رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ارفعوا أيديكم عن اللاجئين

أتابع، منذ فترة ليست بالقصيرة، تداول عدد من الكتاب والمثقفين الكثير من الشائعات، أو المعلومات، بشأن بعض الجنسيات التى أجبرتها ظروف السياسة والحرب للجوء إلى مصر، والحقيقة أننى لا أعرف مدى مصداقية هذه المعلومات، ولا أريد. 

لا أعرف مدى أهميتها لمن يتداولونها، ولا أهدافهم من حالة الكراهية التى يمكن أن يتسببوا فيها لحاملى هذه الجنسيات من الأشقاء العرب أو الأفارقة، أو حتى من غير الأشقاء فى القارة واللغة، ولا أعرف من أين تأتيهم تلك الجرأة على التعامى عن أبسط الحقائق التى لا تحتاج حتى إلى عينين لرؤيتها.. تلك الجرأة على مطاردة شخص أجبرته الدنيا على هجرة حياته التى ألفها وألفته إلى بلاد غريبة، وتحويله إلى شبح تجب مطاردته، وتنكيد عيشته، وكأن كل مشاكلنا وأزماتنا هم السبب الرئيسى فيها، أو سببها الوحيد، وكأنه لا يتم استغلال حاجتهم إلى "العيشة" فى أمور لا يمكن أن يقبلوا بها لو كانت حياتهم فى بلادهم كما اعتادوا عليها وألفوها.

بالطبع هناك بعض النماذج المسيئة فى كل الجنسيات، وفى كل دول العالم، فتلك واحدة من حقائق الحياة والوجود، لكن التعميم، وتحويل الأمر إلى حالة من الرفض المطلق، والشيطنة المريبة، والضغط بشأنها أمر بالغ الخطورة، ويستحق وقفة لإعادة النظر فيما يحدث. وما يراد من ورائه.

ألا يكفى ذلك الإنسان، أيًا كانت جنسيته ما يمر به من أزمات ومشاكل وتعقيدات لكى نفكر فيه بجزء ولو شديد الضآلة من الرحمة والرأفة والتعاطف؟! أن تضطره ظروف خارجة عن رغبته وإرادته إلى أن يترك أهله وناسه، عائلته وبيته وجيرانه، والحياة التى كانت هى كل ما يملك، مجبرًا، مضطرًا، مهزومًا، لكى يحل على أرض غريبة، لا يعرف فيها أحدًا، فلا يجد من أهلها سوى العداء، ونظرة الريبة، والشك؟!

هذا شخص يريد أن يحيا، بعد أن ضاقت به الحياة فى وطنه، "عايز يعيش مش أكتر"، فماذا يجد فى البلاد التى يلجأ إليها؟ فى مصر، أو فى أمريكا، فى الغرب أو فى الشرق، أو أى أرض يمكنه الوصول إليها فى كل دول العالم؟

أقول لك ماذا يجد.. المسلمون يجاهدون لضم المسيحيين منهم، ويغرونهم بالأموال والإعانات والتبرعات، وبغيرها من السبل، والمسيحيون يجاهدون لضم المسلمين منهم، ويغرونهم بالتمويلات، والمساعدات وغيرها من عوامل، يظن القائم بها أنها جهاد فى سبيل الله، بينما الحقيقة أنها فى الأصل استغلال لحاجة ذلك اللاجئ الضعيف المهزوم إلى أقل قدر من الأمان والاستقرار.

وإن سلم من هؤلاء وهؤلاء، يتم اتهامه بكل ما يمكن من اتهامات، وتشويه صورته، ومطاردته..

العراقيون رفعوا أسعار الإيجارات فى أكتوبر، السوريون يتعاملون معنا بغطرسة وكأنهم اشتروا البلد، اليمنيون يزحفون بعاداتهم المغايرة على تراثنا.. الأفارقة ينشرون الدعارة، وغيرها الكثير والكثير من القصص والحكايات التى لا أصل لها ولا مكان إلا فى عقول من يرددونها، وربما لا تزيد عن بعض الممارسات الفردية التى تحدث فى كل مكان على وجه على الأرض، وأينما حلت قدم إنسان، فى أرقى بقاع الأرض، وفى أحطها، فلا معصوم من بنى البشر، ولا أرض لا يسكنها سوى الملائكة.

هذا ما يفعله الشرق والغرب طوال الوقت، وكأنه لا يكفى اللاجئ ما يمر به من محن وعذابات لا يقدر عليها بشر، ولا يطيقها إنسان.

أيها الأصدقاء من الكتاب والمثقفين، ومن عموم المصريين.. ارفعوا أيديكم عن اللاجئين إليكم، لا تكونوا عونًا لشياطين الأرض عليهم، كفاهم ما يمرون به، وما مروا به، وما ينتظرهم من طول اغتراب وأذى.. لا تفتحوا بابًا للفرقة، والانقسام، وكونوا حصنًا وملاذًا آمنًا لكل من يطلب عونكم، من الأشقاء ومن غير الأشقاء.. وتذكروا جيدًا أنه كان من الممكن أن نكون نحن، لا أحد غيرنا، من يعانى تلك المعاناة الآن، لولا توفيق من الله، ونصر من عنده.. وما الأمس ببعيد، حين كانت مصر على وشك السقوط بين أنياب شياطين "الإخوان"، وكانت حقائب اللجوء قد تم إعدادها، وعبارات "اللى مش عاجبه يهاجر" يتم ترديدها على مسامعنا ليل نهار.

كان الله فى عون اللاجئين.. فكونوا معهم لا عليهم.