رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

١٩٩٠-٢٠٢١

على هامش حفل تخريج دفعة متدربى المركز الوطنى للتدريب والاحتفال بأربع سنوات على تأسيس المركز نفسه، أجد نفسى أعود لعام ١٩٩٠ لأسترجع ذكرياتى كشاب مصرى من الطبقة الوسطى، يعيش فى حى شبرا.. وأسجل هذه الذكريات من منظور شاب كان قد بلغ وقتها عامه السادس عشر، ويتطلع بكل شوق للالتحام بالشأن العام فى بلده، لكن ما أذكره دون أى تزيّد أن جميع المنافذ كانت مغلقة، فقد بدأت علاقتى بالشأن العام بشراء الجرائد التى تصدر عن أحزاب المعارضة المصرية مثل الوفد، والشعب، والأهالى، وكانت جميعها ذات مستوى صحفى متميز، ورغم أن الأسر المصرية كان موقفها الثابت وقتها هو منع أبنائها من الاهتمام بالسياسة، إلا أننى تجاوزت تحذيرات أهلى اللينة، وواصلت الاهتمام بهذه الأحزاب، لأكتشف بعد قليل أن رؤساء الأحزاب المعارضة جميعًا من مواليد بداية القرن الماضى، وأن بعضهم حين بدأت الاهتمام بالسياسة كان قد تجاوز السبعين من العمر!، ولم يكن ذلك حال المعارضة فقط، لكنه كان أيضًا حال كبار المسئولين جميعًا، فعلى رأس الدولة رئيس بدأ حياته العملية فى الأربعينات ورجاله الذين يعتبرهم شبابًا بدأوا حياتهم السياسية فى الخمسينات!! وأمين شباب الحزب الحاكم فى السادسة والخمسين من عمره وقتها!! ورئيس المجلس الأعلى للرياضة أستاذ قانون فاضل من جيل منظمة الشباب وأعتقد أنه كان يخطو نحو الستين.. أما الواقع الشبابى نفسه فكان بائسًا، ومراكز الشباب عبارة عن قطع أراضى فضاء مهملة ومسورة وبائسة، والخدمة الحكومية الوحيدة التى كنت أتلقاها كشاب كانت زيارة نصف شهرية تقوم بها المكتبة المتنقلة للمنطقة التى أسكن فيها لمدة عدة ساعات، أستبدل فيها الكتاب الذى استعرته منها بكتاب آخر.. والشباب غير مدعوين لممارسة السياسة أو العمل العام بأى حال من الأحوال، والشباب الذين قدموا لى أنفسهم على أنهم من شباب الحزب الوطنى كانوا نماذج بائسة على مستويات عدة ولا أمل لديهم فى شىء وليس مطلوبًا منهم شىء، اللهم بعض المصالح الصغيرة هنا وهناك.. وحين دخلت الجامعة كان الإخوان المسلمون يسيطرون على كل شبر فضاء، وعلى كل مدرج، وعلى كل اتحاد، وعلى كل مدينة جامعية، اللهم إلا بعض مراكز المقاومة كان أحدها فى كلية الإعلام، وكان ذلك يتم بتواطؤ تام من الدولة انتهى جزئيًا فى ١٩٩٥، وحين تغيّر وزير الشباب وجاء آخر أكثر نشاطًا، ظهرت سلسلة أسر جامعية قيل إنها مدعومة من الدولة، وقد كان لها ما لها وعليها ما عليها، وأظن أن ما كان عليها أكثر مما لها بكثير!! وكان هناك على هامش هذا الصراع بين «طيور الظلام» شباب ينتمون إلى قوى مدنية وليبرالية ويسارية مختلفة، وأشهد أن غالبيتهم العظمى كانوا وقتها من الأنقياء الحالمين، لكنهم أيضًا قليلو الحيلة، لا يعبرون عن قوى اقتصادية أو اجتماعية معينة، ومصادر الثقافة والتدريب أمام معظمهم مغلقة، وتصورات بعضهم قديمة ولا تجارى الزمن، وبشكل عام كان المشهد يعبر عن دولة وصفها الأبنودى بأنها "دولة العواجيز"، وقد اقتضى الأمر مرور خمسة عشر عامًا على العام الذى اخترت أن أبدأ منه المشهد، لتظهر موجات شبابية مصنوعة أمريكيًا، سواء فى الحزب الحاكم، أو فى دوائر المعارضة والحركات الممولة، وأن يتدافع الفريقان حتى تفور الفورة، وينتهى الدور، وينهى غضب الشباب الذى اختلط صادقهم بكاذبهم حكم دولة العواجيز التى أهملتهم وتعالت عليهم، وتظاهرت بأنها لا تراهم، ولا تعرفهم، فبادلوها تجاهلًا بتجاهل، وكرهًا بكره، وإزاحة بإزاحة، إننى أسجل هذا كى يعرف من لم يعيشوا تلك السنوات كيف كنا وكيف أصبحنا أو كيف أصبحوا، ولكى يعرف كل شاب مصرى أن أمامه فرصة عليه أن يغتنمها، هذه الفرصة ليست فرصة لـ"اللغو"، أو للهتاف أو لسائر الأفعال التى يختصرها المصريون فى لفظ "الهمبكة"، ولكنها فرصة للتعلم، والتدريب، ولاكتساب مهارات جديدة، ولقيادة بلده بالعمل لا بالكلام، ولتطبيق ما يؤمن به بعد أن يتم تأهيله لا وهو جالس على الرصيف، وبأن أمامه فرصة لتغيير الواقع من خلال العمل داخله وليس من خلال إلقاء الجميع بالطوب والجرى مثلما يفعل الأطفال.. ما يدعو إلى الاحترام فى تجربة المركز الوطنى للتدريب أنه معهد علمى، استقى فكرته من مدرسة الإدارة العليا فى فرنسا، وهى معهد عالمى خرّج المئات من الكوادر الإدارية رفيعة المستوى، وكما هو واضح فقد شق المركز بعد ذلك طريقًا خاصًا به، ونوع مصادر تدريبه ومناهجه، واعتبر أن خدمة الوطن تكون بالتدريب والتأهيل وليس بترديد الشعارات، والقيمة هنا فى المعنى، والجهد، وليس فى أى شىء آخر، يبقى أن على المعهد أن يعلن عن أنه يفتح أبوابه لجميع الراغبين فى التدريب ما داموا يستطيعون اجتياز اختبارات القبول، وأن يكون هناك نوع من الانفتاح فى نشاطه وفق الظروف والمواءمات، والأكيد أن هذا يتم بالفعل، ولكن أقصد الإعلان والإتاحة والوصول لكل شاب موهوب فى أى بقعة على أرض مصر، شباب مصر محظوظون بوجود الرئيس السيسى بكل تأكيد لكن بعضهم لا يدرك كم هو محظوظ.