رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أسرار وحكايات الجالية الأرمينية في مصر.. كيف عاشت واستقرت هنا منذ 1300 عام؟

حارة الأرمن
حارة الأرمن

عدد قليل وتأثير كبير واستمرار منذ 1300 عام، هكذا تعيش الجالية الأرمينية في مصر، متمسكة بتواجدها في أحياء مصر منذ القرن السابع الميلادي، وتقع أرمينيا بين أوروبا والشرق الأوسط، وهي دولة غير ساحلية مع تركيا من الغرب، وجورجيا من الشمال، وأذربيجان من الشرق، فهي موطن لواحدة من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، مما جعل المسيحية دينها الرسمي منذ عام 301 م.
وباتباعهم طقوس معينة وثابتة، حافظت الجالية على هويتها وتأثيرها، وظلت هذه الطقوس ثابتة لا تتغير أبدًا منذ سنوات طويلة، رغم انتقال الآلاف منهم للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنهم مازالوا يحتفظون بذكرياتهم وأقاربهم وأصدقائهم في مصر.
وبحسب صحيفة "أسباريز" الأرمينية، فإن الأرمن المصريين يحاولون التواصل مع بعضهم البعض بصورة مستمرة حتى في الخارج، من خلال التجمع وتناول طعام الغداء كل ثلاثاء في أحد المطاعم التي لها فروع في الولايات المتحدة الأمريكية.
منذ حوالي 18 إلى 20 عامًا ، بدأ آرا كيسجيان من مصر في تنظيم وجبات الغداء هذه مع مجموعة من سبعة إلى 10 رجال، التقيا لأول مرة في مطاعم مختلفة ، لكن منذ عام 2008 بدآ الاجتماع في المطعم وشيئًا فشيئًا بدأت النساء في الانضمام إليهن. 
لسوء الحظ ، توفي كيسجيان في عام 2010 ، لكن المجموعة استمرت في التجمع كل يوم ثلاثاء - باستثناء حوالي 10 أشهر أثناء وباء كورونا.
وقالت الكاتبة الأرمينية كاثرين يشيان "عرّفتني صديقتي المصرية الأرمنية، ماري لويز، على المجموعة، الأعضاء يأتون من قريب وبعيد، وماري هي واحدة من أكثر الأعضاء تفانيًا، حيث تقود سياراتها لمدة تتجاوز الساعة للوصول إلى مكان التجمع".
وتابعت "في 10 مايو الماضي، كانت المجموعة ستحتفل بعيد ميلاد فرام سارافيان التسعين، الذي يحضر بانتظام مع زوجته الاجتماعات دعتني ماري لحضور عيد الميلاد، في ذلك اليوم، اصطحبتني وسافرنا إلى المطعم معًا للانضمام إلى بقية المجموعة".
ووفقا للصحيفة، فإن هذا التجمع متاح لكافة الأرمن، إلا أن معظم الحاضرين ترعرعوا في مصر، بينما يأتي آخرون من لبنان وسوريا والسودان وبلغاريا.

 

تاريخ الأرمن في مصر

يخبرنا التاريخ أنه منذ القرن السابع كان هناك مجتمع من الأرمن في مصر، في التاريخ الحديث، زاد عدد السكان الأرمن بشكل حاد بسبب فرار اللاجئين من المذابح التي وقعت عام 1915 بأوروبا، ووصل عدد السكان الأرمن في مصر إلى ذروته بإجمالي 40 ألف شخص في عام 1952.
واليوم، انخفض عدد الأرمن في مصر إلى حوالي 5 آلأاف شخص فقط، حيث بدأت هجرة الأرمن من مصر حوالي عام 1956، بسبب إدخال "القوانين الاشتراكية" وتأميم العديد من القطاعات الاقتصادية.
وبما أن الأرمن عملوا في الغالب في القطاع الخاص، فإن القوانين الاشتراكية أثرت عليهم، من أجل مستقبل أفضل، غادروا مصر وهاجروا إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
في ذلك الوقت فقد العديد من الأرمن الأعمال التجارية التي عملوا لبناءها من الصفر عندما هاجروا إلى مصر بعد هروبهم من المذابح في بلدهم. 
معظم الأرمن المصريين، ولدوا وترعروا في مصر، ويقيم بعضهم بشكل أساسي في القاهرة ولكن الغالبية منهم تقيم في الإسكندرية، ويعززون من تواصلهم مع بعضهم البعض بالاجتماعات الأسبوعية أو الشهرية في المطاعم أو النوادي ويحيون ذكرى أجدادهم وثقافتهم وتراثهم من خلال حفلاتهم الخاصة.

 

هوية الأرمن في مصر

وبحسب التقارير الدولية، فإن الأرمن سكنوا في حارة كنيسة الأرمن في القاهرة قبل عقود طويلة من الزمن، وهو عبارة زقاق صغير في حي الموسكي، الذي كان موطن لمئات العائلات من الأرمن، وفي خمسينيات القرن الماضي انتقلت غالبية هذه العائلات إلى منطقة مصر الجديدة وأصبحت مركز تجمعهم.
ولم تنقطع اتصالات الجالية الأرمينية المصرية سواء في مصر أو خارجها، حيث يتواصل الجميع بشكل منتظم ويرحبون بالأرمن الموجودون في الخارج خلال زيارتهم لمصر.
وأكدت الصحيفة الأرمينية أن التواصل الدائم بين أعضاء الجالية الأرمينية في مصر يعد السبب الرئيسي في بقاء هويتهم رغم السنوات الطويلة التي قضوها خارج بلدهم.
وتابعت أن الجالية الأرمينية المصرية أصبحت مجتمع متماسك بسبب بقاء الاتصالات ومن خلال الفن والموسيقى والطعام وممارسة عاداتهم وتقاليدهم والحفاظ على لغتهم الأم وتعليمها لأطفالهم حتى لا تختفي، كما يحرصون على تعليم أطفالهم في المدارس الأرمينية.
ويعد الحفاظ على اللغة الأرمنية من أهم الركائز بالنسبة للأرمن المصريين ، ويلعب التعليم الأرميني دورًا مهمًا للغاية في الحفاظ على اللغة، حيث تأسست المدرسة الأرمنية الأولى في مصر، وهي المدرسة الإيجيازارية الدينية، في عام 1828.
وحتى وقت قريب ، كانت هناك ثلاث مدارس أرمينية؛ ومع ذلك ، في عام 2013، أدى انخفاض معدلات الالتحاق إلى إجبار المدرسة الأرمينية التاريخية في وسط القاهرة على الإغلاق والاندماج مع مدرسة قريبة في مصر الجديدة. 
يبلغ معدل التخرج في مدرسة كالوسديان- نوباريان الأرمنية 100 في المائة، وتأتي الأعداد المتزايدة من الزيجات المختلطة بين الآباء المصريين والأرمن.
كما تلعب الكنيسة دورًا كبيرًا في تعزيز الروابط المجتمعية للأرمن المصريين، حيث توجد كنائس أرمينية في القاهرة والإسكندرية ، منها كاتدرائية الأرمن الكاثوليك بوسط القاهرة وكاتدرائية الأرمن الأرثوذكس بوسط القاهرة. 
تتميز الكنائس الأرمينية، التي يسهل التعرف عليها، بنمط معماري مميز، بما في ذلك "خاشكار" الأرمني صليب الحجر، والأعلام المصرية والأرمينية ترفرف جنبًا إلى جنب.

 

اندماج الأرمن في المجتمع المصري

منذ اللحظة الأولى لوصولهم لمصر، نجح الأرمن في الانخراط في المجتمع المصري، فكان نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر، الذي خدم ثلاث فترات، من عام 1878 حتى عام 1888 أرمينيًا، يمكن مشاهدة تمثاله عند مدخل دار الأوبرا في الإسكندرية. 
كما أصبح بوغوص يوسفيان أول وزير خارجية لمصر في عام 1862، وتم اكتشاف تمثال رمسيس الثاني الشهير، والذي يمكن العثور عليه الآن في المتحف المصري الكبير، في عام 1854 من قبل جوزيف هيكيان.
كما تم إحضار فاكهة اليوسفي لأول مرة إلى مصر عام 1832 من قبل يوسف أفندي الأرماني، ولهذا سميت الفاكهة باسم يوستفني أو يوسف أفندي.
ساهم الفنانون الأرمن أيضًا في صناعة الفن والموسيقى والسينما المصرية، فكان المصري الأرميني أوهان حاجوب جستنيان أول مصنع لكاميرات الإنتاج السينمائي في القاهرة والإسكندرية، ومن بين العديد من المشاهير الذين أضاءوا الفن المصري كل من نيللي وميمي جمال، ولبلبة، وأنوشكا أيضًا من أصول أرمنية.
كما اكتسب الصاغة الأرمينيون وصناع المجوهرات أيضًا سمعة مرموقة في مصر.
كانت مصر ذات يوم حلقة وصل لحياة الأرمن، لكن المؤسسات الأرمينية في مصر تواجه الآن تحديًا في الحفاظ على مجتمعهم معًا ، حيث يبحث الشباب الأرمن عن فرص في الخارج وتسبب زيادة الزواج المختلط بين الأرمن والمصريين في تضاؤل عدد السكان.

على الرغم من انخفاض أعدادهم على مر السنين، إلا أن الأرمن ظلوا محفورين إلى الأبد في تاريخ مصر التي صارت وطنًا بعيدًا لهم بجانب وطنهم الأم أرمينيا.