رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الغنوشى لا يؤمن بالدولة التونسية

عندما حاول راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة في تونس ورئيس البرلمان، التسلل مع بعض معاونيه إلى مبنى البرلمان للتمترس فيه، عقب إعلان الرئيس قيس بن سعيد قراراته التي انتصرت للدولة التونسية في مواجهة إرهاب وفساد الإخوان، قال لضابط الجيش الذي منعهم من دخول المبنى: «نحن نحمي الدستور»، فرد عليه الضابط: «ونحن نحمي الوطن».. فهل أدرك الغنوشي المعنى السامي لما قاله الضابط؟.. أم أن الوطن ما زال في نظره «حفنة تراب عفنة»، كما قال صنوه، مرشد الإخوان في مصر؟.

هناك العديد من الكتب والدراسات التى تناولت سيرة القيادى الإخوانى الغنوشي، وعددت أعماله التكفيرية، وجرائمه الإرهابية، وتبنيه مناهج متطرفة لسيد قطب وأبوالأعلى المودودى، الذى يصفه المتابعون بأنه «أبو التكفيريين» فى العالم.. وتبعاً للدكتور التونسى عبدالله عمامى، فى كتابه «تنظيمات الإرهاب فى العالم الإسلامى»، فإن حركة النهضة هى توأم جماعة التكفير والهجرة.. مؤيداً ذلك بشبهات تثير العجب، منها أن الغنوشى بدأ نشاطه فى تونس عام 1969، وهو نفس العام الذى بدأ فيه شكرى مصطفى، زعيم جماعة التكفير والهجرة، فى مصر.. أما كتاب «تدرجات راشد الغنوشى وأهم انحرافاته»، لسليمان الخراشى، فيؤكد أن فكر سيد قطب كان يحتل المكان الأعلى فى نظر أبناء الحركة الإسلامية فى تونس، خلال سنوات التكوين الأولى، «كان المصدر الرئيسى لثقافة الجماعة»، بل إن الغنوشي نفسه يعترف بهذا الارتباط بجماعة الإخوان منذ البداية، قائلاً: «كنا ننظر لسيد قطب، والبنا، والمودودى، بأن هؤلاء شيوخنا، لأنهم حملوا لواء الإصلاح الإسلامي».. ويشير الكتاب إلى أن الغنوشى، وفكر حركته الإخوانية التى أسسها، كان يرى الفكر السياسي والاجتماعى قائماً على تأكيد شمولية الإسلام، ومبدأ الحاكمية وتكفير الأنظمة القائمة والعمل على إزالتها.. ويُعدد كتاب للأديب التونسى الشهير شكرى المبخوت، بعنوان «تاريخ التكفير فى تونس»، جرائم الغنوشى.. موضحاً أنه لعل «التورط فى أعمال إرهابية» أهم النقاط السوداء فى ملف الغنوشى، الذى يمثل حالياً رئيس البرلمان التونسى، والذى واجه من قبل تهماً فى محاكماته، أهمها حرق عدة مراكز تعليمية، وخطف مسئولين فى تونس.

يرى الغنوشي أن ابتعاد السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم، وكل مجالات المجتمع الحيوية، عن الإسلام، يرسّخ لدى الإسلاميين «شعورهم بالمسئولية الربّانية»، تلك المسئولية التي تتبنّى العنف في سياق تحقيق أهداف الجماعة!.. ولعلّ أول تلك الأهداف احتكار الدين والعقيدة، وكفّ يد الدولة عن الفعل في كل ما هو ديني، تمهيداً لكفّ يدها نهائياً عن الفعل في كل ما هو سياسي.. وبالتالي تحقيق ما يسمّيه «تحرير البلاد الفعلي» من قبضة النّظام الحاكم وإعادتها إلى طريق الإسلام.. ولا تبدو ضمانة تلك العودة إلى الإسلام- في نظر الغنوشي- منوطة بالدستور والنصوص القانونية الوضعية، مهما أبدت الدولة استعدادها للتماهي مع الإسلام.. لأن الدّستور- بالنسبة له- لا يعدو أن يكون سوى إعلان لسد الذرائع، فهو يعتبر أن أغلب البلاد الإسلامية تُحلّي دساتيرها بالإسلام، ولكنها لا تُلقي بالاً إلى الإسلام وأحكامه عند الشروع في سَنّ القوانين واللوائح التي تُنظّم سير العمل في مؤسسات الدولة.. ويحتج الغنوشي ببيوت الدعارة والخمّارات ودور القمار والمعاملات الربوية، وعروض الرقص والتعري، ويستهجن أن تنظمها الدولة التونسية وتحمي وجودها، رغم أن دستورها ينص على أن الإسلام دين الدولة.

ولعل تركيز خطاب الغنوشي على تلك المظاهر الجزئية في المجتمع التونسي يُهيّئ لديه المساحة الضرورية لإقناع الفئات الناشئة، وبالتالي السيطرة عليها وتوجيهها نحو انتهاج أساليب العنف المنظّم، بناءً على رفض المشهد الاجتماعي السائد، ومحاولة تغييره إلى مشهد إسلاموي مأمول، تعبّر فيه الجماعة عن احتكار العقيدة والسياسة معاً بدوافع أخلاقية وانفعاليه انطلاقاً من اعتبار أن «السياسة جزء من برنامج الإسلام الشامل في توجيه الحياة»، وأن ذلك يستوجب إعلان المواجهة مع الدولة من أجل أن يتحقق.. لذلك كانت أحداث العنف المتنامية، التي مارسها الإسلامويون ضد الدولة ومؤسساتها في إطار تنظيمي ممنهج، تعتمد على الإعداد المسبق بعيداً عن العفوية، كما تعتمد على البيانات والتوجيهات الحركية، وإنتاج خلايا تنظيمية فاعلة، وتحديد الفئات المستهدفة من كل تحرك.. فكان الطلاب في الجامعات، والتّلاميذ في المعاهد الثانوية، أهدافاً واضحة وسهلة بالنسبة إليهم.

الدولة، في خطاب الغنوشي هي «الطّاغوت» الذي يجب التفوق عليه.. ولا يكون ذلك إلا بالعمل على تكريس فكرة التنظيم ضمن مفهوم الإسلام الشامل، على الشكل الذي قام به حسن البنا في مصر.. ولم يُخفِ الغنوشي، في ذلك الوقت، إعجابه الشديد بحسن البنا، بل إنه أرجع إليه الفضل في أنه هو الذي طور فكرة التنظيم، ليكون أداة سياسية وحضارية عامة!.. وأنه أدخل على مفهوم الجماعة تراتباً سياسياً، جعلها قوة أيديولوجية قادرة على احتكار الإسلام و«تركيع الدولة»، معتبراً أن «الأيديولوجية الوحيدة القادرة على قيادة الشّعوب المحرومة والمستضعفة، إنما هي الأيديولوجية الإسلامية الشجاعة التي تتصدى للطواغيت»!.. وذلك في إشارة واضحة إلى الأيديولوجيات الأخرى الموجودة في البلاد، ثقافياً وسياسياً، ونقصد تحديداً الأيديولوجيا اليسارية، التي لئن كانت في موقع معارضة للنظام الحاكم، ولبرامج الدولة وتوجهاتها الليبرالية، فإنها لم تسلم من اتّهامات الغنوشي.. فكان يُحمّلها المسئولية عن مظاهر العنف والفوضى في المجتمع.. فبعد أن استوفى سيل اتهاماته للدولة والنظام الحاكم، توجه إلى خصمه الأيديولوجي الأول، على الساحة التونسية، معتبراً أن مظاهر العنف والفوضى والتخريب من صنع «بعض الحاقدين، ممن لا أخلاق لهم»، في إشارة إلى فصائل اليسار المعارض للسلطة.. وقد صوّر الصراع مع اليسار على أنه نتاج دوافع «الغيرة والحسد، والخوف من تنامي الاتجاه الإسلامي»، موحياً في- مواضع كثيرة- بأن عداء اليسار، عداء أيديولوحي، يتجاوز الإسلاميين في أشخاصهم أو تنظيماتهم، إلى العداء المباشر للدين في حد ذاته.

ولعل ذلك من مكائد الخطاب الإسلاموي عموماً.. فليس غريباً على الإسلامويين إخراج خصومهم من دائرة الإسلام، تمهيداً لرميهم بالزندقة والفسوق والكفر، وإباحة دمائهم.. ولئن كان ذلك يجعلهم في نظر «الإخوان» دون صفة الانتماء إلى الدين، ما داموا يرفضون الانتماء إلى الإسلام السياسي، ولا يقولون بمقولاته.. فإن الغنوشي يزيد في ذلك، فيخرجهم من دائرة المواطنة، لعدم استجابتهم لشروط العقيدة، وكأن المواطنة تتحقق وجوباً عبر الانتماء إلى الإسلام السياسي.

قد يبدو الأمر غريباً شيئاً ما أن يخلط الخطاب الإسلاموي بين أمرين لا جامع بينهما، لا نظرياً ولا عملياً، وهما المواطنة والإسلام، أو الوطن والعقيدة.. ولكن راشد الغنوشي يخرج على قُرّائه بهذا التمييز الإقصائي، فحتى يؤكد وطنية الإسلامويين كان لا بد عليه أن يلغي وطنية الآخرين، أولئك الذين يختلفون عنه أيديولوجياً، وكأن الوطنية صفة جُعلت لموصوف واحد، فلا تجوز لغيره، أو أن الوطن حق حصري للإسلامويين دون سواهم.. لذلك فهو يعتبر أن «الإخواني» ليس نموذجا للمسلم الجيد فحسب، بل هو نموذج للوطني الحقيقي أيضاً!.. فهو، حسب تعبيره، «وطني، ولا أحد أولى منه بهذه الصفة، لأنه الامتداد الحقيقي لثقافة الوطن وأمجاده.. وغيره، ممن لا يحملون دعوة الإسلام، هم غرباء عن هذا الوطن، ومن مخلفات المحتل».
حفظ الله مصر وتونس من إخوان الشر أجمعين.