رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

زيارة جديدة لـ«عقل عبدالناصر» فى ذكرى ميلاده

عبدالناصر
عبدالناصر

حرص الرئيس جمال عبدالناصر، الذى احتفلنا بذكرى ميلاده، على تثقيف نفسه ذاتيًا طوال حياته، إضافة إلى حرصه على نشر الثقافة بين أفراد المجتمع المصرى بمختلف فئاته ومستوياته الثقافية خلال فترة توليه السلطة. 

يذكر الدكتور عبدالله عزباوى، فى كتابه "جمال عبدالناصر وعصره"، أن اهتمامات "عبدالناصر" بالثقافة بدأت مع المرحلة الثانوية فى بداية الثلاثينيات أثناء التحاقه بمدرسة النهضة الثانوية بحى الظاهر بالقاهرة، التى التحق بها فى عام ١٩٣٣، وكان رئيسًا لاتحاد الطلبة. 

كما اعتاد التردد على مكتبة مسجد "الشعرانى"، التى كانت تضم العديد من كتب الدين والسيرة والتاريخ وقرأ معظمها، وكان يقضى ساعات طويلة بالمسجد يقرأ خلالها.

واستعار الكتب من بعض مدرسيه فى مدرسة النهضة، وقرأ عن الثورة الفرنسية وروسو وفولتير، الذى كتب عنه مقالة بعنوان "فولتير رجل الحرية" نشرها فى مجلة المدرسة.

وقرأ عن نابليون والإسكندر ويوليوس قيصر وغاندى، وقرأ رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو، و"قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، كما اهتم بالأدب العربى، فقد كان معجبًا بأشعار أحمد شوقى وحافظ إبراهيم. 

كما قرأ عن سيرة النبى محمد، عليه الصلاة والسلام، وأبطال الإسلام ومصطفى كامل، وقرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم، خاصة "عودة الروح"، التى تتحدث عن ظهور زعيم للمصريين يستطيع أن يوحد صفوفهم ويحثهم على النضال فى سبيل الحرية، كما قرأ العبقريات لعباس العقاد.

عندما التحق الرئيس الراحل بالكلية الحربية فى مارس ١٩٣٧، تعددت وتنوعت قراءاته فقد كانت مكتبتها غنية، فقرأ عن سير العظماء مثل، نابليون والإسكندر وبسمارك ومصطفى كمال أتاتورك وتشرشل. 

بعدما تولى السلطة، لم ينشغل "عبدالناصر"، عن تثقيف نفسه ذاتيًا، بل كان يطلب من أحد الوزراء قراءة كتاب بعينه ثم يناقشه فيه بعدها، وقد بدت آثار مطالعته مع بعض وزرائه، حسبما ذكر فتحى رضوان، فى واقعتين، الأولى مع سيد مرعى، وزير الإصلاح الزراعى، حين طلب منه تلخيص كتاب لكاتب غربى، لكن "عبدالناصر" لم يقتنع بالتلخيص الذى قدمه "مرعى"، وقال له: "الكتاب يقول نقيض ما تقول"، فقال "مرعى": "هذا ما فهمته أنا"، فرد "عبدالناصر": "لا بد أنك قرأته بالمقلوب".

أما الواقعة الثانية فكانت حين احتدمت المناقشة بين "عبدالناصر" وأحد وزراء الاقتصاد أثناء انعقاد مجلس الوزراء، فقد شكى الوزير من الضغوط التضخمية على الاقتصاد المصرى، واقترح سياسة اقتصادية انكماشية، فرد "عبدالناصر" بأن: "خصومك يقولون إنها تؤدى إلى التضخم، وكنت أنت تنكر بشدة، فماذا حدث؟"، فرد الوزير: "كان ذلك من سنتين"، فرد "عبدالناصر": "لا منذ سنة واحدة فقط ولكن لنقل من سنتين ما الذى تغير من سياستنا، السياسة هى هى والأرقام هى هى، وربما الإنفاق الحكومى أصبح أقل، لا سأخبرك أنت ذهبت إلى المومس الفاضلة"، وشرح له ماذا يعنى.

وقال الزعيم له: "لقد قرأت كتابًا لاقتصادى أمريكى كبير يقول فيه إننا ننهى الدولة النامية عن أن تقوم بالتنمية مع التضخم، على أن أمريكا تعانى من تضخم رهيب وتواصل التوسع فى اقتصادها، فكأننا كالمومس الفاضلة التى تمارس الرذيلة ثم تقف على باب دارها لتعظ الناس وتحذرهم من الرذيلة".. وضحك الوزراء وبعد ذلك أقيل الوزير، ويومها قال بعض الوزراء: "إن ازدياد ثقافة الرئيس ليس من مصلحتنا". حسب كتاب "٧٢ شهرًا مع عبدالناصر" لفتحى رضوان، ١٩٨٦.

أدرك "عبدالناصر" أهمية الكتاب وتأثيره على الناس، فاتجه إلى تكوين جيل جديد من المثقفين يؤثرون فى الجماهير، عندما اشتكى له فتحى رضوان، وزير الإرشاد القومى، من قلة إقبال المصريين على شراء الكتب التى تصدرها الوزارة رغم أن أصحابها من كبار الكتّاب وتُباع بأرخص الأسعار، ويعلَن عنها فى صحف "الجمهورية والأخبار والشعب"، إضافة للمجلات والإذاعة، فرد "عبدالناصر": "كتاب يقرأه واحد ينفع، فالعبرة ليست بالكثرة، فرُب فرد واحد يتأثر بالكتاب ويكون هذا الفرد بمثابة ألف شخص".

سعت حكومة يوليو إلى احتواء المثقفين ووضعهم فى المناصب الإدارية والفنية، واستضافهم الرئيس فى بيته للتشاور، ومن هؤلاء أحمد لطفى السيد وعبدالرازق السنهورى وطه حسين.

وكان "عبدالناصر"، حسب ما جاء فى كتاب "جمال عبدالناصر وعصره" تقديم الدكتور عادل غنيم، يجلس إلى المثقفين من آن لآخر ليشاركوا بالمشورة مثلما حدث وقت تأليف الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، حين التقى مع أحمد لطفى السيد ومصطفى مرعى وطه السباعى وفتحى رضوان.

ولفت إلى أن الدولة تركت الشعراء والأدباء والفنانين أحرارًا يتحدثون بلغتهم الخاصة على هواهم فى معظم الوقت، مثلما حدث فى رواية "تلك الأيام" مع الروائى فتحى غانم عام ١٩٦٢، فبعد أن حُذف منها جزء أُعيد ونشرت كاملة كما كانت. 

واستشهد "غنيم"، فى كتابه، بشهادة لويس عوض، الذى أكد أن الدولة لم تفرض أى وصاية فنية أو ثقافية، وقال: "لو كانت الدولة تمارس أية وصاية متزمتة لما سمحت بنص طوفان عاشور المتهم بأنه صديق الفقراء، ولا نص الفرافير ليوسف إدريس المتهم باشتراكية عبدالناصر ولا بشبراوى سعد الدين وهبة، وهو رجل مصر المريض المشلول ولا بتبريزى ألفريد فرج، وهو بائع الأحلام، ولا بأوديب على سالم المعزول عن شعبه منذ هزيمة مصر، ولا لما استطاع نجيب محفوظ أن ينشر عبر السنوات أولاد حارتنا أو السمان والخريف أو ميرامار، أو ثرثرة فوق النيل، أو الطريق أو الشحاذ، وكلها تتضمن وصفًا حيًا للعاهات النفسية والتشوهات الخلقية، التى ملأت مصر بعد ثورة ١٩٥٢، بل لما استطاع أن ينشر بنك القلق". 

وسمح "عبدالناصر" بعرض مجموعة من الأعمال المسرحية، التى كانت تنتقده، منها مسرحية "المسامير" لسعد الدين وهبة، ومسرحية "العرضحالجى" لميخائيل رومان، ومسرحية "إزاى ده حصل" لعزت عبدالغفور، ومسرحية "بلدى يا بلدى" لرشاد رشدى، ومسرحية "إنت اللى قتلت الوحش" لعلى سالم، التى كانت تندد بمسلك رجال المخابرات، ومسرحية عبدالرحمن الشرقاوى "الفتى مهران"، التى كانت تنتقد حرب اليمن، ومسرحية "ثورة الزنج" لمعين بسيسو.

واعترضت الرقابة على فيلم "شىء من الخوف" لثروت أباظة، بحجة أن السيناريو الخاص به يحتوى على إسقاطات، مقصود بها رئيس الجمهورية وأنها هجوم عليه وعلى نظام الحكم معًا، وحين وصل الأمر إلى "عبدالناصر" طلب مشاهدة الفيلم، وبعد ذلك أمر بعرضه وقال "هو إحنا عصابة؟، لو أنا عتريس (بطل الفيلم)، كان لازم الشعب يقوم بقتلى". 

وحين منعت الرقابة كتاب "فى البدء كانت الكلمة" عام ١٩٦١ للكاتب خالد محمد خالد، دعاه "عبدالناصر" إلى منزله لمناقشته، وبعد حوار دام لمدة أربع ساعات صدرت تعليماته بالإفراج فورًا عن الكتاب.

ساهمت وزارة الثقافة والإرشاد القومى، فى عهد جمال عبدالناصر، فى تطوير مشروع الألف كتاب الذى أقرته الإدارة العامة للثقافة عام ١٩٥٧، وعملت الوزارة على أن يشمل المشروع كتبًا تمثل المراحل التاريخية قديمها ومتوسطها وحديثها إلى جانب الكتب المترجمة.

وأصدرت بعد ذلك أربع سلاسل دورية هى "تراث الإنسانية"، و"المكتبة الثقافية" للقارئ العادى، وصدرت منها ١٤٠٠ عدد، وسلسلة "أعلام العرب"، وسلسلة "مسرحيات عالمية" وكانت تُباع بقروش قليلة، بأقل من تكلفتها الفعلية.

واتفقت وزارة الإرشاد مع بعض دور النشر الأجنبية على إصدار مطبوعات عربية وأوروبية، صدر منها كتاب الفن المصرى المعاصر باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، بالاشتراك مع دور نشر يوغوسلافية، وشيدت مبنى لدار الكتب على أحدث طراز ومخطوطات منذ عام ١٩٣٠، وأقيم مبنى جديد على كورنيش النيل، وخصص له "عبدالناصر" مليون جنيه، وأرسى أساسه فى ٢٣ يوليو ١٩٦٦.

اهتم الرئيس الراحل بالمسرح والسينما منذ أن كان طالبًا فى مدرسة النهضة الثانوية، فقد جسد عام ١٩٣٥ شخصية يوليوس قيصر فى مسرحية شكسبير على خشبة مسرح المدرسة فى حضور وزير المعارف، وبعدما تولى رئاسة الدولة كان يحضر بعض المسرحيات ويناقش مؤلفيها فيما كتبوه وينقد المسرحية التى يشاهدها نقدًا فنيًا.

وكان يرى أن العمل المسرحى ملك للمؤلف وليس ملكًا للمخرج، ولا يجوز أن يُعدل فى النص الأصلى.

أما عن السينما فقد كان يصور الأفلام القصيرة بكاميرته الخاصة، وذكرت ابنته "هدى" أنه كان يحب قراءة مجلة ناشيونال جيوجرافيك، لأنها كانت تحتوى على صور تنمى موهبة التصوير لديه، وكان يحضر، عندما كان "رئيسًا"، حفلات افتتاح بعض الأفلام الجادة لتشجيع السينما، وشاهد فيلم "رد قلبى" فى دور العرض، وحضر افتتاحه فى سينما كايرو بالقاهرة.

كما شاهد فيلم مصطفى كامل مع عبدالحكيم عامر، من تأليف فتحى رضوان وإخراج أحمد بدرخان فى عرض خاص بسينما ريفولى بالقاهرة، وطلب بعد انتهاء العرض من فتحى رضوان أن يكتب قصة فيلم آخر عن الزعيم محمد فريد.

كما طلب من الفنان فريد شوقى أن ينتج فيلمًا عن معركة السويس والمقاومة فى بورسعيد من أجل عرضه على العالم كله، وطلب من عبدالحكيم عامر، وزير الحربية، آنذاك أن يقدم جميع التسهيلات اللازمة، وحدث وأهدى وحش الشاشة نسخة منه إلى "عبدالناصر".