رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

تفكيك اللغم.. «رسالة التعاليم» لمؤسس الإخوان

جريدة الدستور

يعد كتاب "مجموع الرسائل" لحسن البنا، الدستور الرسمى لجماعة الإخوان، بجانب مؤلفه الثانى "مذكرات الدعوة والداعية"، الذى وضع فيه عصارة تجاربه التى يعتبرها كل عضو بالجماعة، المنهج الأمثل للتأسى به، والسير على طريقته، والحقيقة فالكتابان يمكن اعتبارهما جل أو كل التراث الذى تركه حسن البنا، وليس له غيرهما سوى مجموعة كتابات ومقالات متناثرة في مجلات وصحف الجماعة.

يضم الكتاب الأول مجموعة من الرسائل التى يعتبرها الإخوان مواد القانون الأساسي التي لا ينبغي الخروج عن الخط المرسوم بها، ومن بين تلك الرسائل، «رسالة التعاليم» التى وضع فيها البنا توجيهات وتوصيات مباشرة لأتباعه، توضح شكل الجماعة ودعوتها والهدف من تكوينها.
قد يظن مَن يقرأ الرسالة لأول مرة، أن الرجل يتحدث خلالها عن دعوة الإسلام، وعن البيعة لإمام المسلمين أو الخليفة الذى يمثل الدولة الإسلامية، وأن ما تضمه له ما يؤيده من الشرع، فقد طعّم البنا الرسالة بآيات من القرآن الكريم، واستشهادات من السنة النبوية المطهرة، فى الكثير من المواضع لتظهر أمام أتباعه بأنه يسير على الكتاب والسنة، وأنه لم يخرج عن الشرع.
الإطار العام الذي تسير فيه الرسالة، يلح على تأكيد فكر حسن البنا فى اعتبار أن كلمة الإسلام التى وردت في الكتاب والسنة لا تعنى سوى "الجماعة"، وأن الإخوان وحدهم هم الممثلون الشرعيون للإسلام وما سواهم قد خرج عن هذا الدين بقدر موقفه منها.
ومن المصطلحات التى لا تخلو منها صفحة من صفحات الرسالة كلمة «دعوتنا»، وهو المصطلح الذى يعد بديلًا لدعوة الإسلام، حتى يوهم أتباعه بأن هذه الدعوة التي يقصدها هى الإسلام وليست دعوته الشخصية أو فكره الخاص.
فى بداية الرسالة يعطى البنا تعليمات صارمة واجبة التنفيذ فى الحال فيقول:
"فهذه رسالتى إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات، وهي ليست دروسا تحفظ، ولكنها تعليمات تنفذ, فإلى العمل أيها الإخوان الصادقون".
يشدد البنا منذ البداية على وجوب السمع والطاعة له فى الحال، وأن أول تعليماته هى البيعة التى يأخذها على عضو الجماعة الذى يرغب فى الدخول للإسلام، ويشرح البنا ماهية هذه البيعة، فيقول:

أركان البيعة

أيها الإخوان الصادقون، أركان بيعتنا عشر فاحفظوها:
«الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخـوَّة والثقة».
يشدد البنا على وجوب عقد البيعة لعضو الجماعة، ويضع لذلك 10 أركان ليضمن بذلك الولاء الكامل للجماعة، واعتبار أن الخروج عنها خروج على الإسلام، بما شرحه فيما بعد فى كل نقطة من هذه الأركان التى حرص على ربطها الكامل بالإسلام وربط الإسلام بها.


ركن الفهم
وضع البنا 20 أصلًا لهذا الركن، تبدأ من تأويل آيات القرآن الكريم وسنة النبى صلى الله عليه وسلم لتتوافق مع يريد توصيله لمريديه، فيقول في ركن «الفهم»:
"أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة".
إذن فإن البنا يؤكد على أتباعه بضرورة اتباع تعليماته، ويشدد على أن فهم الجماعة للإسلام هو الذى ينبغي اتباعه، وليس شيئا آخر، لأن البنا يعتبر أن الإسلام هو الجماعة والجماعة هى الإسلام وأنهما شىء واحد.

ركن الإخلاص
الإخلاص هو الركن الثاني من أركان البيعة عند حسن البنا، وهو يقصد فيه بالطبع الإخلاص للجماعة التي يعبرها الممثل الرسمى للإسلام ، فيقول:
"أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جندى فكرة وعقيدة، لا جندى غرض ومنفعة، (قُلْ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاى وَمَمَاتِى للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)، وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم (الله غايتنا) و(الله أكبر ولله الحمد)".
والإخلاص الذى يتحدث عنه البنا هنا كما بينا هو الإخلاص للجماعة، وليس ذلك الإخلاص الذى عبرعنه الشرع بأنه يعنى كلمة التوحيد، أو أنه شرط من شروط لا إله إلا الله، كما بين علماء السلف والخلف.

ركن العمل
أما عن ركن العمل فقد ابتكر شيئا جديدا في الإسلام، وحرّف ركنا من أركان الإيمان، فالإيمان عند المسلمين قول وعمل، أما العمل عند الإخوان لا يعنى سوى الجانب الحركى للجماعة، ويهدف إلى السيطرة والهيمنة السياسية على الدولة والعالم من بعده باسم الجماعة فى ثوب إسلامى والتي لخصها فى عدة نقاط ركز فيها على الهدف الأسمى فى 4 نقاط، قال البنا:
وهذه المراتب الأربع الأخيرة تجب على الجماعة متحدة وعلى كل أخ باعتباره عضوا في الجماعة، وما أثقلها تبعات وما أعظمها مهمات، يراها الناس خيالًا ويراها الأخ المسلم حقيقة، ولن نيأس أبدًا، ولنا فى الله أعظم الأمل (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)" .
والمراتب الأربعة التى تحدث عنها البنا هى:
- تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبى ـ غير إسلامى.
- وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدى مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه.
ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذى تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقًا للقواعد العامة فى نظام الحكم الإسلامى.
- إعادة الكيان الدولى للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها، حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة
-"أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) (لأنفال:39) , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)".

ركن الجهاد
أخرج البنا مفهوم الجهاد الشرعي الذي دعا إليه الإسلام بضوابطه المعروفة وأحكامه إلى جهاد من نوع آخر وهو الجهاد فى سبيل الجماعة وتثبيت أركانها، فقال:
"ولا تحيا دعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد فى سبيلها، وضخامة الثمن الذى يطلب لتأييدها، وجزالة الثواب للعاملين".

ركن التضحية
والتضحية بالنسبة له أن يسخر الإنسان نفسه ووقته وماله فى سبيل الجماعة وحدها، فقال:
"بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شىء فى سبيل الغاية، وليس فى الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية".

ركن الطاعة
يلخص تقديم البنا ركن الطاعة، بأن يجعل عضو الجماعة نفسه بين يدى المرشد كالميت بين يدى المغسل من دون نقاش أو جدال فينفذ الأمر بمجرد صدوره، وكأنه أمر إلهى، يقول البنا:
"وأريد بالطاعة امتثال الأمر وإنفاذه توًا فى العسر واليسر والمنشط والمكره".
وينتقل البنا إلى نقطة أخرى مرتبطة بالطاعة، وهى مراحل الدعوة الثلاث وهى:

مرحلة التعريف
وتعتمد هذه المرحلة على ما أطلق عليه بعد ذلك الدعوة الفردية، التيى تتضمن تغلغل الجماعة فى كل التجمعات البشرية لنشر دعوتها فيها، واختيار العناصر المناسبة لضمها للإخوان.

مرحلة التكوين
وهى ثمرة المرحلة الأولى ويتم فيها كما بين البنا بنفسه: «استخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة -فى هذه المرحلة- صوفى بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين (أمر وطاعة) من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانية هذه المرحلة من حياة الدعوة، وتنظمها رسالة المنهج سابقًا، وهذه الرسالة الآن.
والدعوة فيها خاصة لا يتصل بها إلا من استعد استعدادا تاما حقيقيا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة".
وتضمنت هذه المرحلة واحدة من أخطر اعترافات حسن البنا، وهى الإذن بإنشاء الجناح العكسرى للإخوان الذي طالما دافع عنه أتباع البنا فى محاولة غسل يديه من إنشاء هذا الكيان الذى صار لبنة لكل الجماعات المسلحة فيما بعد، ولولا أن المقام لا يتسع لتناول ذلك لأوضحناه بالتفصيل.
كما استخدم البنا لأول مرة مصطلح «الكتائب الإخوانية»، وهو اعتراف لا شك ولا لبس فيه بوجود عناصر مسلحة في الجماعة.

مرحلة التنفيذ
يوضح أن هذه المرحلة هي التي تتمثل فيها الترجمة العملية لكل ما سبق، والتى يصبح فيها الفرد مؤهلًا لحمل لقب عضوية الجماعة ويصف هذه المرحلة، فيقول:
"وهى مرحلة جهاد لا هوادة فيه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلا الصادقون، ولا يكفل النجاح في هذه المرحلة إلا كمال الطاعة كذلك، وعلى هذا بايع الصف الأول من الإخوان المسلمين في يوم 5 ربيع الأول سنة 1359هـ.
وأنت بانضمامك إلى هذه الكتيبة، وتقبلك لهذه الرسالة، وتعهدك بهذه البيعة، تكون فى الدور الثانى، وبالقرب من الدور الثالث، فقدّر التبعة التى التزمتها وأعدّ نفسك للوفاء بها».

مرحلة الثبات
ويحث فيها العضو بأن يظل على ما تعلمه من الجماعة وألا ينقلب عليها إلا بإحدى الحسنيين -حسب زعمه- بالوصول إلى الغاية والتمكين، أو نيل الشهادة، فيقول:
"وأريد بالثبات:
أن يظل الأخ عاملًا مجاهدًا فى سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيينى، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية.
وذلك أن كل وسيلة من وسائلنا الستة تحتاج إلى حسن الإعداد وتحين الفرص ودقة الإنفاذ, وكل ذلك مرهون بوقته (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) (الإسراء:51)".
ثم يلخص مجمل الرسالة في 5 أركان وهي ما يمكن أن نطلق عليه اسم (أركان الإسلام الخمسة)، فيقول:
"أيها الأخ الصادق:
هذه مجمل لدعوتك، وبيان موجز لفكرتك، وتستطيع أن تجمع هذه المبادئ في خمس كلمات:
(الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شرعتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أمنيتنا) .
وأن تجمع مظاهرها فى خمس كلمات أخرى:
البساطة، والتلاوة، والصلاة، والجندية، والخلق.
فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم، وإلا ففى صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين.