رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

محاصرة الفقر

الأخبار التى تحملها الصحف تؤكد أن العدالة الاجتماعية من أهم أسس «الجمهورية الجديدة» فى مصر.. منذ يومين أصدر الرئيس توجيهاته برعاية الأسر التى تمر بضائقة مالية، ومساعدة المعسرين فى تجهيز بناتهم للزواج.. قبلها بيومين اثنين كان يزور الأسر التى تضررت من السيول فى أسوان، ويصدر قرارًا بنقل خمسمائة أسرة إلى مساكن مجهزة بالأثاث والأجهزة الكهربائية.. ومنذ يومين أيضًا كان الرئيس يصدر توجيهاته بتطوير شركات قطاع الأعمال المملوكة للشعب والحفاظ عليها، وتعظيم أصولها، وهو قرار لا يعنى فقط الحفاظ على أصول الدولة المصرية التى تم الاستيلاء على بعضها فى زمن ماضٍ، ولكنه يعنى أيضًا الحفاظ على عشرات الآلاف من الوظائف لعمال وموظفى هذه الشركات.. إن الرئيس السيسى وهو يرسم ملامح العدالة الاجتماعية والحفاظ على القطاع العام يؤكد فى نفس الوقت أهمية القطاع الخاص ويدعوه إلى مزيد من الاستثمارات فى كل المجالات.. ويؤكد عليها تبنى الدولة سياسة أقرب لـ«الوسط» فى الاقتصاد والسياسة أيضًا.. والمعنى أنه لا توجد دوافع أيديولوجية وراء سياسات العدالة الاجتماعية وحصار الفقر فى مصر.. فالتاريخ لا يعود للوراء.. ولكن يمكن القول إن دوافع الرئيس السيسى هى ثلاثة دوافع أولها الدافع الإصلاحى.. حيث يمكننى أن أجتهد وأقول إن الجمهورية الجديدة هى جمهورية ٢٣ يوليو بعد إصلاحها والتخلص من عوامل الوهن والفساد التى اعترتها فى عقودها الأخيرة، وبالتالى يمكن القول إن الجمهورية الجديدة هى جمهورية الإصلاح وإن السمة الأساسية للرئيس السيسى هى أنه «مصلح» يرفع راية الإصلاح فى مجالات الإدارة والتنمية والسياسات والفكر أيضًا، وهذه الطبيعة الإصلاحية هى التى تدفع الرئيس للتخفيف من حدة الظلم الاجتماعى، وغياب مظاهر العدالة، والتفاوت الحاد فى الدخول بين المصريين، وهى كلها مظالم عانى منها المصريون واستغلها الإخوان ودعاة الفوضى، وأقنعوا قطاعًا واسعًا من المصريين بأن سقوط الدولة هو أفضل لهم فى ضوء المظالم التى يتعرضون لها مع المبالغة الإعلامية فى تصوير هذه المظالم.. وإلى جانب الدافع الإصلاحى للرئيس، هناك أيضًا الدافع الإنسانى، وهو يتفاوت من رئيس لرئيس، ويبدو واضحًا من خطوات الرئيس وتصريحاته تعاطفه الشديد مع بسطاء المصريين، وإيمانه بأن كرامة المصرى يجب أن تظل مصانة، هذا التعاطف لم يكن بهذا الوضوح لدى أى رئيس مصرى آخر باستثناء الرئيس جمال عبدالناصر، بينما بدا فى أقل حالته لدى الرئيس السادات والرئيس مبارك الذى نسى البعض عبارته باعتباره بسطاء المصريين عبئًا ثقيلًا يتمنى لو أمكن التخلص منه.

الدافع الثالث فى تقديرى الشخصى هو دافع سياسى ذو بعد أمنى، حيث يدرك الرئيس بخبرته الطويلة أن الاستقرار لا يتحقق بقوة الردع فقط، ولكن بإقرار العدالة أيضًا، وتخفيف حدة المظالم، وتمكين الفقراء من تحسين ظروف حياتهم والانتقال لوضع اجتماعى أفضل من خلال العمل والتعليم.. ولعله لا يخفى على أحد أن ثمة تغيرات فى ظروف القبول فى عدد من الكليات المهمة والوظائف المرتبطة بالعدل، فى اتجاه إتاحة الفرصة للشباب المتفوق والمميز بغض النظر عن الظروف الاجتماعية ما دامت السيرة الحسنة متوافرة.. حيث ينفذ الرئيس سياسة تقول إن المائة مليون مصرى لا بد أن يشعروا بأن الدولة المصرية دولتهم جميعًا، وبأنها تعدل بينهم، وهذه هى الطريقة الوحيدة التى تجعل الجميع يدافعون عن دولتهم ضد المؤامرات ويواجهون مخططات إسقاطها.. ولعل هذه الأفكار الخاصة بالعدل الاجتماعى والمسئولية الاجتماعية هى التى دفعت الرئيس لتوجيه الدعوة لرجال الأعمال عام ٢٠١٤ للتبرع لصندوق تحيا مصر ليكون ذراع الدولة فى تحقيق العدالة الاجتماعية، وقد أساء بعضهم فهم الدعوة، وأساء بعضهم التصرف، ما استدعى خطوات كثيرة، ويمكن القول إن الوضع فى ٢٠٢١ مختلف تمامًا عن الوضع فى ٢٠١٤، لكننى أظن أنه ما زال للشركات الخاصة فى مصر الكثير لتقدمه، وأتوقف هنا أمام بحث عن الفقر أجراه المركز القومى للبحوث الاجتماعية وعرفت عنه من خلال عرض الدكتور على الدين هلال نتائجه فى مقاله بصحيفة الأهرام، فقد انخفضت نسبة الفقر المدقع فى عهد الرئيس السيسى من ٣٢٪، من مجموع المصريين إلى ٢٩٪، ورغم هذا الانخفاض فالنسبة ما زالت كبيرة، حيث ما زال لدينا ٢٩ مليون مصرى لا يجدون احتياجاتهم الأساسية بسهولة، والسبب أن ٦٦٪، منهم غير متعلمين إطلاقًا، وأن نفس النسبة تقريبًا عدد الأسر فيها يفوق خمسة أفراد ومعظم فقراء مصر فى محافظات الصعيد، وهو ما أدركته الدولة المصرية التى قلبت الآية، وكثفت جهود التنمية فى الصعيد بعد عقود من الإهمال، ولا شك أن نسبة الفقراء فى مصر ستتضاءل بعد ثلاث سنوات من الآن، يكون مشروع حياة كريمة فيها قد آتى أكله وأثمر ثماره، وهو ما يدعونا إلى التفاؤل وإلى الدعوة للالتفاف حول هذا المشروع وحشد الإمكانات له، حيث إن الـ٢٩ مليونًا هو تعداد دولة متوسطة أو كبيرة فى المنطقة العربية، والمعنى أن العبء ثقيل، والمهمة صعبة، لكن الدولة المصرية تقدر عليها وعلى ما هو أصعب منها بكثير، وهو ما أثبتته عشرات المعارك السابقة، وستثبته عشرات المعارك القادمة بإذن الله.