رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أول عملية تفكيك لألغام تونس الحارقة

بعد 72 ساعة من قرارات الرئيس التونسى قيس سعيد؛ التى انتهجت بشجاعة وحسم طريق إنقاذ البلاد واستعادة مسار الثورة الصحيح، تكشف على نحو غير مفاجئ حجم التحديات وتعقيدها، التى على الرجل مواجهتها بنفسه خاصة مع تغلغل شبكة المصالح العنكبوتية، التى كانت سببًا أصيلًا فى حالة الانسداد الكامل الجاثمة على المشهد التونسى.
لم يخف الرئيس التونسى فى كلماته التى ظهرت للعلن خلال الأيام الماضية، قضية الفساد «متعدد الأبعاد» التى كان يجرى العمل بدأب لمحاصرة أى خطوات تهدف للتحقيق والمحاسبة، وآليات الإجهاض المتعمد التى كان البرلمان فى صدارة من تورطوا فيها، حتى صار الأمر من المعلوم بالضرورة لكل شرائح الرأى العام التونسى خصوصًا فى العامين الماضيين. 
ومثّل هذا الأمر وحده شللًا لافتًا للسلطة القضائية فى الاضطلاع بدورها، وعُدّ أيضًا أحد المسببات الرئيسية للغضب الشعبى ولقرارات الرئيس سعيد الأخيرة، عندما تأكد للجميع أن الإصلاح عن طريق القنوات الاعتيادية جرى إغلاقه وحصاره بصورة كاملة، فلم يكن هناك مفر من اعتماد هذه الحالة عبر القرارات الطارئة، لاسيما تولى الرئيس بنفسه مهمة وصلاحيات «النائب العام» لضمان تفكيك هذا الحصار واستعادة جهات التحقيق القضائية لأدوارها.
لذلك جاء اعلان «محسن الدالى» الناطق الرسمى باسم القطب القضائى الاقتصادى والمالى فى تونس، فى اليوم الثالث من عمر الحركة التصحيحية بفتح تحقيق بشأن ثلاثة أحزاب وكيانات تونسية- أول تفكيك لألغام الفترة الماضية المسكوت عنها باعتبار التحقيق سيشمل حزبى «حركة النهضة» و«قلب تونس»، وأيضًا جمعية «عيش تونسى».
وفى الإعلان الرسمى هناك إشارة واضحة إلى أن قضاة التحقيق سيفتحون ملف التمويلات الأجنبية للحملات الانتخابية الأخيرة، وهناك ما يخص جمعية «عيش تونسى» من تهم تتعلق بتمويلات مجهولة المصدر سارت فى ذات الاتجاه السياسى الانتخابى. والأخيرة تعد من الفضائح التى ظلت لشهور مثار حديث الشارع التونسى، باعتبارها تجسيدًا لحالة عبث الجمعيات ذات التمويل الأجنبى بالشأن والرأى العام فى تونس، باعتبارها جمعية تحولت فجأة من العمل الخيرى والثقافى إلى النشاط بالحقل السياسى والترشح للانتخابات التشريعية والرئاسية. 
نشطت جمعية «عيش تونسى» فى البداية بالمجال الثقافى والعمل الاجتماعى، فدعمت ونظمت العديد من المهرجانات والفعاليات الفنية والثقافية، قبل أن تدخل بعدها سريعًا إلى مجالات تنظيم التظاهرات الاجتماعية لتكون مدخلها لمجال الشأن العام، ثم ظهورها لاحقًا فى وسائل الإعلام والفضاءات الاجتماعية بمظهر الحزب السياسى.
صاحبة هذه الجمعية سيدة مجتمع هى «ألفة التراس» وتحمل جنسية مزدوجة التونسية والفرنسية، أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية الأخيرة ليصاب التونسيون بحالة واسعة من الدهشة، فهى زوجة رجل الأعمال الفرنسى الشهير «قيوم رامبورغ» الذى يعد أحد أبرز ممولى حملة ماكرون الرئاسية، واعتبرت جمعية «عيش تونسى» المملوكة لزوجته التونسية بمثابة فرع من «جمعية رامبورغ» الفرنسية المعروفة.
ما جعل تلك الجمعية تشملها القائمة الأولى التى تخضع لتحقيقات التمويل، وتوضع مع «حركة النهضة» فى صدارة من سيفتح ملفاتها بمعرفة قضاة التحقيق التونسيين، ليس أنها ظلت تزكم أنوف الرأى العام التونسى بروائح فساد طاغية منذ الانتخابات الماضية، ولم يتحرك ضدها دعوى واحدة بفعل فاعل وبنفوذ مستتر مع أركان نافذة فى الدولة فقط- بل لأن هناك من شرفاء جهات التحقيق التونسية من وضع أمام الرئيس ملفًا كاملًا قبل أسابيع، يضم حجم استفادة هذه الجمعية «الحزب» من التمويلات الأجنبية التى ظلت ترد إلى حساباتها البنكية من الجمعية الفرنسية الأم، ومن رجال أعمال أجانب كذلك، أمام أعين مراقبى الحسابات بالبنك المركزى وفى ظل الصمت والدعم المشبوه لبعض الجهات والكيانات السياسية. 
وهذا ما دفع الرئيس قيس سعيد لأن يقدم هذا الملف إلى القضاء بعد ساعات من حركته التصحيحية، والتى كما أشرنا كان لافتًا فيها أن يعلن بشجاعة توليه مسئولية النيابة العامة، لمجابهة مثل هذا المناخ الذى تعد جمعية «عيش تونسى» فيه مجرد نموذج من عديد آخرين، أفسدوا وتربحوا بحجة ممارسة الحريات والعمل السياسى وتمكنوا من خلق سياج حامٍ، يقف عليه مستوى آخر من فساد المناصب الذى تمكن من استغلال النفوذ من أجل توفير الحماية.
يُنتظر بالطبع من قضاة التحقيق الذين بدأوا عملهم، أمس، وفق ما جرى الإعلان عنه، القيام بـ«إجراءات تحفظية» ضد المشتبه بتلقيهم تمويلات أجنبية أو مجهولة المصدر، وهنا ستواجه قيادات «حركة النهضة» معضلة كبيرة أمام قضاة مستقلين سيقومون بفتح أبواب تماثل الجحيم الحقيقيى. 
فالحركة ستواجه لأول مرة القضية الأكثر إثارة التى تتضمن ملفات تسفير الشباب التونسى إلى بؤر الارهاب، فى كل من ليبيا وسوريا بين عامى 2011 و2013، وملفات هذه القضية تشبه إلى حد كبير القنابل أو المفخخات العنقودية ذات الارتباط ببعضها البعض. فهى ستمتد لا محالة لتطال عمليات اغتيال المعارضين «شكرى بلعيد» و«محمد البراهمى»، كونهما أول من رفع الصوت العالى فى وجه «النهضة»، لفضح تورطها الحصرى فى دفع الشباب التونسى للانخراط فى صفوف تنظيمات الإرهاب المسلح بالإقليم. 
وهناك قضية مرفوعة بالفعل أمام القضاء التونسى، ألحقتها هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمى بشكوى جزائية ضد وزيرة العدل السابقة «حسناء بن سليمان»، بتهمة التستر على المجرمين وتعطيل الملحقات وشكاوى هيئة الدفاع، حيث طالبت الأخيرة الرئيس التونسى فى اليوم الأول من قرار توليه النيابة العامة، بفتح الطريق أمام قضيتهما من أجل كشف ملفات التلاعب بأمن الدولة التونسية، حيث تملك هيئة الدفاع الأدلة الثبوتية على ملف الجهاز السرى لـ«حركة النهضة»، وهى القضية المتداولة بالقضاء منذ عام 2015 بشأن ذراع الإخوان الإرهابية المكلفة بالاغتيالات وتصفية المعارضين. 
قدمت هيئة الدفاع الأدلة الكافية منذ شهر فبراير عام 2019، تثبت فيها تورط زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان، فى الوقوف وراء عمليات الاغتيال السياسى التى وقعت فى تونس عام 2013، مما اضطر القضاء حينها إلى دعوة الغنوشى إلى نيابة مكافحة الإرهاب فى تونس، للاستماع إلى أقواله فى قضيتى الاغتيال دون تقديم تهمة واضحة فى هذا الجانب رغم ثبوت الاضطلاع بالأدلة المقدمة.
ومما هو معلوم بعموم تونس أن «حركة النهضة» سمحت للتنظيمات المسلحة بالعمل العلنى والمباشر بين عامى 2011 و2013، خلال فترة حكمها المباشر أثناء تزعمها ما سمى حينها بتحالف «الترويكا». وكان الدور الأخطر الذى مارسته الحركة فى تسفير الشباب التونسى، يجرى بواسطة دعاة وأئمة مساجد وقياديين سابقين فى تنظيمات إرهابية، حيث سمحت لهم «حركة النهضة» بتكثيف وجودهم العلنى فى المدن والشوارع التونسية وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعى، ليمتد تأثيرهم إلى المجتمع بأكمله وليس الشباب المسافر للقتال فقط، ولتحصد تونس خلال عامين فقط رأس قائمة الدول المصدرة للعناصر المنخرطة فى صفوف التنظيمات، والتى كان أشهرها تنظيم «داعش» الذى تصدر هو الآخر ساحة العمل الإرهابى المسلح، وليبدأ منذ ذلك التاريخ دفع تونس إلى دوامة تقف حركة النهضة وحلفاؤها على أبوابها قابضة بقسوة على مفاصل الحكم والنفوذ فيها، من أجل ضمانة تسيير العمل بأمان داخل هذه المنظومة الجهنمية. 
واليوم يتقدم الرئيس التونسى ليقوم بأول عملية تفكيك لتلك الألغام الحارقة التى زرعت فى جسد الوطن التونسى، متسلحًا بالرأى العام وبالقضاء الوطنى التونسى الذى يبدو أنه لن يقف عاجزًا بعد اليوم.