رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

التعليم بين التطوير والتدمير

هل تطوير التعليم يحتاج إلى كل تلك الضجة وكل هذا الجدل واللغط؟
في الواقع لا، فكل ما يحتاجة إرادة قوية وإخلاص نية، وتغيير فلسفة المناهج القائمة على الكم إلى فلسفة الكيف على حساب الكم، والفهم والاستيعاب على حساب الحفظ ثم النسيان، ويتم ذلك بتوفير المواد والوسائط التعليمية التي تبسط المعلومة وتقربها لذهن الطالب لتتحول فكرة التعليم إلى متعة لا عبء أو تعذيب.

يظل الطالب ما قبل الجامعي يدرس 12 عاما دراسيا يستطيع واضعو المناهج في كل المواد الدراسية توزيع المعلومة وفردها على تلك المساحة الزمنية الطويلة؛ فيتيح للمعلم والمتعلم الوقت الكافي للتعليم والتعلم بدلا من المأساة التي يواجهها الجميع من تكديس للمناهج وإعلاء مفهوم الكم على حساب الكيف وتحويل العملية التعليمية إلى سباق ماراثوني لإنهاء المنهج في الوقت المناسب خشية وقوع المعلم تحت طائلة التقصير واللوم والعتاب والعقاب، وتحول الحقيبة المدرسية إلى نوع من العقاب والعذاب للطالب بحمله ما تنوء به العصبة من أولى القوة.
كثير من المواد التي كنا ندرسها ونحن لها كارهون كالجغرافيا والفيزياء والكيمياء واللغات؛ يمكن للأجيال الحالية الاستمتاع بدراستها وإجادتها إذا توفر لهم ما استحدث من أدوات ووسائط تساعدهم في تبسيط المعلومة واستيعابها وعدم نسيانها بعد الانتهاء من دراستها.. خذ عندك مثلا مادة كالجغرافيا، توفير خرائط ثلاثية الأبعاد تقرب إلى ذهن الطالب الموقع الجغرافي للمكان وخصائصه وتوزيع الثروات الطبيعية، فتتحول المادة من مادة حفظ إلى مادة فهم.
وفي الكيمياء، لماذا لا يتم الاستعانة ببرامج المختبرات الافتراضية لتتيح للطالب إجراء التجارب على التفاعلات الكيميائية بنفسه بشكل آمن إلى أن يصل إلى مرحلة إجراء تجارب حقيقية داخل المختبرات بعد أن يكون قد اكتسب الخبرات اللازمة في قواعد التعامل الآمن مع تلك المواد المستخدمة وتفاعلاتها؟
وفي الفيزياء، هناك أفلام تعليمية تبسط قوانين الفيزياء وتحولها من مادة معقدة بغيضة إلى نفوس الطلاب إلى مادة بسيطة.
وفي اللغة العربية، لماذا الإصرار على استخدم تلك الطرق القديمة الجافة المقعرة في شرح النصوص؟ لماذا لا تستخدم أساليب لغوية مبسطة تعلم الطلاب تذوق اللغة وجمالياتها وتطور قدراتهم على التعامل مع النص وتحليله ونقده واستخراج كنوزه البلاغية؟!

إن مفهوم التطوير هنا سيتحول من مفهوم تغيير منهج إلى مفهوم السعي لتبسيطه وجعله عملية ممتعة ومشوقة.
إن مشكلة التعليم حاليا كما أراها هي عدم واقعية التعامل مع المشكلة، وتحول القصة إلى شعارات ولقطة وتجريب بشكل خاطئ، والخطأ هنا يكمن في عدة نقاط يمكن إجمالها في الآتي: 
أولًا التجريب، فالتجريب لا يتم على عموم المتعلمين، لكن يتم على شريحة منتقاة من مدارس مختلفة من كل عموم مصر، ثم تدرس النتائج بشكل جدي وواقعي للوقوف على التجربة ومدى نجاحها أو فشلها، فإن نجحت يتم تعميمها، وإن فشلت يتم الوقوف على أسباب الفشل والعمل على تلافيه وتوفير أسباب النجاح وإلا إلغاء التجربة إن لم يتم ذلك.
ثانيًا التطوير، لا يبدأ من الصفوف العليا وإنما يتم من أول السلم الدراسي حتى يغرس في الطفل الأسس المطلوبة وتطور معه مع تقدمه الدراسي.
ثالثًا لا تطوير للتعليم دون معلم، فالحديث عن جودة تعليم في ظل عجز معلمين يصل إلى مئات الألوف في بلد يصدر معلمين لهو مهزلة ومحض هراء، وأي أحاديث عن جودة ونجاح تعليم في ظل ذلك الوضع شعارات كاذبة ومضللة لواقع يدركه المواطن البسيط ويضع الدولة في وضع لا يليق بها في نظر مواطنيها.
رابعًا لا تعليم في ظل بيئة غير آمنة للمعلم تحفظ كرامته من التعدي عليه وإهانته جسديا ومعنويا، ولا تعليم دون معلم يجد راتبا يكفيه ماديا ويحفظ عليه كرامته.

خامسًا تكديس المناهج لا يفيد في شيء.
سادسًا أثبتت تجارب الاستعانة بالخبراء الأجانب لوضع المناهج فشلا ذريعا لعدم إحاطتهم بطبيعة البيئة أو الطالب.
سابعًا لا تعليم دون مدارس،  ويمكن التخفيف عن الدولة بالاستعانة بالمواطنين للتبرع ببنائها وتوفير الاحتياجات التي تتناسب والزيادة السكانية.
سابعًا إلى كل من يقف في وجه التعليم المجاني ويدعو إلى إلغائه وتحويله إلى تعليم للقادرين ماديا فقط، أنتم ودعواتكم خطر على الدولة لأنكم طبقيون عنصريون ولأن تكلفة الجهل أفدح بكثير من تكلفة التعليم.