رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

محاكمة فريدة تجمع رئيس دولة وقائدًا لخلية إرهابية«1»

قائد الخلية الإرهابية، هو «صلاح عبدالسلام» ٣٢ عامًا، والعضو الوحيد الباقى على قيد الحياة من كوماندوز الإرهاب كما سمتهم الصحافة الفرنسية، الذى نزل إلى باريس فى ١٣ نوفمبر من العام ٢٠١٥. ورئيس الدولة هو فرانسوا هولاند، الرئيس السابق لفرنسا، الذى دخل إلى قاعة المحكمة باعتباره أحد الشهود المطلوبين فى قضية الهجمات الإرهابية التى ضربت باريس، وهى واقعة فريدة من نوعها بالطبع. ولكن هذا المشهد لم يكن وحده هو عنوان غرائب تلك القضية الكبيرة، التى وصف الهجوم الإرهابى محل نظر المحكمة حينها باعتباره «١١ سبتمبر فرنسى»، من هول ما جرى وتعقيد وجرأة تنفيذه المركب الذى أصاب أوروبا جميعها بصدمة، ما زالت تداعياتها حاضرة حتى الآن.

من ملف الغرائب المتنوع، أن محاكمة عبدالسلام التى بدأت سبتمبر الماضى تقدمه كنموذج مثالى للشر المتجسد، كونه قاد وحرك أعضاء خليته المتهمين بالمشاركة فى الاستعدادات للهجوم وترتيب وثائق مزورة، كما أيضًا ثابت بحقهم الحصول على سيارات بطرق قانونية واستخدام عدد من الشقق للتآمر. والثابت من التحقيقات اللاحقة أن فريق التنفيذ كان مقررًا أن يضم اثنين آخرين تأهبًا للسفر إلى أوروبا، على أمل الانضمام إلى الهجوم لكنهما لم ينجحا فى الوصول بالوقت المناسب. عبدالسلام هو الوحيد من تلك المجموعة الذى بقى هناك حيًا، وكان من المفترض أن يفجر نفسه، فقد وصل إليه الأمن الفرنسى وهو مدجج بحزامين ناسفين، كما فعل الأعضاء الآخرون وقضوا نحبهم فى عمليات المداهمة، لذلك يبقى هو الوحيد الذى يمكنه تقديم إجابات لعديد من الأسئلة المفتوحة، على الأقل بشأن خلفية تلك الهجمات. التحقيقات استمرت أربعة أعوام ونصف العام تقريبًا، ومن المقرر أن تستمر المحاكمة لنحو تسعة أشهر بحق ٢٠ متهمًا بالضلوع فى القيام بنشاطات وهجمات إرهابية، وقد تسجل فى دائرة المحكمة التى تنظر القضية ٣٠٠ محامٍ يمثلون ١٨٠٠ مدعٍ مشترك.

الرئيس الفرنسى السابق هولاند، ذهب إلى المحكمة كى يكشف أمام القضاة ما كانت تعرفه أجهزة الدولة الفرنسية من معلومات قبل الهجمات، وهل كان يمكنه وفق السلطات الممنوحة له كرئيس للجمهورية حينذاك، أن يمنع الهجوم الإرهابى. وهناك سؤال مهم جرى ذكره فى طيات التحقيقات قد يكون هولاند مطالبًا بالتعبير عن تقدير المنصب الرئاسى بشأنه، وهو ما إذا كانت الضربات الجوية الفرنسية فى سوريا التى أمر بها هولاند فى سبتمبر ٢٠١٥، ربما تكون قد دفعت الإرهابيين إلى تنفيذ الهجوم؟ الذى خلف ضمن تلك الليلة الرهيبة التى قضتها باريس، ١٣٠ قتيلًا توزعوا فى عدة مسارح للجريمة المركبة، منها ملعب فرنسا حيث فجر المهاجمون أنفسهم وبالقرب من المقاهى الشهيرة فى «الدائرة ١١» من العاصمة، وقاعة «باتاكلان» للحفلات الموسيقية حيث فتح الإرهابيون النار فى مواجهة رجال الأمن من قوة مكافحة الإرهاب حين داهموا القاعة لتحرير رهائن، احتجزهم شبان وشابات «أعضاء الخلية» يحملون بنادق كلاشينكوف. قدم صلاح عبدالسلام هذا المشهد أمام المحكمة وقبلها بالتحقيقات، وفق نظرية «الهجوم المشروع» التى استفاض فيها أمام القضاة فى بداية المحاكمة، عندما أكد أن فرنسا صارت هدفًا بعد أن قرر الرئيس الفرنسى مهاجمة تنظيم الدولة الإسلامية فى سوريا، وبعدها حسب قوله قتل «أبرياء» فى الضربات الجوية التى نفذها الجيش الفرنسى بينهم نساء وأطفال. كما كان من المهم بالنسبة له نظرًا لأن أعضاء الخلية الآخرين لم يعد بإمكانهم التحدث، أن يعلن أمام القضاة التزامه وباقى شركائه لله والنبى محمد، صلى الله عليه وسلم، لتكون الخلاصة بالنسبة لما ذكره عبدالسلام أن هولاند هو المذنب الحقيقى.

الرئيس هولاند قدم شهادته التى دامت عدة ساعات، بقوله إنه خلال صيف ٢٠١٥ ضمت تقارير الاستخبارات الفرنسية وبعض الدول الحلفاء، علامات وإشارات تحذير أكثر وضوحًا من ذى قبل، لهذا ذكر نصًا: «علمنا أن هناك عمليات يتم التحضير لها فى سوريا، وأن هناك أفرادًا اختلطوا مع عملية تدفق اللاجئين. كنا نعرف كل ذلك، لكننا لم نكن نعرف أين ومتى وكيف سيهاجموننا». الإشارة الوحيدة التى ربما مثلت معلومة شبه متماسكة، كانت بشأن المدعو «عبدالحميد أبا عود» زميل مقرب من عبدالسلام فى الخلية الذى توافر بحقه ترجيح، أنه ينسق من سوريا لهجمات ستقع فى فرنسا لاحقًا مما نقل درجة التهديد لمستوى «وشيك». لكن مع بداية تحرك القوات الفرنسية لملاحقة عبدالحميد أو تحييده، كانت خطط التنفيذ قد سبقت بخطوات وقطعت شوطًا طويلًا فى التنفيذ بالفعل، ولذلك أيضًا لم تسفر الهجمات الجوية التى أشار لها عبدالسلام إلى كبح جماح قطار التنفيذ الذى كان قد وصل أوروبا، حتى قبل أن تقصف الطائرات الفرنسية فى سبتمبر ٢٠١٥ معسكرات تدريب «داعش» فى سوريا.

حاولت محامية عبدالسلام التشكيك فى دقة التواريخ التى يذكرها الرئيس هولاند، فى معرض روايته لفصول تصاعد الأحداث بصيف العام نفسه، لكن استناده إلى تقارير استخباراتية أكدت عملية الاستعداد لتنفيذ هجوم إرهابى بمدن فرنسية أو أوروبية كبيرة، جعلته يعبر «المطب» الذى كانت محامية عبدالسلام تحاول استدراجه إليه.

عبدالسلام طوال جلسات المحاكمة يجلس بلا حراك فى الصندوق الزجاجى للقاعة، يتابع الإجراءات أو يحدق فى الفضاء لعدة دقائق تطول حينًا وتقصر حينًا، لكن يظل فى النهاية نموذجًا لشاب ذى جذور مغاربية، ليس لافتًا بالمرة ولا واسع الأكتاف أو مفتول العضلات والقوام بشكل خاص، إنما مظهره عادى إلى حد كبير، حيث يبدو تمامًا مثل الأطفال المهاجرين الصغار الذين شبوا فى أحياء يعيش فيها الكثير ممن هم بقاعة المحكمة. وهو بصفته قائدًا للخلية لم يشارك فى التنفيذ المباشر، إنما كشفت التحقيقات وتحريات أجهزة الأمن الفرنسى أن جهده الفاعل تركز على منظومة معقدة من ترتيب «لوجستيات» مثلت العامل الحاسم فى نجاح الهجوم الصاعق والمركب. فعبدالسلام هو الذى استأجر السيارات من مجموعة متنوعة من الشركات، بما فى ذلك تلك المستخدمة ليلة ١٣ نوفمبر، وقيامه خلال صيف هذا العام بالتقاط أعضاء مستقبليين من فريق الهجوم فى أماكن متفرقة مثل المجر وألمانيا، وجميعهم تقريبًا سافروا إلى أوروبا عبر طريق البلقان متنكرين فى هيئة لاجئين، وأخذهم عبدالسلام إلى بلجيكا فى سياراته المستأجرة قبل أن يستخدم ببراعة موقع «Booking.com» الشهير، لحجز غرف فندقية بالقرب من باريس، حيث كان المهاجمون يقضون ليلتهم الأخيرة قبل الهجمات. وفيها وفر لهم عبدالسلام «١٢ جهازًا مستقبلًا» من متجر للألعاب النارية مع أجهزة تحكم عن بُعد، مما يجعل من الممكن استخدامها لإرسال نبضات كهربائية عبر مسافات كبيرة.

ما الذى جرى بعد ذلك فى قاعة المحكمة؟، وكيف خطط صلاح عبدالسلام للإفلات من تلك الأدوار الفاعلة الثابتة عليه بصورة أو بأخرى؟.. هذا نستكمله الأسبوع المقبل بمشيئة الله.