رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

كيسنجر.. والأزمة الأوكرانية

خطأ فادح ارتكبه الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، حين ردّ باستخفاف، وربما برعونة، على مقترح واقعى، لحل أزمة بلاده مع روسيا، التى دخلت شهرها الرابع، طرحه هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق والأشهر، الذى يُوصف منذ بداية سبعينيات القرن الماضى بـ«الثعلب العجوز»، والذى من المفترض أن يحتفل اليوم، ٢٧ مايو، بعيد ميلاده التاسع والتسعين. 

فى المنتدى الاقتصادى العالمى، دافوس، اقترح «كيسنجر» التنازل عن أراضٍ أوكرانية مقابل التفاوض مع روسيا لإنهاء «عمليتها العسكرية» فى أوكرانيا، وشدّد كسينجر على ضرورة أن يبدأ الجانبان «المفاوضات خلال الشهرين المقبلين قبل أن تحدث اضطرابات وتوترات لن يتم التغلب عليها بسهولة»، محذرًا أوروبا من عواقب وخيمة على المدى الطويل، حال فشل إحياء المفاوضات واستمرارها فى استعداء روسيا. كما نصحها بألا تخاطر بدفع روسيا إلى تحالف أوثق مع الصين، معربًا عن أمله فى أن يتسم الأوكرانيون بالحكمة وأن يدركوا أن الوضع المناسب لبلادهم هو أن تكون دولة محايدة.

يمكنك أن تربط هذا المقترح بالدعوة التى وجهتها إيطاليا والمجر إلى الاتحاد الأوروبى، لإجراء محادثات سلام مع روسيا، أو بمقترح شبيه كانت هيئة تحرير جريدة «نيويورك تايمز» قد اقترحته فى ١٩ مايو الجارى، وأوضحت فيه أن «التوصل إلى السلام عن طريق التفاوض قد يفرض على كييف اتخاذ بعض القرارات الصعبة». غير أن «زيلينسكى» استسهل، واستلف ردّه، غالبًا، من بن والاس، وزير الدفاع البريطانى، الذى قال لجريدة «صنداى تايمز»، منتصف فبراير الماضى، إن «هناك شيئًا من رائحة ميونيخ فى الأجواء».

الرئيس الأوكرانى قال، فى مقطع فيديو، مساء أمس الأول الأربعاء، إن «كيسنجر» يخاطب المجتمعين فى ميونيخ سنة ١٩٣٨، وليس حضور منتدى دافوس سنة ٢٠٢٢. فى إشارة إلى اتفاق ميونيخ، الذى وقعته بريطانيا وفرنسا مع ألمانيا وإيطاليا، فى محاولة لاسترضاء أو احتواء أدولف هتلر، غير أنه تسبب فى اشتعال الحرب العالمية الثانية، وصار مثالًا لسياسة الاسترضاء وتقديم التنازلات. 

فى تلك السنة، سنة ١٩٣٨، هدّد الزعيم الألمانى باستعمال القوة ضد تشيكوسلوفاكيا لضم منطقة «السوديت»، التى كانت تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية، قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد أن أعلنت الحكومة التشيكوسلوفاكية التعبئة الجزئية استعدادًا للغزو المحتمل، اجتمع نفيل تشمبرلين، رئيس الوزراء البريطانى، وإدوارد دالاديه، رئيس الوزراء الفرنسى مع هتلر والرئيس الإيطالى بنيتو موسولينى، فى مدينة ميونيخ الألمانية، وقاموا بالتوقيع على اتفاق، جرى بموجبه تقسيم تشيكوسلوفاكيا بين ألمانيا وبولندا والمجر. لكن قبل مرور ٦ أشهر، قام الجيش الألمانى بالاستيلاء على باقى تشيكوسلوفاكيا، ثم شن هجومًا على بولندا، فى سبتمبر ١٩٣٩، فأعلنت بريطانيا ثم فرنسا الحرب على ألمانيا وبدأت الحرب العالمية الثانية.

منتهى الاستخفاف أن يتم الربط بين هذا الاتفاق، وبين مقترح مستشار ريتشارد نيكسون للأمن القومى ووزير خارجيته، وخارجية جيرالد فورد، الذى لم يتوقف عن لعب أدوار مهمة، فى السياسة الخارجية الأمريكية، والذى نرى أن مقترحه يرتبط بما قاله لنيكسون فى ٤ فبراير ١٩٧٢، أو يأتى استكمالًا لما طرحه منذ نصف قرن.

وقتها، كان الرئيس الأمريكى يتأهب لزيارة الصين، لاستمالتها فى مواجهة الاتحاد السوفيتى، وخلال النقاشات التى سبقت الزيارة، اقترح «كيسنجر» إفساد علاقتها مع موسكو، كما سبق أن فعلت إدارة «أيزنهاور»، غير أن الثعلب العجوز، الذى صار الآن عجوزًا جدًا، استدرك وقال للرئيس إن «خطورة الصين على الولايات المتحدة لا تقل عن خطورة الاتحاد السوفيتى.. ولو كان الرئيس القادم، بعد ٢٠ عامًا، حكيمًا مثلك، فإنه سيستعين بالروس فى مواجهة الصينيين».

.. وتبقى الإشارة إلى أن كيسنجر كتب مقالًا نشرته «واشنطن بوست»، فى ٥ مارس ٢٠١٤، أى بعد أسبوعين تقريبًا من قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم، أكد فيه أن استقرار أوكرانيا وازدهارها يعتمد على عدم تحولها إلى «قاعدة أمامية» للشرق فى مواجهة الغرب أو العكس. ونصح الولايات المتحدة بعدم معاملة روسيا كدولة ضالة يجب تعليمها قواعد سلوكية، وأكد أن شيطنة بوتين ليست سياسة، بل ذريعة لتغييب السياسة.