رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مشاهدات فى بلد الألف يوم «٢»

لا يستطيع الكثيرون منا تخيل شكل آخر للحياة على الأرض غير الشكل الذى نعيش فيه، وعندما نقرأ عن أنه كانت هناك حياة على الأرض قبل بلايين السنين ننظر للأمر على أنه محض نظريات دون تصديق أو اقتناع حقيقى، ربما يكون التغير الذى يحدث هذه الأيام فى المناخ فى مصر دليلًا على إمكانية حدوث تغيرات كبرى فى المناخ على مدى سنوات طويلة، فالمناخ الذى كان حارًا جافًا صيفًا، دافئًا ممطرًا شتاء كما درسنا تغير خلال السنتين الأخيرتين وصار يحتاج إلى توصيف جديد.

وبالتالى فما نلمسه من تذبذب فى درجات الحرارة وتغيير لمعالم الفصول الأربعة يجعلنا نصدق فى إمكانية تغيرات مناخية أكبر على مدى قرون، فالحياة على سطح الأرض تمتد إلى أبعد من سنوات التاريخ المدون بيد الإنسان، فما دونه الإنسان يسجل فقط أحدث ٧ آلاف عام، لكن ما دونته الطبيعة يعود إلى ملايين السنين.

ففى الفيوم ومحمية وادى الريان يوجد دليل حى على التغيرات الكبرى التى حدثت على سطح الأرض، والتى تحتاج منا إلى تركيز كبير لاستيعابها.

كنت قد اخترت زيارة وادى الريان لانبهارى بوجود شلالات فى مصر رأيتها فى فيلم المهاجر «١٩٩٤»، وبعد رؤية الشلالات الثلاثة الناتجة عن الفرق بين منسوبى بحيرتى وادى الريان، ركبنا مركبًا فى بحيرة الشلال، وصورنا مصب الشلال، وصعدنا إلى قمة الشلال، حيث تتسم أرضه الصخرية بوجود طبقات كثيفة من الطحالب تجعل سطحه «زلقًا جدًا»، فكان علينا الحذر، واستخدام عصا من البوص للتثبت من موضع كل قدم، فالسطح ليس مستويًا، وأثناء التنقل الحذر من صخرة إلى أخرى قد تجد قدمك قد انغرست بين صخرتين، أو قد تتعرض للوقوع، وهذا يعنى أن تتعرض لخطر أن تجرفك المياه وتسقط مع مياه الشلال.

والمحزن، كما أخبرنا مرشدنا فى المحمية، أن هذه الشلالات لن تبقى للأبد، حيث إن مستوى البحيرة السفلى فى ارتفاع مستمر، ولن تستمر المياه فى التدفق عبر الشلالات، إلا إذا ارتفع معدل تبخر المياه فى البحيرة بما يساوى كمية المياه التى تصب فيها، أما إذا استمر مستوى مياه البحيرة فى الارتفاع، ستختفى الشلالات تدريجيًا، وتندمج مع البحيرة.

تفاعل المرشد مع الحزن الذى بدا على وجهى، وشرح لى أن كل ما على الأرض طبيعته التغير لا الثبات، وأن هذه المنطقة شهدت أكبر تغيرات مناخية على سطح الأرض، وسألنى: هل تتصورين أنك تقفين الآن على قاع محيط كبير كان همزة الوصل بين البحر المتوسط والمحيط الهندى؟ ذهب الحزن وجاءت الدهشة.

فقال المرشد: سنذهب الآن إلى محمية الحيتان الدليل على ما أقول، ركبنا عربات دفع رباعى وانطلقنا إلى محمية وادى الحيتان، حيث ظل وجود ما يعرف «البحر التيثى» بشمال قارة إفريقيا لمئات الملايين من السنين، ثم حدث تغير كبير فى مناخ الأرض، وأدى ذلك إلى تكوّن الثلج بالقطب الجنوبى، ما أدى إلى تحول الكثير من المحيطات إلى ثلوج، ثم إلى جفاف البحر التيثى وظهور أرض مصر، ولولا هذا التغيير لظلت مصر تحت سطح الماء يتراكم فوقها العديد من الرواسب.

تم اكتشاف حفريات وادى الحيتان فى عام ١٩٠٣ بواسطة العالم «بيد تل»، وتتابعت بعثات من علماء حفريات مصريين وأجانب على المنطقة، فتم العثور على ١٠ هياكل كاملة لحيتان كانت تعيش فى تلك المنطقة قبل نحو ٤٠ مليون سنة، حيث كانت جزءًا من محيط كبير يشمل شمال إفريقيا، وفى العام ٢٠٠٥م تم تصنيف منطقة وادى الحيتان كمنطقة تراث عالمى، واختارتها اليونسكو كأفضل مناطق التراث العالمى للهياكل العظمية للحيتان.

سرنا بالسيارات على مدقات وطرق ترابية ممهدة بطول حوالى ٣٨ كيلو مترًا، وبامتداد الطريق توجد لوحات إرشادية من خامات المكان، مثل الفخار والطمى وحبال من تيل النخيل فى صنع لوحات إرشادية، وترسم الطرق داخل الوادى وحول مواقع هياكل الحيتان.

شاهدنا حفريات لحيتان يبلغ طولها ١٨ مترًا، وأخرى لا تزيد على ٥ أمتار، كلها متروكة للرؤية فى المتحف المفتوح، حيث لم يتم نقل الحفريات من أماكنها، مع عدم السماح بلمسها حفاظًا عليها.

والوادى ملىء بالمواقع التى تحتفظ بصخور بها بقايا هياكل حيوانات بحرية، أجزاء من هياكل لحيوانات ثديية بحرية، عمود فقرى لحيوان ثديى بحرى مغطى جزيئات بالرمال، منجروف نبات الشورى متحجر داخل صخور لينة، وكلها حفريات تدل على أن التاريخ ليس وحده ما سجله الإنسان، وأن هناك ما هو أبعد من حدود تصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم، فإن تقف على أرض رملية بجوارك حفرية لحوت وتتخيل أنك تسير الآن على قاع محيط من الماء، يجعلك تشعر بأنك مجرد ذرة رمل أو قطرة ماء فى المحيط الكبير، حيث يمتد التاريخ سرمديًا وتبقى فقط شواهده.

وللحديث بقية..