رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العندليب والامبراطور.. اليُتم والموهبة وأشياء أخرى.. 5 أوجه للشبه بين الموعودين بالعذاب

أحمد زكى وعبدالحليم
أحمد زكى وعبدالحليم حافظ

خطا الفنانان أحمد زكى وعبدالحليم حافظ طريقًا صعبًا فى الحياة ومع الفن، كلاهما كان صاحب طموح كبير، ممتد بلا حدود، وكلاهما عانى من المرض واليُتم، وغيّب الموت «زكى» وهو يجسد دور «حليم» فى فيلم عن حياة العندليب.

تتعدد أوجه الشبه فى حياة الراحلين، اللذين ولدا فى قرية واحدة هى «الحلوات» مركز الإبراهيمية محافظة الشرقية، فبخلاف أن «حليم» كان القدوة والمثل الذى سعى «زكى» ليكون مثله نجمًا لامعًا، فالمآسى لازمت النجمين منذ الطفولة، وكافحا ضد التجاهل والهزائم ونجحا فى فرض وجودهما وموهبتهما الفنية على الجميع، حتى طريقة الموت كانت متشابهة، فالاثنان توفيا فى مستشفى خلال رحلة علاج، الأول فى لندن والثانى فى الجيزة، وكلاهما مات فى شهر مارس وبينهما ٢٨ عامًا و٣ أيام فقط.

«العندليب» يرحل مع ولادة نجم «الإمبراطور» بعد بطولة «شفيقة ومتولى»

فى العام الذى توفى فيه «العندليب»، قدم «زكى» مسلسلين غير مشهورين، لكن فى العام التالى كانت انطلاقته فى فيلم «شفيقة ومتولى» والنبوءات التى اعتبرته «نجم المستقبل». 

فى ذلك العام ١٩٧٧، أشارت مجلة «صباح الخير»، فى عدد ٧ يوليو، إليه باعتباره «فريدًا» بين نجوم مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التى كانت تعرض فى ذلك الوقت، ووصفته بـ«المغامر»، الذى بدأ حياته على خشبة المسرح بمغامرة صعبة: «قبل أن يلعب دورًا مأساويًا فى مسرحية جمعت كل نجوم الكوميديا، عادل إمام وسعيد صالح وحسن مصطفى ويونس شلبى، يومها قال له البعض: لا تقبل هذا الدور؛ لأنك ستكون بينهم كالنغمة النشاز، فالجمهور يتعاطف وينجذب أكثر نحو عناصر الإضحاك». رفض «زكى» النصيحة، وقبل الدور، ووفق المجلة: «استطاع بإحساسه الفنى الصادق وبتمكنه من الأداء أن يخلق توافقًا بين دوره وباقى الأدوار، ونجح فى أن يجعل من شخصية الشاعر الفقير ركنًا مهمًا فى بناء مدرسة المشاغبين، ولم ينتبه الكثيرون إلى هذا حين شاهدوا المسرحية لأول مرة، ولكن بعد تكرار العرض انتبه الجميع إلى شخصية الشاعر، وكم كان أحمد زكى رائعًا فى تجسيدها، فهو لم يهتز ولم يفقد السيطرة على أدائه، رغم أنه كان محاطًا بعشرات المواقف الضاحكة، وكان من الممكن أن ينساق وراء طوفان الضحك، كان ذكيًا فنجح فى صنع صبغة لنفسه، رغم خطورة المغامرة». 

وفى تلك المسرحية كان «زكى» يعانى من «سخرية» زميليه عادل إمام وسعيد صالح. كان حلمه أن يلتقى ويتقرب من «حليم»، فدقّا بابه عدة مرات وقلّدا صوت العندليب، وكان يفتح الباب متحمسًا ليجدهما، فيضحكان عليه، حتى جاء «العندليب» فعلًا، ودق باب غرفته فى المسرح، ليفتح شاتمًا، وهو يعتقد أنه ضحية مقلب، ليجد «حليم» يحتضنه، ليبدأ حلمًا جديدًا فى حياته.

القدر جمع بينهما بشكل عجيب حتى فى لحظات المرض والطبيب المعالج

لم يكن «زكى» وسيمًا بمقاييس السينما المصرية وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى. عانى من التنمّر، وحُجبت عنه البطولة، سلك طريقًا صعبًا، خطاه «العندليب الأسمر» فى بداية حياته، التى بدأت بطفولة قضاها فى دار للأيتام.. تشابها فى الصعود إلى القمة، والنجاح الفنى والجماهيرية الكبيرة.

وتعرض «زكى» مثلما تعرض «حليم» فى بداياته للعثرات والصعوبات، فقد سحبت منه بطولة فيلم «الكرنك»؛ لأنه لم يكن وسيمًا ولا نجم شباك، وكانت صدمة عمره، وفكر فى الانتحار قبل أن يحتضنه الشاعر صلاح جاهين.

كما تقاطعت الطرق وتشابهت تفاصيل الحياة بين الثنائى، ليختار القدر نهاية درامية لـ«زكى» يسحبه فيها من مجرى نهر الحياة أثناء تصويره فيلم «حليم» الذى يجسد فيه شخصية العندليب ويسرد رحلة كفاحه.

فى حوار فى برنامج «خليك بالبيت»، حكى الفنان أحمد زكى، قبل بدء تصوير فيلم «حليم»، أن كل ما يهمه فى شخصية «العندليب» هو «الإنسان»: «من هو الإنسان الذى يقبع خلف هذه الحنجرة؟». ووصف حنجرة «العندليب» بأنها تلخص صورة لعصر كامل.

واعترف «زكى» بأن هناك قاسمًا مشتركًا بينه وبين «حليم»، وقال: «ولدنا فى القرية نفسها، الحلوات، وفى الترعة نفسها فى القرية أصبنا بمرض البلهارسيا، وحليم لم يعالج منه، لكننى عولجت، وعانينا من اليُتم».

وقال إنه سيبحث عن الإنسان فى حياة «حليم»: «الإنسان الذى جاء من قرية الحلوات محملًا بكل هذه العذابات والآلام، وبدأ مسيرته بمفرده»، وتساءل: «كيف رُسمت على هذه الحنجرة صورة لعصر كامل من الشارعين السياسى والاجتماعى؟! كيف استطاع اختراق كل هذا وهو شخص بسيط؟!». وقال إنه يحب سماع أغنية «قارئة الفنجان»، لأن بين كلماتها وحياته عاملًا مشتركًا.

شهدت كواليس تصوير الفيلم مصادفات قدرية، وروى مخرج الفيلم، شريف عرفة، فى حواره لجريدة «العربى» عام ٢٠٠٥، أن «زكى» كان يستعد لتصوير مشهد لـ«حليم» أثناء مرضه، وكان المشهد صعبًا للغاية.

لم يكن «عرفة» على دراية بمرض «زكى» أثناء التصوير، ولم يطلب وقف التصوير للراحة أو العلاج، بل أكمل المشهد وتحامل على نفسه، لدرجة أن العاملين فى استديو تصوير الفيلم ظنوا أن المشهد تمثيلى، وصفقوا له، وبعدما انتهى المشهد، طلب «زكى» طبيبه الخاص، لشدة تألمه من المرض، ليفاجأ «عرفة» والعاملون فى الفيلم بأنه كان يعانى فعليًا من المرض، ولم يكن يمثل أبدًا.

تكرر الأمر فى الختام، فى آخر مشهد صوره «زكى»، وهو مشهد رحيل العندليب الأسمر، بعد أن دخل «حليم» مستشفى «لندن كلينك»، بعدما صُنع ديكور المكان بالكامل فى استديو «جلال» تحت عين ورقابة المخرج شريف عرفة.

رفض «عرفة» الاستعانة بالصور الفوتوغرافية لبناء ديكور المستشفى، وسافر إلى لندن ليشاهد ويعاين المستشفى على الواقع، وحصل على صور فوتوغرافية قديمة له وقت إقامة «حليم» به، واستعان بورثة «العندليب»؛ ليحصل أيضًا على صور «حليم» فى هذه الفترة.

بعد هذه المحاولات، رفض «زكى» تصوير المشهد فى الديكور باستديو «جلال»، وأصر على تصويره فى غرفته بمستشفى «دار الفؤاد»، وتحولت الغرفة إلى موقع للتصوير، صُورت فيها عدة مشاهد. وبعد انتهاء المشاهد، بكى العاملون فى الفيلم، لشدة تقمص «زكى» شخصية «حليم».

وروى الكاتب الصحفى عادل حمودة، فى مقاله بجريدة «صوت الأمة» عام ٢٠٠٥، أنه كان من المثير للدهشة أن يكون الطبيب الذى عالج «زكى» فى لندن، وقتما رغب فى إزالة المرارة التى كانت قد تعفنت فى مكانها، كان هو الطبيب نفسه الذى عالج «حليم»، وهو ما يعزز من أوجه الشبه بينهما.

أصحاب قصص حب فاشلة مع سعاد حسنى وهالة فؤاد

اليتم عكر صفو أيام الطفولة، والفقر والخجل حرمهما من قصص الحب فى فترة المراهقة، فوالد الفنان أحمد زكى مات قبل أن يولد، فتزوجت والدته؛ ليتربى فى منزل خاله، ولم تتح أمامه فرصة التعليم بسهولة، لكنه أصر على أن يدرس فى معهد الفنون المسرحية بتشجيع من الفنانة شهيرة، وتوفيت والدة الفنان «حليم»، بعد ولادته ثم لحقها والده.

كان الفشل فى العلاقات العاطفية قاسمًا مشتركًا بين الفنانين، وانتهت قصص «حليم» بالفشل، وحُرم من استكمال علاقة تنتهى بالاستقرار أو الزواج الطويل لتكوين أسرة، وهو ما حدث مع «زكى»، الذى انتهت علاقته الزوجية والعاطفية بالفنانة هالة فؤاد بعد إنجاب ابنه الوحيد هيثم.

حكى الكاتب أشرف غريب فى كتابه «العندليب والسندريلا: الأسرار الغائبة»، أن «حليم» لم يعرف الحب فى فترة المراهقة، ولم ينبض قلبه فى شبابه، وكتب: «كان مثقلًا بالأحزان، ولم يكن فيه مكان واحد للأفراح، فلا وقت للحب، كل وقته سخره للعمل، ومن أجل هدف واحد فقط، أن يكمل طريقه كمطرب، وأن يهزم الفقر الذى يتبعه مثل ظله، وينتصر على المرض الذى يلاحقه مثل قدره».

وأشار «غريب» إلى أن «حليم» أكد، فى حوار له لمجلة «المصور» فى ١٨ ديسمبر ١٩٥٩، أنه لم يعرف الحب، وقال: «أنا لم أحب قط فى حياتى، وأقسم على ذلك برحمة والدتى، وهذا القسم هو أعز قسم عندى».

أما عن حكاية الحب الأول المتداولة للعندليب، فيلفت «غريب» إلى أنها بدأت قبل هذا القسم الذى أقسمه فى حواره لمجلة «المصور»، إذ بدأت قصة حبه بالسيدة «ديدى» عام ١٩٥٨، وغنى لها خصيصًا أغنية «بتلومونى ليه» ضمن أحداث فيلم «حكاية حب» الذى عُرض فى أبريل ١٩٥٩.

كما انتهت العلاقة العاطفية بين «حليم» وسعاد حسنى بالفشل، لكن فى حوارها المنشور فى كتاب «السندريلا تتكلم» للكاتب الصحفى منير مطاوع، قالت إنها طلبت الزواج من الفنان عبدالحليم حافظ، لأنها كانت تطمح للاستقرار وتكوين أسرة وإنجاب أطفال، لكنه رفض بسبب خوفه من خسارة المعجبات.

ومثلما حافظ «حليم» على موهبته، وكتب له كبار الشعراء أمثال عبدالرحمن الأبنودى، وصلاح جاهين، ولحن له كبار الموسيقيين، أمثال: عبدالوهاب، وبليغ حمدى، وكمال الطويل ومحمد الموجى، لم يفرط «زكى» فى موهبته.

روى عادل حمودة فى «صوت الأمة» عام ٢٠٠٥، أنه كان يسير مع «زكى» بعد منتصف الليل فى الشوارع الخاوية من البشر.

وكتب: «رفض زكى أن يكون الفن أكل عيش، ورفض أن يبيع موهبته فى السوق الرخيصة، وتقاسمنا ما فى جيوبنا من نقود قليلة، ودخن السجائر الرخيصة الكليوباترا بالذات، بعدما تدهورت أحواله بعدما كان يدخن السجائر المستوردة الروزمان».

وأضاف: «عاش أحمد زكى فى بنسيون رخيص فى منطقة وسط البلد، بشارع قصر النيل، وقتما كان يشارك فى مسرحية مدرسة المشاغبين، وكان يتقاضى مبلغًا شهريًا من فرقة الفنانين المتحدين، لكنه لم يشعر بالراحة، فقرر ترك المسرحية، وترك الراتب الشهرى المضمون».

رحل العندليب الأسمر يوم ٣٠ مارس عام ١٩٧٧، وكذلك رحل «زكى» يوم ٢٧ مارس عام ٢٠٠٥، وبذلك يكون كلا النجمين رحلا خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس.