الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أبوالمفاهيم في دولة السلفيين

يا لسوء حظي، أنا صديقكم أبوالمفاهيم كنت أسير في الطريق آمنًا مطمئنًا، وفجأة تلقيت ضربة قوية على رأسي ففقدت وعيي مدة لا أعرف مقدارها، وحين أفقت أخذ أتحسس رأسي وأنا أتأوه من الألم، وتدريجيًا بدأت أسمع أصوات، ونظرت حولي فعرفت أنني في أحد المستشفيات، ووجدت شخصًا كث اللحية يدخل عليَّ وهو يضع حول رقبته سماعة الطبيب، فسألته: أين أنا يا دكتور؟
رد قائلًا: لماذا لم تقل السلام عليكم؟
توجعت وأنا أقول: رأسي يا دكتور رأسي تؤلمني لا تؤاخذني.
نظر لي وهو يقول: سأعذرك لأنك كنت غائبًا عن الوعي عدة شهور ولكن أنا لست دكتورًا، أنا حكيم.
سألته: تمرجي يعني؟
رد بتأفف: لا ولكن باللغة القديمة أنا طبيب.
تعجبت: قديمة!! ما معنى هذا؟
همس الطبيب: تحالف السلفيون مع الإخوان ووصلوا للحكم.
صرخت: لقد أنهينا حكم الإخوان من قبل! 
وضع كفه على فمي وهو يقول همساً: قلت لك تحالفوا مع السلفيين وظلوا يعملون في الخفاء، وعندما وصل السلفيون للحكم استطاعوا القضاء على الإخوان.. ثم قال بصوت هامس: المسألة يا أستاذ صراع على الحكم، وستأتي الشرطة الإسلامية لتستلمك لأنهم يعتبرونك خطرًا.
ومرة أخرى فقدت الوعي من هول المفاجأة ثم أفقت على صراخ وعويل وإذ فتحت عيني رأيتني في حجرة ضيقة نتنة كأنها زنزانة ورأيت رجلًا شعثًا مكفهرًا يقوم بجلد رجل عاري الجسد إلا ما يغطي سوأته والرجل يصيح قائلًا مع كل ضربة من الكرباج: أحدٌ أحد أحدٌ أحد.
وعندما فرغ الجلاد (الجلاد الإسلامي وليس الصحفي طبعا) استدار لي قائلًا: سيأتي دورك عندما أستريح .. ثم خرج من الحجرة وأغلق الباب خلفه.
أخذ الرجل المجلود يتألم من أثر الضرب وقال بصوت مبحوح: مااااء  شربة ماء، نظرت حولي فوجدت قُلة ماء مصنوعة من الفخار فحملتها وأخذت أسقي الرجل وبعد أن هدأ المسكين سألته: من أنت وأين نحن؟
رد باقتضاب: أين نحن؟!! نحن في مقر جهاز الأمن الإسلامي بالمقطم، أما أنا فلعلك تعرفني أنا الصحفي بهاء رشوان. 
قلت مندهشًا: الأمن الإسلامي! المقطم! بهاء رشوان! ياللمصيبة، ما الحكاية؟ وما الذي جاء بي إلى هنا؟ ولماذا يعذبونك؟
بهاء رشوان وهو يتأوه: لا أعرف ما الذي جاء بك إلى هنا، فالناس تأتي إلى هنا بسبب وبغير سبب، أما أنا فأنا مدير تحرير مركز "الكعبة للدراسات الإستراتيجية" التي كان اسمها سابقًا مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.. توقف رشوان عن الكلام وأخذ يتأوه ويبكي بأنين يقطع نياط القلوب وأخذ يردد عبارة: تعالي لي يا امه... وحين هدأ قال: تعرف طبعًا أن نظام الحكم الجديد رأى أن الأهرام هي من تراث الفراعنة الوثني فتم تغيير اسم جريدة الأهرام إلى جريدة الكعبة، ونظرًا لحسن سيري وسلوكي ظللت في منصبي وكنت أقوم في ذات الوقت برئاسة التحرير لأحد البرامج الإخبارية في المبثوث الإسلامي.
أصابني الذهول: مبثوث؟! ما هو المبثوث؟! 
قال وهو يكاد يلطم: التليفزيون، أطلقوا على التليفزيون اسم المبثوث.
ثم عاد للبكاء والشحتفة وأنا أربت على ظهره وأفكر في المصير الذي ينتظرني.
وبعد أن سكت بكاؤه سألته: وما الذي أتى بك إلى هنا طالما أنك من محاسيب السلفيين.
رد رشوان: لست من محاسيبهم فأنا... ثم قال بصوت خافت لا يكاد يسمعه أحد: أنا اشتراكي ناصري.. مسلم موحد بالله لكني أؤمن بالاشتراكية كمنهج اقتصادي وسياسي للحكم وكنت أقول أحدٌ أحد أثناء تعذيبي لأقنعهم أنني مسلم.
قلت: يا نهار اسود اشتراكي وناصري وتظل مديرًا لتحرير الكعبة هذا تناقض غريب، المفروض أن تكون مدير تحرير الكرملين الروسية.. لكن ما الذي حدث لك هل كشفوك؟
قال وهو يتصعب: لا أبدًا المسألة ليست هكذا فأنا كتبي في السوق تُعلن عن هويتي الفكرية والسلفيون قالوا إنهم سيتعاملون مع كل القوى ولذلك لم يكن هناك جدوى من إخفاء توجهي السياسي.
قلت: وما الذي حدث إذن؟
قال بنهنهة: كنت أعد برنامجًا تليفزيونيًا عن ردود الفعل العالمية لوصول السلفيين للحكم، ولكن التقرير لم ينل إعجاب مدير المبثوث فاتهمني بأنني عميل للقوى الاشتراكية العالمية.
قلت له: وماذا قلت في تقريرك؟
رشوان: ذلة لسان يا حضرة، كل الحكاية ذلة لسان، بدلًا من أن أقول إن العالم يفتخر بالحكم الإسلامي في مصر، قلت: إن العالم يفتخر بحكم التأسلم في مصر، وهم يكرهون كلمة التأسلم.
وفجأة وجدت من يقتحم علينا الزنزانة وكان شخصًا طويلًا عريضًا بلحية كثة بادرني الرجل: قم فذ يا جاسوس.
نهضت من رقدتي بصعوبة وأنا أقول في نفسي يانهار أسود من قرن الخروب .. جاسوس !! أستر يا رب .
سحبني الرجل من يدي كأنني من بهيمة الأنعام وخرج بي من الحجرة وسار بي عبر دهليز طويل إلى أن دخل بي إلى حجرة في نهاية الدهليز ثم قذف بي وكأنني ورقة.
وقعت على الأرض وإذ رفعت رأسي رأيت رجلًا تبدو عليه مخايل الغباء.
نظر الرجل لي وهو يقول: قم يا شخص.. قف أمامي.
وقفت ثم قلت بصوت مرتعش: يا لطيف اللطف يا رب.. يا ترى أنا فين يا عم الحاج.
قال الشخص: أنت الآن في مقر أذكى جهاز مخابرات في العالم.. تمهل الشخص وهو يقول: ما صلتك بأمريكا وأوروبا والصين واليابان وكوالالمبور أجب سريعًا ولا تتردد؟
استدار رأسي وشعرت أنني في دنيا غير الدنيا وشعرت بجفاف في حلقي، فقلت للشخص وأنا أستدر عطفه: هل تسمح لي بالجلوس .. ثم تردد الكلام في فمي وأنا أقول: هل لي بقدح من الماء.
ناولني الشخص كوب ماء فقمت بصب الماء دفعة واحدة في جوفي وبعد أن مسحت على فمي جلست على الكرسي وقلت: الحمد لله.
تسألني عن أمريكا وأوروبا وكذا وكذا... سكت هنيهة ثم استطردت: اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، علمي عنهم هو ما درسته في الجغرافيا.
قال الشخص بحدة: اسمع يا بني نحن نعلم أن لك صلة بأجهزة مخابرات أجنبية، فالأحسن لك أن تعترف.
لم أحر جوابًا فسكت ففي السكوت غنيمة ولكن الشخص استمر في الكلام: تحرينا عنك منذ مدة وقمنا بتفتيش بيتك، وقد أفادت التسجيلات التي سجلناها لك أنك اليوم كنت تتكلم في جهاز إرسال تم صنعه في اليابان وكنت تقول بالياباني: كوتي / موتي / ياب / ته، ويبدو أنها رموز أو شيفرة بينك وبين القوى التخريبية اليابانية التي امتلأت علينا حقدًا لأننا بالحكم الإسلامي سنسبقها في الصناعة والعلوم .
ثم قال الشخص متحدثا بجدية: أرشدنا المخبر السري أنك وتنظيمك كنتم تسخرون من التطورات التكنولوجية التي أدخلها الحكم الإسلامي في شركات الهاتف المحمول.
قلت مندهشا: تكنولوجية! أي تكنولوجية تلك التي أدخلها الحكم على هذه الشركات.
رد الشخص بحدة: ألا تعرفها !! ... خذ عندك  "كلمني جزاك الله خيرا" بدلًا من "كلمني شكرًا"... و"سلفني بارك الله فيك"، و"الرقم الذي طلبته قد يكون مغلقًا أو غير متاح والله أعلى وأعلم"... ثم احتد الشخص وهو يقول: سخريتكم هذه جريمة كبرى في حق الشعار الإسلامي، وقد رأيناك وأنت تقف مع المتهم الخطير السميدع في "ميدان حسن البنا" طلعت حرب سابقًا قبل أن ينتفض ذاهبًا إلى "شارع سيد قطب" قصر النيل سابقًا ويلقي خطبته الكافرة التي هاجم فيها الإسلام، ويبدو أنك أحد أعضاء التنظيم الليبرالي الذي يريد زعزعة استقرار البلاد والحض على كراهية نظام الحكم الإسلامي وترويج الشائعات المغرضة.. اعترف أيها الليبرالي الزنيم.
أخذت أغمض عينيي وأفتحهما غير مصدق ما أسمع، وقلت وأنا أتحسس عقلي وبصوت لا يكاد يُبين وكأن لساني انعقد داخل حلقي: يا أيها الأخ الجهاز الذي كان معي وظننتموه جهاز إرسال هو في الحقيقة هاتف محمول، وهو ليس من اليابان ولكنه من الصين، ثم إن آخر ما كنت أتذكره قبل أن أدخل في الغيبوبة أنني كنت أتكلم مع ابنتي الصغرى في الهاتف المحمول، لم أكن أكلمها بالياباني أو بالشيفرة ولكنني كنت أداعبها وأقول لها "كوتو موتو يا حلوة يا بطة" وليس كوتي موتي.
قال الشخص بسخرية: هل تظن أنني سأصدق أنك تحمل عقيدة الإسلام، هه كان غيرك اشطر لقد كشفت نفسك بنفسك ووقعت في خطأ كبير فأيقنتُ أنك غير مسلم بل ليبرالي زنيم.
قلت: هه خطأ كبير أي خطأ.. أي خطأ؟
قال الشخص وهو يضع إصبعه على جانب رأسه علامة المفهومية: في بداية التحقيق طلبتَ أن تشرب ماء.. وعندما شربت وجدتك تلقي بالماء دفعة واحدة في فمك، وشربت وأنت واقف والسنة أن تشرب على ثلاث دفعات، وأن تشرب وأنت جالس.. لقد كشفناك.. ألم أقل لك إنك تتعامل مع أذكى جهاز مخابرات في العالم!