رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هانى شاكر وأغنية ما بعد الرحيل

 

لن يخسر هانى شاكر.. هذا ما أعتقده تمامًا، فالرجل الذى قرر فى لحظة غضب طبيعية جدًا أن يغادر موقعه كنقيب للموسيقيين ليس مطربًا وفقط.. هانى شاكر اسم كبير فى تاريخ الغناء المصرى.. كنتَ من عشاق أغنياته أو لم تكن.. سيظل واحدًا ممن شقوا لأنفسهم طريقًا آمنًا حفظ له وهو على أبواب السبعين مقعدًا ثابتًا وحضورًا مميزًا على الساحة وبين «أساتذة» الطرب.

تختلف مع هانى شاكر النقيب.. «براحتك» هذا هو شأن أى عمل «جماعى» وخدمى ونقابى- فالنقابات أيًا كان شغل أعضائها تبدو وكأنها عمل سياسى واجتماعى بامتياز.

هانى شاكر الذى جاء فى عز زمن وسطوة عبدالحليم حافظ وفى حضور عمالقة التلحين فى بلادنا «وصنع» هويته الخاصة فى ظل حضورهم الطاغى.. لم ينهزم أمام طوفان ما سمى بالأغنية البديلة وصار بسمته الخاص جنبًا إلى جنب مع جيل على الحجار ومحمد منير والحلو، ولما هبت موجة أغانى المقسوم والموضة والجينز ظل الرجل الذى يرتدى «البدلة الرسمية» «والكرافتة» فى موقعه وكأن شيئًا لم يحدث.. ومر جيل حميد الشاعرى بكل تجلياته بجواره.. دون أن يتغير.. «اختار من البداية.. مشواره وسكته».

أهل الموسيقى يتندرون أحيانًا بأن هانى شاكر هو مطرب مقام "الكورد" بامتياز.. وإن هجره قليلًا فهو يمر على مقام شيك مثل العجم.. أو النهاوند لا تضبطه كثيرًا فى "نقلات" قد تكلفه البعد عن "لونه" وطبيعته.. هو رجل لا يحب الفذلكة.. بسيط مثل أغنياته لا يحب التعقيد ولا السير فى متعرجات أو خطوط غير واضحة.. الدنيا عنده أبيض وأسود فقط.

هو كما يردد المقربون منه مثل أغنياته أيضًا.. وربما هذا هو سر "زهقه" مما جرى مؤخرًا فى خناقة سعيد الأرتيست وشاكوش.

الأمر ليس غضبًا من "خناقة".. هانى يحب دومًا أن تبدو الأمور "شيك".. هو رجل شيك وتدفعه رومانسيته وانضباطه الشديدان إلى تخيل أن حياة النقابات بتفاصيلها اليومية وعوالمها المتباينة يمكن التحكم فيها كما يتحكم فى درجات صوته. 

سبع سنوات.. تغير فيها عالم الموسيقى والوسط الفنى بأكمله. هناك المئات من أهل هذه المهنة يعانون.. يتمزقون.. وتتعبهم ظروف صناعتهم التى تعيش أسوأ أيامها.. هاجر البعض.. ووجد البعض الآخر فرصة فى الالتحاق بركب بعض المطربين العرب وهؤلاء لا ينتظرون من هانى أو النقابة علاجًا أو عونًا.. لكنّ الكثيرين أيضًا يعانون بطالة مزعجة.. وبعضهم تعرض لأعباء صحية مهلكة.

كل هذه التفاصيل حاوطت الرجل.. مثلما حاوطته مشكلات الظواهر الغنائية التى لا تنسجم وذوق هانى شاكر الخاص.. هانى ابن زمن أم كلثوم وحليم وعبدالوهاب وبليغ والموجى والطويل.. تلميذ زكريا أحمد والقصبجى ورياض السنباطى.. تخيل وهو يجلس على مقعد النقيب الذى جلس عليه من قبل عدد غير قليل من هؤلاء الكبار.. أنه يعيش نفس الزمن فكانت صدماته المتوترة وغير المحسوبة فى بعض الأحيان ممن سميناهم عبثًا مطربى المهرجانات أو مطربى الراب.. ربما حدثت أخطاء وتداخل ذوق هانى شاكر المطرب مع واجبات النقيب.. وامتطى الرجل خيول الوصاية على ذوق المصريين.. وتحول دور النقابة إلى دور الرقابة.. ربما أزعج هذا الصدام البعض.. وبعضهم لا يصلح لممارسة الغناء بالطبع.. لكن هذه المعركة شغلت الرجل وصرفته عما هو أهم.. حتى إن البعض يسأل الآن وماذا أضاف هانى ومجلسه إلى الذوق العام فى مصر.. هل قاموا بدعم المطربين الجدد من الجيدين مثلًا فى مواجهة شاكوش وبيكا ومن هم على شاكلتهما؟.. وهذا أمر لا أعتقد أن النقابة مسئولة عنه.. لقد اختلط الأمر على كثير من المتابعين مثلما اختلط الأمر على هانى شاكر نفسه.

المهم أننا فى نهاية الأمر وجدنا نقابة الموسيقيين مصدرًا للأخبار المزعجة.. لتنتهى تلك التفاصيل بحدث لم يكن مبهجًا لكل من شاهده من الأصل.. وهو الأمر الذى دعا النقيب إلى إعلان تخليه عن قيادة أهل الموسيقى مستقبلًا بشكل حاد فى بعض برامج الفضائيات.. ربما يسعى البعض من محبى هانى شاكر إلى إعادته مجددًا ودفعه إلى التراجع عن موقفه.. أقول ربما.. لكنّ كثيرين أعرفهم غمرتهم السعادة بهذا الرحيل ليس كرهًا فى هانى شاكر أو لأنهم على خصومة معه.. بل ولأنهم يعرفون قيمة وقدرة هانى شاهر المطرب.. إذ يشعرون بأن عمله النقابى جار كثيرًا على دوره الحقيقى وعلى أغنياته.. مع أننى أحسب أنه لم يغب كثيرًا، وأن تلك الفترة التى توقف فيها عن الغناء كانت لأسباب خاصة لم يكن للنقابة دخل بها.

هانى لم يتوقف.. وقدم ألحانًا مع جيل جديد من الشباب وشارك بعضهم مثل أحمد سعد فى أداء دويتو يبدو غريبًا عليه لكنه تجربة مقبولة على أى حال.. وحتى ثلاثة أيام مضت كان هانى شاكر نجمًا لمهرجان السويس الذى أقامته وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة السياحة.

وربما لا يكون إنتاج هانى شاكر من الأغنيات كافيًا لإشباع رغبة محبيه.. هذا صحيح.. لكن الأمر فى ظنى يتعلق بتراجع عملية الإنتاج نفسها.. وتوقف معظم شركات الإنتاج عن العمل.. وسيادة فكرة الأغنية "السنجل".

وسواء تراجع هانى شاكر عن قراره أو مضى فى طريقه مكتفيًا بدوره كمطرب مهم فإننى أعتقد أنه لن يتوقف عن الغناء وهذا ما يهم جمهوره بالأساس.

أعود للنقابة نفسها.. أعتقد أنها وفى حال إصرار شاكر على الرحيل ستكون فى حاجة ليس لانتخاب نقيب جديد فقط ولكن لاختيار من يستطيع أن يعيد الصواب إلى جنباتها.. من يستطيع لم شمل أعضائها حتى يتمكنوا من تطوير أدواتهم وأدائهم الذى لم يعد يليق بواحدة من أقدم وأهم النقابات فى عالمنا العربى.

قصة هانى شاكر ليست مجرد قصة لرجل قرر العزلة بعيدًا عن هرتلة لا تليق ولا بنقابة "المبدعين"، لكنها نقطة فاصلة فى وقت تسعى فيه بلادنا إلى إعادة الروح لقواها الناعمة.. لتعود وتمارس دورها الحقيقى فى مواجهة "المستنقع" الذى صارت إليه مهنة أصلها "السمو والخيال والجمال". 

هى قصة صناعة مهمة كانت وستظل رقمًا فى "الناتج القومى" علينا أن نستعيدها وهذا لن يحدث دون هؤلاء الذين تواروا بعيدًا عن المشهد زهقًا أو يأسًا من إصلاح نتمناه عاجلًا.

لقد تدخلت الدولة لإنقاذ الدراما المصرية وبعث الروح فى شرايينها من جديد.. ومن الطبيعى أن تسعى ويسعى المخلصون من مبدعينا لاستعادة وإنقاذ "صناعة الموسيقى".. وهذا لن يحدث قطعًا فى ظل وجود نقابة الموسيقيين على الحال الذى صارت إليه.

هانى شاكر لن يخسر.. بل ذلك "الرمز" الذى نحتاجه مثلما نحتاج إلى فنه.. نحتاج أن تتحول نقاباتنا إلى خلايا نحل فى كل شبر من أرجاء المعمورة.. وصناع البهجة باعثو الأمل فى النفوس قادرون على ذلك لو أخلصوا النوايا.. وإلا خسرنا جميعًا.. وهذا ما لا نحبه ولا نرضاه.