزورها الرئيس عبدالفتاح السيسى بعد توليه الرئاسة فى ٢٠١٤. وفى يناير الماضى، حلّ الرئيس عبدالمجيد تبون ضيفًا عزيزًا على مصر، ومساء الأربعاء الماضى، استضافت الجزائر، العاصمة، الدورة الثامنة لـ«اللجنة العليا المصرية الجزائرية المشتركة»، برئاسة رئيسى وزراء البلدين، وأقيم على هامشها المنتدى الاقتصادى المشترك، تحت شعار «تاريخ وقواسم مشتركة فى خدمة الشراكة الاقتصادية الواعدة».

.. أخيرًا، وتأسيسًا على التاريخ والقواسم المشتركة ودماء الشعبين، التى امتزجت فى معركة التحرير الوطنى، نرى ضرورة أن نخوض معًا معركة التنمية، بتعميق الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية، وتحقيق التكامل بين البلدين الشقيقين، وتعظيم الاستفادة من قدراتهما وإمكاناتهما فى المجالات التى يتمتع فيها البلدان بمزايا نسبية، حتى نتمكن من مواجهة هذه الظروف الاستثنائية الصعبة، التى يمر بها العالم.