رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«زوجيه بأخرى حتى لا يقع فى فاحشة».. آخر محطات «التحريض على حواء»

وحاجات كتير بتموت فى ليل الشتا

لكن حاجات أكتر بترفض تموت

صلاح جاهين

التصريحات المتداولة من البعض عن ضرورة إعانة الزوجة لزوجها على الزواج بثانية، حتى يعف نفسه عن ارتكاب الفاحشة، تجعلنا نتوقف قليلًا أمام ذلك الكلام المُرسل بلا تبصُر لما آل إليه وضع النساء وحقوقهن الاجتماعية وخياراتهن السياسية وحق المرأة فى أهليتها الكاملة التى تخوّل لها إدارة حياتها بنفسها دون وصاية مجتمعية وهيمنة على عقلها وخياراتها، بداية من حقها فى التعليم والعمل والسفر واختيار الزوج والزواج من عدمه، والوجود الحُر فى المجال العام، وذلك يجعلنا نرى أن هذه التصريحات «محرضة» ضد النساء فى مجتمعات ضاغطة عليهن فى أصلها.

فنحن نرى أن هذا الجدل الذى يتعمد البعض إثارته بين الحين والآخر حول حقوق المرأة، التى أضحت راسخة بنضالات النساء أنفسهن تاريخيًا وبإقرار هذه الحقوق دستوريًا وتعزيزها بالقوانين، وكذا الجدل حول حق النساء فى مساندة ودعم وطنهن دون الحط من قدرهن، وحقهن فى صون كرامتهن باستنكار ورفض التصريح المطالب بإعانة الزوجة لزوجها للاقتران بأخرى، والذى تم تناوله بتوسع متعمد- يفتح الباب واسعًا للتساؤل حول حرص الرجال المبالغ فيه على محاولة إحكام السيطرة على النساء، مستخدمين آليات إقصائهن عن المجال العام وبإبقائهن دون تعليم، لأن التعليم يخلق وعيًا يخافه المجتمع متمثلًا فى رجاله.

ولذا سوف نلقى نظرة متعمقة قليلًا على ذلك، فنرى أن الرجل الذى امتلك اللغة والإرادة قد أحكم قبضته على الفكر الثقافى والتاريخ، وقد تم التحذير صراحة من تعليم النساء القراءة والكتابة عبر التاريخ، فها نحن نجد «خيرالدين نعمان ابن أبى الثناء» يشرع دون أى حرج فى تأليف كتاب بعنوان «الإصابة فى منع النساء من الكتابة» والذى غرضه الأساسى حرمان المرأة ومنعها من تعلم القراءة والكتابة.

وقال خيرالدين نعمان فى كتابه: «أما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله، إذ لا أرى شيئًا أضر منه بهن، فإنهن لما كن مجلوبات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفساد، وأما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكتابة بها فإنه يكون رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمر وبيتًا من الشعر إلى عزب وشيئًا آخر إلى رجل آخر، فمثل النساء والكتب والكتابة كمثل شرير سفيه تهدى إليه سيفًا، أو سكير تعطيه زجاجة خمرة، فاللبيب من الرجال من ترك زوجته فى حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع»، وبهذا يضمن الرجل عدم اقتراب المرأة من قلعته الحصينة، للمعرفة ويلجأ الرجل للتحايل للدفاع عن هذه القلعة، وأما استيلاء الرجل على القراءة والكتابة فهو نتاج لعصور طويلة من الإبعاد للمرأة فى كل المستويات الثقافية والوظيفية الحضارية. 

إن الحضور المخيف لهذا الكائن الأنثوى يستدعى حماية الوجود الذكورى، ومن ثم يبدأ إعلان الرفض منذ خروج البنت للعالم، ولقد اشترك فى تكوين هذه الصورة عن المرأة فكر شعبى ذكورى، تمحور حوله فكر متشدد، وأعطاه تبريره ومشروعيته. فالخطاب المتشدد يضع تصورًا دونيًا للمرأة. فيجعل منها شيطانًا مخيفًا أو مجرد أداة للإنجاب فى أفضل الأحوال. 

وحتى على مستوى هذه العلاقة لا ينظر هذا التصور المغرق فى تشدده إلى العلاقة الجسدية كعلاقة بيولوجية اجتماعية بين كائنين اجتماعيين، بل يصادر أحد طرفى العلاقة «المرأة» ككائن شرير، معنوى، يجب تقييد حركته وإلا أفسد العالم.

وبمطالعة كتاب ابن الجوزى المعنون «أحكام النساء»، نجد فصلًا كاملًا من فصوله يحمل عنوان: «تخويف النساء من الذنوب وإعلامهن أنهن أكثر أهل النار». ويُضمِّن «ابن الجوزى» هذا الفصل العديد من الأحاديث النبوية التى تجعل من المرأة كائنًا ملعونًا ووقودًا للنار، بينما لا يخرج معظم الفصول الباقية عن تنظيم وجود المرأة ككائن جنسى. ويصل الكتاب فى نهايته إلى نتيجة مفادها أنه «ينبغى للمرأة أن تعرف أنها كالمملوك للزوج (...) وتكون مستعدة لتمتعه بها». 

إن عقل وجسد المرأة يحملان كل صفات «التابو» فهما مرغوبان ومخيفان فى الوقت ذاته. مخيفان طالما هما خارج السيطرة. إن عقل وجسد المرأة مصادران لصالح مالكهما. وهما أمانة إلى حين تسليمهما لمالكهما الجديد. 

بناءً على ذلك، ظل المفهوم السائد للزواج يجعل من المرأة أداة للمتعة والإنجاب فقط، فلم نجد لها أى حقوق إنسانية مطلقًا. حتى إن الفقهاء عرّفوا الزواج بأنه «عقد يملك به الرجل بضع المرأة»، وكما قال الإمام الغزالى «إن الزوجة يجب أن تقدم حق الزوج على حق نفسها.. مستعدة فى الأحوال كلها للاستمتاع بها كيف شاء».

إن تلك الرؤية المتشددة تتمفصل على الموقف الشعبى من المرأة، وكما لاحظت فى شهادات وكتابات النساء- اللائى عملت معهن خلال برامج تدريبية وتوعوية تعتمد على الإبداع النسوى، خاصة الكتابة والحكى الممسرح- غيابًا للتبرير الدينى، فنحن أمام الأصل الاجتماعى الذى يصلح لأن يكتسى ثوبًا «دينيًا» أصوليًا أو أى ثوب أيديولوجى رجعى آخر. 

لقد تحولت هذه الرؤية إلى نوع من القناعات بين أبناء الطبقات الوسطى المتعلمة، خاصة مع انتشار الفكر المتشدد بين عناصره المتعلمة، وقامت عليها عمليات تمييز تتعرض لها المرأة يوميًا فى المجتمع والأسرة. إذ يستمد ذلك التمييز قوته وفاعليته من خلال نسق من القيم والمعايير يحدد أدوار الذكور والإناث ومكانة كل منهما فى المجتمع، كما يحرص هذا النسق على تفضيل الذكور وتعظيم سلطتهم العائلية والاجتماعية، على حساب تبخيس وتحقير الإناث وتكريس تبعيتهم. هذا ويستمد نسق المعايير والقيم هذا شرعيته من روافد مختلفة من أهمها الثقافة السائدة، والتراث الشعبى والدينى، والقانون، والإعلام. 

نعود للحكايات التى كتبتها النساء، لنعرف من خلالها أن ذلك الوجود الأنثوى يستعصى على الإخفاء رغم ما تم عبر قرون من ترسيخ لمفاهيم أنه يمثل عارًا يجب إخفاؤه أو التخلص منه. 

لا بد إذن من محاصرة هذا الكيان الأنثوى المزعج وإخصائه اجتماعيًا ومعرفيًا وليس من مخرج سوى إخراج البنت من المدرسة. لقد كان الزواج سببًا مباشرًا فى عدم إكمال الكثير من أولئك الفتيات والنساء لتعليمهن حتى تحتشد الفترة التى تعيشها الفتاة وسط أسرتها، وقبل انتقالها إلى «بيت الزوج» بممارسات عنف متنوعة كمًا وكيفًا. فالعنف ضد الفتاة يبدأ منذ طفولتها ويستمر سلوكًا ملازمًا إزائها حتى بعد أن تتزوج.

إن الحكايات تكشف لنا عن عمق الأزمة التى تواجهها النساء فى مجتمعنا، خاصة فى القطاع الريفى منه. وتجعل هذه الرسائل المشفرة فى القصص، لا شك تجعلهن كائنات اجتماعية ثورية، وأنها تهدد ثوابت العقلية الذكوريّة فى أصلها، لذلك استحقت بالمنطق «الأبوى» النفى خارج وطن التداول، ومنعت النساء من «الكلام المباح». 

ويبقى من الضرورى أن نشير إلى عدد من الملاحظات الهامة لوضع النساء: 

أولًا: انعكس الانخفاض فى نسبة التحاق الإناث بالتعليم فى مراحله المختلفة على التركيب النوعى لقطار الأمية. وتزداد الصورة قتامة فى الريف المصرى، فالأمية أكثر انتشارًا فى الريف حيث البناء الثقافى أكثر محافظة والواقع الاجتماعى أكثر تخلفًا. وهو ما انعكس على نسبة الأمية بين الإناث فى الريف. ويتضح ذلك بشكل صارخ فى معظم محافظات الصعيد، إذ يبدو التمييز والحرمان من فرص التعليم أكثر حدة بين نساء الريف عنه بين نساء الحضر.

وتكشف الدراسات الحديثة عن ازدياد نسبة التسرب من المدارس بين الإناث. ويعزو ذلك إلى العادات والتقاليد الاجتماعية التى لا تشجع تعليم الإناث فيما بعد المرحلة الابتدائية، حيث تفضل الأسر الريفية الاستعانة بهن فى الأعمال المنزلية وفى الزراعة، وكذلك يحول الزواج المبكر للإناث فى الريف دون استكمال الفتاة تعليمها، وتزايد معدلات الأمية بين النساء، وعلى الأخص فى المناطق الريفية والأحياء الشعبية والعشوائية فى المدن بسبب هيمنة التقاليد والقيم الثقافية المتوارثة التى تضع تعليم الأنثى فى أولوية متأخرة عن الذكر، علاوة على تزايد رقعة الفقر. 

ومن ناحية أخرى، قصور مناهج التعليم- رغم محاولات الإصلاح الإيجابية والتى نرجو أن تشمل كل المستويات بما فيها التعليم الجامعى والأزهرى على الأخص- فيما يتعلق بوضعية المرأة وحقوقها إذ يغلب عليها الرؤية الذكورية التقليدية التى تعيد إنتاج النظرة التقليدية للمرأة وأدوارها ومسئولياتها، ولا تسعى لتصحيح المفاهيم المتخلفة التى تتعارض مع مكانة المرأة ودورها التاريخى والمعاصر فى صنع الحضارة. 

ثانيًا: إن دراسة وضع الفتاة فى المجتمع المصرى- باعتبارها الطرف الأضعف فى المعادلة الاجتماعية- لن تصبح مجدية وجادة إلا إذا أخذت فى اعتبارها جانبين شديدى الأهمية، هما: الواقع الفعلى للمرأة الذى يجعل منها ذلك الطرف الضعيف، وصورة المرأة التى يتم ترويجها حتى أصبحت المرأة ذاتها حاملة لقناعات زائفة حول نفسها وحول العالم جعلتها تقبل بتدنى أوضاعها كما لو كانت أمرًا طبيعيًا بل ومرغوبًا. 

قد يبدو واقع المرأة شديد المرارة، غير أن الأكثر مرارة وخطورة منه هو تلك الصورة التى يكونها المجتمع ويتداولها أفراده حول وضع النساء ودورهن وخصائصهن. ومكمن الخطورة هنا أن المرأة ذاتها ليست بمنأى عن التأثر بهذه الصورة بل وتبنيها، وهو العائق الأساسى- فى رأينا- لأى محاولة لتطوير وضع النساء فى مصر حيث تأتى الممانعة فى هذه الحالة من المرأة نفسها الأمر الذى يستدعى بذل جهود مضنية لتعديل تلك الصورة السلبية.

إن الثقافة السائدة فى الريف المصرى لا تعترف بدور للفتاة إلا بدورها كزوجة وربة بيت. وحتى لو سُمح لها بالتعليم والعمل فهذا من أجل تحسين فرصها فى الزواج على ألا يتعارض هذا مع دورها الأساسى فى خدمة الزوج وأسرته ورعاية الأبناء.

وتظل الفتاة موضع رثاء من المجتمع إن تأخرت بها سن الزواج، أو أنها لم تتزوج قط أو تزوجت ولم تنجب، أو تزوجت وأنجبت إناثًا فقط أو طلقت أو ترملت، بصرف النظر عما تكون قد حصلت عليه المرأة أو الفتاة من تعليم، أو ما حققته من مكانة مهنية. أى أن مكانة المرأة فى المجتمع المصرى لا تتحقق إلا من خلال الرجل فى ظل نظام للأسرة والزواج.

لذا نجد أن الأسرة تحرص من خلال عملية التنشئة الاجتماعية على إعداد الفتاة منذ مراحل طفولتها المبكرة للقيام بالدور المنزلى، ويتم هذا فى سياق متناقض تمامًا، فبينما تنمى الأسرة لدى الفتاة منذ الصغر استعدادها لأداء دور الزوجة وربة البيت، وتشجع فيها إبراز أنوثتها لتكون الأنثى المرغوب فيها من الرجال، فهى فى نفس الوقت تحرم عليها الاختلاط بالذكور، وتجرم سلوكها.

أما التناقض الذى يحدث فى تنشئة الفتيات، والذى يقوم على تضخيم الدور الإنجابى الوظيفى للمرأة «المرأة مجرد أداة ووعاء للإنجاب» مقابل القمع الاجتماعى والثقافى والتحريم الدينى، فيوقع المرأة فى حالة من الابْتِزاز النوعى الذى هو أشد من الابْتِزاز الاقتصادى، وإن كانت العلاقة بينهما وثيقة. فالمرأة هى عورة يجب أن تُصان وتُحمى، وهى قبل ذلك ملكية الأسرة ومن ورائها المجتمع، أسرة الأب فى البداية، ثم أسرة الزوج فيما بعد، وفى النهاية فليس للمرأة ذاتها أى سلطة على نفسها. 

أما بشأن الخطاب الشعبى حول المرأة فيبدو للوهلة الأولى ملتزمًا بل ومغاليًا فى تلك الحدود المفروضة من جانب الثقافة السائدة والفكر الدينى. إلا أن الدراسة المدققة لآليات إنتاج هذا الخطاب ومرجعياته تكشف عن أنه لا ينحاز بكامله إلى الخطاب السائد. لذا فقد جاء موقفه من المرأة متناقضًا ومراوحًا بين احترامها وتقديرها كزوجة وأم ورفيقة عمل مضن، وبين قهرها وإذلالها كمجرد أداة لخدمة الزوج وتربية الأطفال. 

وعلى الرغم مما يجرى فى الريف المصرى من أشكال لقهر المرأة، فإن هناك مساحة من الندية تتعامل فيها المرأة مع الرجل، خاصة أنها تمثل قوة عمل أساسية جنبًا إلى جنب مع الرجل. إلا أنه لا يمكن القول بأن الرؤية الشعبية والفلاحية للمرأة تختلف اختلافًا جذريًا عن رؤية الفئات الوسطى. فمن الطبيعى أن تتغلغل هذه الرؤية إلى الفئات الشعبية، فضلًا عن أن حالة العوز الاقتصادى والقهر الاجتماعى التى يعيشها أبناء الطبقات الشعبية تدفعهم إلى صب غضبهم على المرأة كحالة من التعويض.

والحقيقة أن الموقف الشعبى من المرأة يظل متناقضًا، فمن ناحية يقدر المرأة «الزوجة- الأم- رفيقة العمل والكفاح»، ومن ناحية أخرى يوجه إلى تلك المرأة إهاناته اليومية وتسلطه. 

وبطبيعته التناقضية التى أشرنا إليها من قبل، يحمل الموروث الشعبى فى وجهه الآخر الكثير من المضامين التى تقنن وتكرس قيمًا ومعايير تدعو إلى قهر المرأة وتحجيم دورها وتحقير شأنها فى الأسرة والمجتمع. ويبدو أول مظاهر تحقير المرأة والتقليل من شأنها فى الأسرة فى تفضيل إنجاب الذكور على الإناث، فإنجاب الذكر يدعو إلى الفرحة والابتهاج، ويكسب الأم قيمة، بينما ما زال العكس يحدث عند ميلاد الأنثى فى بعض القطاعات الاجتماعية والشرائح الثقافية. 

ويبرز التناقض فى الرؤية الشعبية بشدة فى الموقف من الزواج. فمن ناحية الزواج سترة للبنت، فهو يزيح عن كاهل الأسرة عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا وهو تتويج لجهد بذل من أجل إعداد الفتاة وتأهيلها لدور الزوجة وربة البيت. وتحض الكثير من الأمثلة الفتاة على الإقدام على الزواج بصرف النظر عن رأيها فى الزوج ومدى تقبلها له، أو رضاها عنه، وبصرف النظر أيضًا عن وجود أى تكافؤ بينهما. ويتبين هذا واضحًا فى حكايات النساء خلال ورشات الحكى. 

وفى مسألة مشاركة المرأة فى اتخاذ القرارات الخاصة بالأسرة، وإن كان هذا يحدث جزئيًا، فهو يحدث فى سرية وتكتم شديدين من قبل الزوج، حيث يسود الاعتقاد بأن استشارة الزوج للزوجة عند اتخاذ القرارات ينتقص من رجولة الزوج، فمفهوم الرجولة السائد فى ثقافة المجتمع خاصة بين أبناء الريف والطبقات الشعبية فى الحضر يرتبط بقدرة الرجل على إحكام السيطرة على المرأة وإخضاعها جنسيًا واجتماعيًا وعائليًا وإنسانيًا.

ثالثًا: بالرغم من أن مشكلة العنف فى العلاقات الزوجية توجد فى كل الطبقات الاجتماعية، إلا أنها تكون أكثر انتشارًا بين الطبقات الفقيرة وغير المتعلمة فى المجتمع. ففى هذه الطبقة تكثر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ويحظى أفرادها بنصيب ضئيل من الثقافة والتعليم مما يؤدى إلى التصرف الجاهل والعنيف. 

والحقيقة أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية التى تجعل من الفتاة طرفًا متدنيًا على هذا النحو هى عوامل متعددة وكلها متقاربة من حيث أهميتها وتأثيرها. لكن يبقى العامل الاقتصادى وعامل الأمية هما العاملان الأكثر خطورة لما لهما من تأثير قوى على وضع النساء داخل التوازنات الاجتماعية القائمة. فالفتاة فى البناء الأسرى تعانى أضعاف ما يعانيه الولد من فقر وقهر اجتماعى، فضلًا عن أن الفتيات يعانين قهرا مزدوجًا بسبب ارتفاع معدلات الأمية بينهن، فالذكر بحكم وجوده فى المجال العام أكثر انفتاحًا على التجربة الاجتماعية بما يمكنه من التعويض نسبيًا عن قصوره التعليمى، لكن المرأة بوجودها داخل حدود الأسرة تصبح أسيرة الجهل وانعدام الخبرة فى المجال الاجتماعى، باستثناء المنفتحات منهن على العالم خارج البناء الأسرى الضيق وهن قليلات داخل القطاع الريفى. 

رابعًا وأخيرًا: لا شك فى أن الصورة غير وردية، لكن البشر لا ينتهون بسهولة فقدرتهم على المقاومة والبقاء لا تصدق. ففى مواجهة القهر الاجتماعى والتسلط ابتدعت المرأة المصرية الكثير والكثير من أنماط المقاومة اليومية التى مكنتها من انتزاع قدر من حريتها. فضلًا عن ذلك فإنه لا يمكن اعتبار تلك الصورة القاتمة لوضع المرأة سائدة فى المجتمع المصرى ككل ولا على امتداد تاريخه، فهى فى الأول والآخر مرهونة بقدرة المرأة ذاتها على المقاومة وعلى وعيها بإمكانية التغيير. ولعل حكايات النساء تقدم نمطًا متقدمًا من الوعى النسوى.