الإثنين 06 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عن سعيدة خاطر الفارسي

هكذا وُلِدتْ الشاعرة والناقدة العمانية د.سعيدة خاطر الفارسي ..منقوش في لوحها المحفوظ أن تفوح أزاهير حدائقها الإنسانية والفكرية والوجدانية بشذى بهية.. بعبق إيزيس!.

كان ذلك في مطلع ثمانينيات القرن الفائت ..شهر رمضان يقترب ..حينها كنت مدير تحرير مجلة الأسرة العمانية..التقليد السائد في الصحافة العربية -الإسلامية ربما- مع اقتراب الشهر الفضيل ..أن نسأل الناس -كبار السن في الغالب- عن ذكرياتهم مع رمضان..أسندت المهمة إلى الشاب العماني الصغير خالد منصور الفارسي.. كان يتلقى تدريبه  في المجلة على العمل الصحفي..ممن اقترحت عليه  محاورتهم سعيدة خاطر الفارسي مديرة مدرسة روي النموذجية..فإذا به  يباغتني بعد  يومين بإجابة منها غير تقليدية على أسئلتنا الصحفية ..نص أدبي يمكن تبنيده في خانة " نثر شعري" مكنوز بالجماليات..هاتفتها: حضرتك شاعرة ؟
أجابت: لا..مجرد خواطر..
 
قلت :ملائكة الشعر تسكنك ..وربما لاتدرين..
يجب أن تعتني بأنفاسها!
بدت الدهشة في حروفها :
-أنفاس ماذا؟
-ملائكة الشعر!!
وكأنها لم تبال بما قلت ..هكذا واتاني خاطر محبط ..لكني فوجئت بما هو مغاير..رسول منها يطرق بابي بعد أيام ..حاملا رسالة مسطورة بأنفاس ملائكة الشعر ..العنوان " انتحار حضارة " ..موار موجع لمواطنة عربية حول الحرب الأهلية في لبنان..أيضا النص مفعم بجماليات اللغة ..لكن ثمة شروخا في البنية الفنية..يرصدها فقط مجهر الناقد المتخصص..إلا أنها  لم تقلل من جاذبيته..
بسطت للقصيدة صفحتين في العدد التالي من المجلة..
هاتفتني معبرة عن امتنانها ..سألتها:
-هل تأذنين لي بزيارة المدرسة؟
 
-على الرحب والسعة..
 
صباح اليوم التالي طرقت مكتبها ..لم أجدها!!
شابة في العشرينيات كانت منهمكة في أحد أركان الغرفة الفسيحة ترتب بعض اللوحات الفنية..
-صباح الخير .
-صباح النور
- من فضلك ..أين أ. سعيدة ..؟
 
-أنا سعيدة ..
- عفوا..أقصد أ.سعيدة خاطر مديرة المدرسة ؟
-أنا سعيدة خاطر مديرة المدرسة ..أتشرف بحضرتك؟
أتطلع إليها ربما ببلاهة ..أهي إحدى المعلمات وتسخر مني ؟! لكن ليس هذا من عادة العمانيين ..حتى إن سخروا لاتتمرد سخريتهم ..على أعرافهم الراقية في التعامل مع الآخرالغريب..!!
وليس من منظومة التعليم في مصر ..التي اعتدت وتآلفت معها تلميذا ومواطنا ..مديرة مدرسة دون الخمسين.. تلك هي الصورة الذهنية المستقرة في قرار ذاكرتي لمديري ومديرات المدارس..وأبدا ليس دون ذلك ..تلك الشابة التي "تدعي" أنها مديرة المدرسة سنواتها لاتزيد عن نصف عمر أي مديرة مدرسة مصرية..
تبرح مكانها في زاوية الغرفة وتتجه إلى المقعد الخاوي خلف الطاولة ..
-تفضل ..اجلس ..أتشرف بحضرتك
-محمد القصبي ..
تعبق تقاسيم وجهها باشراقة تغمرني بالونس..
-مدير تحرير مجلة الأسرة..؟
-نعم ..
- من قراء المجلة ..خاصة الافتتاحية التي تكتبها ..
- نافذة على الحياة.
-تخوض بجرأة في قضايا اجتماعية لم يتطرق إليها أحد من قبل ..
قلت مبتسما:
-وماأراه أمامي سيكون موضوع مقالتي العدد المقبل..
شابة دون الثلاثين مديرة مديرة مدرسة إعدادية ! وليس أي مدرسة ..المدرسة النموذجية التي لامثيل لها في السلطنة..كيف؟!
وما بدا لي غريبا لحظتها ..أن ترأس شابة منظومة التعليم في مدرسة نموذجية ..رأيته بعد ذلك يتسق مع منطق السلطان قابوس..
حين تولى مقاليد الحكم عام 1970 كان لديه مشروعه الضخم لإعادة هيكلة الدولة العمانية على أسس من الاستنارة ..وبالطبع إشاعة التنوير في مجتمع لايتم إلا عبر منظومة تعليمية جيدة..وما لايقل أهمية ..مشاركتهن ..فلم تنهض دولة عبر القارات الست إلا بحضورها النافذ..!
وكما رأينا.. أطلق السلطان قابوس مشروعه التعليمي تحت شعار "التعليم ولو تحت شجرة"..والمعني أنه حتى إن لم تتوافر الإمكانيات المادية لبناء المدارس ..فليتم تعليم الأجيال الجديدة ولو تحت شجرة..وحدث هذا بالفعل..وماأكثر الصور في الأرشيف العماني لتلاميذ يتلقون دروسهم تحت ظلال الأشجار..من قبل معلمين مصريين وعرب ..لاأدنى مبالغة إن وصفوا بالمقاتلين في ملحمة بناء عمان الحديثة ..
وخلال خطابه الأول وجه السلطان الراحل نداءه إلى العمانيين داخل السلطنة وخارجها ..أن يجيشوا طاقاتهم ويشاركوا بقوة في ملحمة البناء تلك ..لم يفرق في ندائه بين الرجال والنساء..بل فتح الأبواب على مصراعيها لتتقدم المرأة وتشارك..
وبدا هذا جليا مع الخطو الأول..حيث احتلت نون النسوة مناصب مهمة في الجهاز الإداري للدولة..
ألهذا أسندت قيادة تجربة تعليمية فريدة ممثلة في مدرسة روي النموذجية إلى شابة دون الثلاثين ؟
ومن خلال ادارتها للمدرسة ..تلاقت سعيدة خاطر الفارسي واقتربت واحتكت بعشرات المعلمات والمعلمين المصريين في تجارب تعليمية وانسانية عمقت من ارتباطها بمصر .. 
ارتباط سعيدة هذا بمصر وشعبها الذي يبدو في مظاهره وكأنه ارتباط جيني ..حفزها على تحضير الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة.. و اقتناء شقة في حي المهندسين..تمضي بها شهورا كل عام..ليس على سبيل التنزه ..بل في ندوات ومؤتمرات ..وإعداد دراسات وأبحاث عن أدباء مصريين.. وأدباء عرب ممن تستضيفهم القاهرة
ولاأظن أن مثقفا عربيا ارتبط بمصر الثقافة والأدب والعبق الاجتماعي
مثلما ارتبطت سعيدة الفارسي الإنسانة ومديرة المدرسة والشاعرة والأستاذة الجامعية والناقدة والباحثة ..
ولاأظن أن ناقدا عربيا اتسع منظور مجهره النقدي لهذا الكم الهائل من إبداعات المصريين شعرا وحكيا كما هو حال مجهر د. سعيدة خاطر الفارسي..بل أزعم أن اهتمامها بالمشهد الإبداعي المصري يتجاوز كثيرا اهتمامها بكل شهقات المبدعين على امتداد الجغرافية العربية..
وخلال حوار مع بعض الأدباء على هامش اجتماع لمجلس إدارة نادي  القصة مؤخرا تطرق أحدهم إلى أسماء بعض النقاد العرب الذين سبحوا  في فضاءات الإبداع المصري..ولو أجريت دراسة تحليل مضمون لهذا الحوار لانتهت تلك الدراسة بأن اسم سعيدة خاطر الفارسي كان الأكثر ورودا ..الأمر الذي دفعني إلى الغوص في أدغال جوجل ..وغير جوجل للبحث عن أبعاد وتفاصيل تلك العلاقة التي تكاد  تكون جينية بين قلم ومجهرالشاعرة العمانية د.سعيدة خاطر الفارسي وأرض الكنانة..
وهذا ما وجدت:
- بدءا.. اتسم مشوارها الدراسي و العلمي  ومنذ الخطو الأول  في كلية دار العلوم /جامعة القاهرة بالتفوق.. ففي كل سنوات الدراسة ،وفي كل الأبحاث ورسالتي  الماجستير والدكتوراه لم تتدنى أبدا عن الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى .
-      ثانيا مشاركاتها الثقافية : بمجرد ما انتهت من الحصول على الدكتوراة التفتت للمشهد الثقافي القاهري وجالت فيه جولة الواثق من قدراته وابداعه فقدمت كثير من الأمسيات الشعرية وشاركت في برامج النقد عبر مختلف المنتديات حتى أصبح المبدع يطلبها بالاسم ليحظى بدراسة جادة رصينة لنتاجه الإبداعي  .
ثالثا : نوقشت كتبها الإبداعية والنقدية في مراكز الثقافة الهامة مثل المجلس الأعلى للثقافة ومثل جمعية الأدباء واتحاد الكتاب وورشة الزيتون ورابطة الأدب الحديث ،ورابطة الأدب الإسلامي ومكتبة  مبارك الثقافية ، ومتحف أحمد شوقي ، وكثير من الأندية والتجمعات الثقافية الأهلية   .
طبعت كثيرمن كتبها الشعرية والنقدية في القاهرة مثل دواوينها:
- إليها تحج الحروف – ديوان شعر سنة 2003م  .  
-قطوف الشجرة الطيبة – ديوان شعر شعبي رباعيات سنة  2004م مركز الحضارة العربية .
- وحدك .. تبقى صلاة يقيني – ديوان شعر سنة 2005  
-      ما زلتُ أمشى على الماء ، ديوان شعر – القاهرة – 2008م  
وأصدرت بعض كتبها  النقدية مثل :
- " سوسنة المنافي " حمدة خميس وتحولات الاغتراب السياسي ، قراءة في الشعر الخليجي المعاصر ..(1)  
- سعاد الصباح بين الاستلاب والاغتراب ,
قراءة في الشعر الخليجي المعاصر( 2) 2003 م
- انتحار الأوتاد – في اغتراب سعدية مفرِّح
- قراءة في الشعر الخليجي المعاصر (3) القاهرة 2004م
- " علي شفا حفرة " دراسة في الاغتراب الصوفي لدي زكية مال الله –قراءة في الشعر
الخليجي المعاصر (4) القاهرة 2004    
وواصلت الإصدارات بعد عودتها لعمان حتى وصلت المحصلة الى 8 دواوين شعرية ، و9 كتب نقدية . 
مشاركاتها الثقافية اكثر من ان نحصيها لكن نذكر منها على سيبل المثال :
- أمسيات دار الأوبرا في القاهرة /
- فعاليات معرض الكتاب الدولي التاسع والعاشر والثاني عشر / القاهرة .
- شاركت في مؤتمر المرأة العربية في جامعة الدول العربية بالقاهرة .
- شاركت مع الوفد المصري في فعاليات معرض الكتاب العربي / فرانكفورت ، ألمانيا  .
- حصلت المبدعة سعيدة خاطر على كثير من التكريمات في عُمان والقاهرة  والدول العربية مثل:
-المركز الأول في مهرجان عام الزراعة  / شعر
-المركز الأول / مهرجان الطفولة./ شعر
- المركز الثاني / المبدعة العربية / الخرطوم عاصمة للثقافة العربية / شعر
- تأليف أناشيد مهرجان العيد الوطني الخامس عشر ، الثامن عشر ، العشرين ، الخامس والعشرين .
- تكريم الأمانة العامة / الفجيرة /المرأة الخليجية ودورها في التنمية.
- حاصلة على ميدالية النشاط الثقافي النسائى من الأمانة العامة لدول مجلس التعاون/الرياض93م
- وسام ملوك وقادة دول مجلس التعاون في الأدب / مسقط.سنة 1989م.
- وسام المبدعة العربية / منتدى المثقف العربي/ القاهرة . 2004م.
- تكريم مهرجان الشعر العماني  / مسقط / 2006 م
- تكريم صالون غازي القصيبي الأدبي الثقافي / القاهرة 2007 م
- تكريم مهرجان السينما الخامس – مسقط 2008 م
- تكريم ملتقى جواثى الثقافي الثالث /  المملكة العربية السعودية ، نادي الإحساء الأدبي . 22 – 23 / ربيع الأول 1433 هـ ، الموافق 14 -15 / فبراير / 2012 م .
- تكريم مهرجان أثير الشعري  / مسقط ، 2015 م
- تكريم مهرجان فاس الدولي / المغرب ،  دورة سعيدة خاطر الفارسي /  7 أبريل 2017 م .
- تكريم مهرجان جائزة العنقاء الذهبية الدولي للمرأة المتميزة ، الدورة الرابعة ، العراق – استراليا . 2018 م  .
- تكريم مؤسسة صدانا الثقافية دولة الإمارات العربية المتحدة ، الشارقة  ، في مسقط  2018 م .
تكريم المبدعات العربيات  ، مؤسسة ديون أهل القلم  - لبنان ، 5 مارس 2019 م .
ورغم أن سعيدة خاطر لم تزر مصر منذ عدة سنوات ،الا انها حريصة على متابعة فيوضات النيل من كل إبداع أدبي..ودوما هي التي تبادر بالتواصل والسؤال: كيف أحوالكم؟ ودوما تأتيها الإجابة من رقرقة النهر العظيم: 
-بهية بخير ..فماأسعدها بأمثالك.