الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عندما يخطئ البصر وتصححه البصيرة

حديثى هنا عن الطلاق الذى يقع قبل الزواج، وأقصد بالطبع تلك الزيجات التى تنتهى قبل أن تبدأ، فالزواج بدايته الحقيقية ليست فى ليلة العرس أو شهر العسل، بل فى إتيان الثمرة الحقيقية لارتباط الزوج بالزوجة، وهى الألفة التى تمنح الزوجين صك التعايش للأبد، وهى تلك السكينة التى غالبًا ما تبدأ بعد مضى سنة أو أكثر من الزواج، وقد يختصرها حدوث الحمل، وهو الخبر السار الذى يترقبه الزوجان والأهل. 

تخبرنا الإحصاءات السكانية فى مصر بأرقام مفزعة حول عدد الزيجات التى تنهار بالطلاق فى العام الأول، والتى تقدر بمائتى ألف حالة سنويًا، وحتى لو قورنت بالتعداد السكانى الذى تجاوز المائة مليون، فهو رقم مفزع مقارنة بالنسب الافتراضية التى لا يجب أن تتجاوز الواحد والنصف بالمائة.

للحديث عن تدابير الاختيار الفاشلة لشريك العمر التى تستند إلى قياسات غير مدروسة، يجب تحليل النتائج للوقوف على أسباب الاختيار المتسرع، أو قل غير المدروس، فقد يكون الزواج حصة حتمية لقرابة بين الشاب والفتاة واستحسان الأهل لهذا الارتباط، والذى تحكمه العرقية والقبلية الأسرية دون النظر للتوافق الذهنى أو العاطفى بين الشريكين، ولا يمكن تغافل العوز الاقتصادى فى الطبقة المتوسطة الذى يرفع فرص الفتاة العاملة فى أن تحظى بزوج يقرأ قدرتها على التكسب الوظيفى لا أكثر، هو ما أسفرت عنه دراسات كثيرة وأجمع بعضها على اتهام العوز المالى كسبب رئيس فى الارتباط الواهن.

تسببت وسائل التواصل الاجتماعى أيضًا فى فتح قنوات التعارف بين الشباب، وغير خفى أن أدوات التواصل الإلكترونى تسوق للكلمة والصورة اللتين تصنعان البناء النموذجى للشاب أو الفتاة، وهو غالبًا وعاء ملىء بالأناقة والرومانسية بما يكفى لتجاوز القياسات المنطقية فى الاختيار. 

وفق هذه العشوائية فى الاختيار، لا تتضح السمات الشخصية والطباع لأحد الزوجين فى نظر الآخر، فتتبدد الصورة الملونة التى بدأت بها الزيجة وتصبح لونًا واحدًا مع الأبيض.

لا يمكن إنكار أهمية فحوص ما قبل الزواج التى اعتمدتها الأنظمة العلمية فى التنبؤ بفرص إنجاب الطفل الصحيح الخالى من الأمراض، إلا أن هذه السببية، وهى إنجاب الذرية غير الصحيحة، لم تكن أبدًا سببًا فى وضع الطلاق كنهاية للخلاص من أبوية أو أمومة الطفل المصاب بمرض وراثى، بل يرى بعض الدراسات أن الزوجين اللذين كان من نصيبهما طفل مريض، يوثق الرباط الزوجى ويستقوى عاطفيًا بينهما بما يكفى لحماية الزيجة من الانهيار.

لم تدرج المعايير النفسية والسلوكية ضمن عناصر ترشيح الشاب أو الفتاة وفهم التوافق المحتمل بينهما، كما حدث فى المعايير الصحية فى فحوص ما قبل الزواج. يفترض أن يتغير مفهوم فترة الخطبة من فرص اجتماعية للتزاور والتنزه وتبادل الهدايا والاحتفال بعيد الحب إلى فرص منطقية لتحديد ملاءمة كل من الشريكين للآخر، ولكن هذا الأمر لم يخرج للواقعية؛ لأنه خارج إمكانات الشاب والفتاة، بل خارج إمكانات الأسر؛ لأنه من مهام الطب النفسى وخبراء علم النفس وعلماء السلوك، كما أن مراكز البحوث الاجتماعية فى مصر لم تخرج علينا بتوصيات منهجية يمكن الأخذ بها.

وإلى أن يحين دور هذه المؤسسات الاجتماعية فى طرح وصايا الاختيار عبر مناهج التعليم الجامعى أو الأطروحات الإعلامية، ليس هناك مؤقتًا سوى البرامج التليفزيونية والدراما المرئية لتوصيل هذه الوصايا.

لذا، لا يملك الشباب المقدم على الزواج سوى نصائح من سبقوه من أرباب الفشل أو ضحايا الطلاق أو الخلع، وهو ما حدى بالأسر إلى توخى اليقظة تجاه تدابير ما بعد الطلاق، مثل تحرير قائمة المنقولات، التى لا قيمة لها سوى أنها صك تعجيز للزوج ووضع إرادته تحت التهديد، أو وضع شروط تعجيزية أخرى، مثل مؤخر الصداق المالى.

جدير بالذكر أن هذه القيود لم توفر ضمانات بالحفاظ على الرباط الزوجى، بل أوجدت نوعًا من الهواجس والمخاوف المبنية على عدم ثقة أى من الشريكين بالآخر.

لم ينتبه الخبراء إلى معضلة أخرى أفرزتها ظاهرة الارتفاع الملحوظ فى نسب الطلاق، وهى ظاهرة العنوسة، وهى عزوف الفتيات عن الارتباط عندما تتوافر لديهن الإرادة؛ خوفًا من المصير المقروء اجتماعيًا فى سياق ظاهرة الطلاق الحتمى سريع الأجل. 

العنوسة لا تعنى أن الفتاة لم يطرق باب بيتها أحد، بل على الأغلب هى رفض مدروس عن وعى كامل بعدم أهلية الشاب المرشح للزواج أو المتقدم لها بتوفير ضمانات الاستقرار، هذا بخلاف أن ناتج العنوسة هو انقضاء العمر بلا شريك، ولكنه خال من أعباء وجود أطفال، فأصبحت المفاضلة بين عنوسة بلا أطفال مقابل طلاق بأطفال.

وفى النهاية، لا يجب أبدًا إغفال ظاهرة زوال العورة فى لقب المطلقة والشعور بالانكسار، الذى كان سائدًا قبل ثلاثة عقود مضت، وهو المصير الكئيب الذى ينتظر المطلقة، والتحسب للافتراس من ذئاب المجتمع، وطبعًا لا ينطوى حديثى على تعزيز لفكرة الانكسار الذى يحمله لقب المطلقة، ولكن للإشارة بأن انتفاء العوز لدى المطلقة جراء التحاقها بسوق العمل واستثمارها مؤهلها الدراسى بات سببًا لانتفاء العوز عنها بعد الطلاق من ناحية، ومن ناحية أخرى هو اكتساب قوة نسبية أمام الرجل؛ تحول دون الاكتراث لمخاوف الطلاق وزوال «ظل» الرجل، الذى تم الاعتماد عليه لعقود كسند يظلها أفضل من ظل الرجل.

لا بد من ضخ نتائج البحوث الاجتماعية ووضع توصياتها تحت أعين الشباب لتقليص الظاهرة.