الثلاثاء 03 أغسطس 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«علاج للأثرياء فقط».. ارتفاع «فيزيتا» أطباء العيادات الخاصة والاستشارة بـ«فلوس»

العيادات الخاصة
العيادات الخاصة

كان نصيب «عمرو.ط» 32 عامًا، أن يصاب بالشلل الرعاش في سن صغيرة ويندر وجوده في فئة الشباب إلا إنه منذ عامين بدأ يفقد السيطرة على الإمساك بالأشياء، وتصيبه نوبات صداع مستمر، ما دفعه اللجوء إلى طبيب مخ وأعصاب.

شخصه طبيب المخ والأعصاب في أحد المستشفيات العامة بالجيزة التي لجأ إليها لرخص الكشف الطبي بها، بأنه مصاب بالشلل الرعاش في بدايته، ويمكنه من خلال العلاج وممارسة أنواع محددة من الرياضة التعايش معه لعدم توصل العلم إلى الآن لعلاج من ذلك المرض.

يقول: «كان لا بد من المتابعة مع استشاري متخصص لكون المرض دقيقًا للغاية، بل نصحني البعض بالسفر إلى الخارج وتلقي العلاج، لكن ضيق اليد منعني من ذلك، وبدأت رحلة البحث عن طبيب متخصص وبسعر متوسط يناسب حالتي المادية».

اصطدم عمرو بأسعار خيالية كما يصف للعيادات الخاصة بأطباء المخ والأعصاب، وتصل أسعار الكشف ببعضها إلى 1000 جنيه والاستشارة ليست مجانية بل بـ500 جنيه، وأقل سعر بهم يبدأ من 700 جنيه لا سيما أنه ليس تابعًا لأي تأمين.

عمرو ليس حالة فردية ولكنه مواطن تتكرر قصته يوميًا؛ بسبب توحش أطباء العيادات الخاصة والاستشاريين في عدد من التخصصات عبر رفع أسعار الكشوفات الطبية الخاصة بهم، والتي كان أقل سعر بها 500 جنيه، وتصل إلى 1200 جنيه في بعض الأحيان حسب ما كشفته "الدستور".

عمرو - أسعار العيادات الخاصة نارية

يقول: «كل تلك الأسعار بجانب الرياضة والأدوية وإجراءات العلاج على نفقة الدولة طويلة ولا يتم الموافقة عليها في الغالب، والشلل الرعاش مرض نادر لاسيما في تلك السن الصغيرة، فلا بد من طبيب متخصص له باع طويل في الطب إلا أن أسعارهم مرتفعة للغاية».

ويوضح أنه لجأ إلى مستشفى قصر العيني، من أجل المتابعة مع أحد أطباء المخ والأعصاب وتجنبًا للأسعار المبالغ فيها لأطباء العيادات الخاصة: "المستشفى بتجمع بين الكفاءة وفي نفس الوقت أسعار مناسبة، وحاليًا بحاول أطلع قرار علاج على نفقة الدولة.

تجربة داخل العيادات الخاصة.. الكبد من 700 جنيه والمخ والأعصاب يصل إلى 1000 جنيه

ترتفع أسعار الكشوفات الطبية داخل العيادات الخاصة بحسب التخصص، ووفقًا لتجربة قامت بها «الدستور» في عدد من العيادات الخاصة في نطاق محافظتي القاهرة والجيزة كان أغلى كشف طبي في تخصصات الكبد والجهاز الهضمي وكذلك المخ والأعصاب يليهم أمراض الدم والقلب.

ثلاث عيادات لأطباء بدرجة استشارين متخصصين في أمراض الجهاز الهضمي والكبد، لم تختلف أسعارها بفارق كبير عن بعض بالرغم من تواجدهم في مناطق ومحافظات مختلفة (مصر الجديدة، فيصل، المعادي)، وكانت الحجة في الأغلب أنهم أطباء مشهورون.

في عيادة مصر الجديدة كان سعر الكشف 600 جنيه والاستشارة بعد ذلك 400، وحين استفسرت «محررة الدستور» عن أن الاستشارة تكون مجانية أجابت مسئولة العيادة أن الاستشارة يتم فيها إعادة الكشف لذلك هي تتقارب في السعر معه.

أما العيادة الثانية كان سعر الكشف فقط 700 جنيه لا تشمل باقي الإجراءات، مثل عمل سونار للجهاز الهضمي الذي وصل سعره إلى 300 جنيه، وحين استسفرنا عن غلاء سعر الكشف لتلك الدرجة كان الرد: «معلش ده دكتور مشهور ومتخصص وبيجيله ناس من محافظات ودي الأسعار عمومًا».

في العيادة الأخيرة بمنطقة المعادي كان السعر أيضًا 700 جنيه ولكن تشمل عمل السونار في حال احتياج المريض له، بينما الاستشارة كانت بسعر 150 جنيهًا، وإذا احتاج المريض زيارة ثالثة تعد كشفا جديدا وليس متابعة أو استشارة.

وترتفع الأسعار أكثر في تخصص المخ والأعصاب، ففي إحدى العيادات كان سعر الكشف 1200 جنيه، وفي عيادة أخرى بلغ السعر950 جنيهًا، وفي ثالثة كان سعر الكشف 800 جنيه، لكونهم أطباء معروفون ويشاركون في مؤتمرات عالمية كما أكدت أغلب المسئولات في العيادات الثلاث.

وتتراوح الاستشارة بين 300 جنيه إلى 500 جنيه كما أنها ليست مجانية، وفي حال احتياج المريض لزيارة ثالثة تعتبر كشفًا جديدًا، ويتم الحجز عبر الهاتف وأقرب موعد يستطيع فيه المريض الحجز لا يكن قبل أسبوعين.

آخر تخصص كان أمراض الدم والقلب، والذي يبدأ سعر الكشف فيه من 300 جنيه إلى 500 جنيه، وينتظر المريض من 7 أيام إلى 10 حتى يستطيع الحضور إلى العيادة، ولا تشمل تلك الأسعار الاستشارات أو المتابعة بعد ذلك.

قانونية ارتفاع أسعار العيادات الخاصة

لا يوجد قانون يحكم أسعار الكشوفات الطبية داخل العيادات الخاصة، ولكن تحاول وزارة الصحة ضبط العملية كل فترة من خلال إجراء جديد، مثل إعلان تسعيرة الكشف، والتي يحكمها القانون رقم 51 لسنة 1981 والمعدل بالقانون 153 لسنة 2004 والذى يحدد العلاقة المالية بين الطبيب والمريض.

يلزم القانون العيادات الخاصة والمستشفيات بوضع لافتة بقيمة الكشف والخدمة الطبية داخل المنشأة، في سبيل ضبط الأسواق، ومنذ عام أو أكثر جددت الوزارة ممثلة فى الإدارة المركزية للعلاج الحر والتراخيص الطبية بناء على توجيهات الوزيرة قرار وضع تلك اللافتة.

وتم توزيع منشور دوري ينص على إلزام 38 ألفًا و600 عيادة، بإعلان التسعيرة "الفيزيتا" والجراحات الطبية مع حصول المرضى على فواتير وإيصالات ضريبية بالمبالغ التى سددوها، حتى يكون السعر معلن أمام الصحة وليس خفي.

نقابة الأطباء - المغالاة في سعر الكشوفات الطبية جريمة واضحة

الدكتور إيهاب الطارق، عضو نقابة الأطباء، يرى أن ارتفاع أسعار الكشوفات الطبية داخل العيادات الخاصة يعد جريمة كاملة، مشيرًا إلى أن هناك استغلالا ضخما يتبعه بعض الأطباء المعروفين في مصر داخل العيادات الخاصة، ويعتمدون في ذلك على شهرة أساميهم وعياداتهم، فبمجرد أن يتأكد الطبيب من سمعته الجيدة واسمه المعروف، سرعان ما يعمل على رفع سعر الكشف على المواطنين المقبلين على عيادته الخاصة.

يضيف: "وهذه الطريقة المتبعة تعطي الفرصة لضعاف النفوس ومعدومي الضمير وممتهني الطب بغير شهادات، ومزوري المهنة أيضًا، بفتح عيادات خاصة يعلنون عنها بأسعار بسيطة للكشف الطبي، بهدف جذب انتباه الطبقة المتوسطة وما أقل منها، مستغلين ارتفاع الأسعار في العيادات الأخرى، بالتالي يحتالون على المرضى ويصفون لهم أدوية قد تتسبب في وفاتهم فور تناولها".

يوضح أنه يجب وضع خطة محكمة لمنع هذه الظاهرة من الانتشار أكثر من ذلك، لأن الطب رسالة هدفها إنقاذ حياة المرضى لا يمكن استغلالها بأي مال، مشيرًا إلى القرار الذي تم وضعه من قبل لتحديد تسعيرة الكشوفات الطبية بعد انتشار ظاهرة الاستغلال داخل جميع محافظات مصر كان جيد، ولكن اعترض عليه كبار الأطباء في حملات عدة لوقف هذه الجريمة.

يرى إيهاب الحل في وضع حد أدنى وأقصى للكشوفات الطبية، حتى نضمن حق الطبيب والمريض سويًا، ولكن يجب أن تختلف التسعيرة من مكان لأخر: "كل كشف طبي يتم تحديد سعره حسب مواصفات الطبيب دراجاته الطبية والعلمية، مثل الطبيب الممارس والإخصائي والاستشارى والأستاذ الجامعي، ويتم تطبيق قرارات التسعيرة الخاصة بوزارة الصحة بأن توضع لافتة للأسعار في كل عيادة خاصة للطبيب".

يقول: "هناك أطباء كبار يمتلكون أكثر من عيادة، ويعمل في بعضها مساعديهم أو أطباء شباب، وفي هذه الحالة يتم تحديد سعر الكشف طبقًا للطبيب المتواجد، وليس صاحب العيادة ذو الدرجة الطبية أو العلمية الأعلى"، بحسب عضو نقابة الأطباء.

يوضح أن النقابة تفرض متابعة ورقابة مستمرة لتطبيق لائحة الأسعار داخل العيادات والمراكز الطبية، ومدى مطابقة أسعار الكشف الطبي مع الدرجة الطبية للطبيب صاحب العيادة، ويتم شطب الطبيب من النقابة فور إثبات التهمة عليه.

إخصائي أمراض الصدر - أغلب حالات الوفاة في أزمة كورونا بسبب أسعار العيادات الخاصة

ولارتفاع أسعار الكشوفات الطبية داخل العيادات الخاصة وجه آخر أقبح، يكشفه الدكتور محمد عبد الجواد، اخصائي أمراض الصدر، والذي يؤكد أن الأمر ازداد سوءً خلال فترة الجائحة، حين تضاعفت أعداد الإصابة بفيروس كورونا، وتردد العديد من المواطنين على العيادات الخاصة للاطمئنان على صحتهم، والمتابعة مع أطباء العزل المنزلي، الذي استغل بعضهم حاجة المرضى في ذلك الوقت.

الدكتور عبدالجواد، كان شاهدًا على الوقائع التي تضرر بسببها المواطنين خلال الأونة الأخيرة بعد انتشار الفيروس بينهم، واضطرارهم للذهاب بشكل دوري إلى العيادات التي فرضت عليهم أسعار باهظة لمجرد الكشف الطبي فقط، بجانب أسعار التحاليل الطبية والعقاقير المستخدمة في العلاج، التي استنفذت كل ما لديهم من مال.

يقول: "سعر الكشوفات الطبية في المحلة تضاعف ثلاث مرات بعد ظهور فيروس كورونا"، مشيرًا إلى الوقت المحدد الذي انتشرت فيه ظاهرة المغالاة داخل العيادات الطبية، فالشك كان قد تمكن من أغلب المواطنين في ذلك الوقت، حين كانوا يتوجهون لأصحاب العيادات الخاصة في حالة شعورهم بأعراض خفيفة لمجرد خوفهم من الإصابة بالمرض.

لم يقف الأمر عند كشوفات عيادات أمراض الصدر فقط، بل امتد أيضًا ليشمل جميع التخصصات الأخرى، بدءًا من عيادات الأطفال وصولًا لأطباء النساء والولادة، فالجميع كان يستغل كل من حوله لكسب أقدر من المال في ظل فترة الجائحة، خوفًا على مصيرهم في الأيام المقبلة بحسب عبدالجواد.

يعبر إخصائي الصدر عن سعادته بتطبيق القرار الجديد من قبل وزارة الصحة المصرية، لمراقبة ومتابعة كشوفات العيادات الطبية، وفرض رسوم محددة يجب الالتزام بها، وكذلك اتخاذ الاجراءات القانونية تجاه أي طبيب يتعمد مخالفة الأمر.

نائب مدير حميات إمبابة: الأسعار الباهظة تعرض حياة المواطنين للخطر

ويستنكر الدكتور ماهر الجارحي، نائب مدير مستشفى حميات إمبابة، ما يتم من ممارسات غير أخلاقية أو منهية حسب وصفه داخل العيادات الخاصة، من خلال فرض أسعار باهظة على المواطنين، بهدف استغلال حاجته للعلاج من المرض لكسب الأموال.

يقول: "يوجد لدينا طرفان في هذه القضية، طبيب يقف في الأزمات ويتعرض للموت بشكل يومي، من معاشرته للأمراض والأوبئة ليلًا نهارًا، بالتالي يحتاج إلى تعويض المخاطر الذي يواجهها من خلال كسب أكبر قدر من الأموال".

يضيف: "والطرف الأخر هو المواطن الذي يرغب في الحصول على أبسط حقوقه، من توفير علاج في حدود مقدرته ودخله الشهري، ففي حالة وصول سعر الكشف إلى 500 جنيه وأكثر بالنسبة لمحدودي الدخل، يعتبر هذا المبلغ ما يقرب من نصف راتبه، إذًا كيف ينفقه على كشف طبي فقط دون الحصول على العلاج من الأساس في ظل الظروف التي نعيشها".

وبسؤاله عن احتمالية تعرض المريض للوفاة في حالة عدم قدرته على دفع الكشف، يقول: "ولهذا جاءت مبادرة التأمين الصحي الشامل التي تدعم المواطن، وتجعل له الحق في العلاج الشامل داخلالمستشفيات الكبرى والمجهزة في حدود مقدرة المواطن البسيط، ويجب أن ينتبه أصحاب العيادات ذات الأسعار الباهظة من وضع هذا المواطن البسيط، وتعرضه للخطر إذ لم يحصل على العلاج المناسب".

يشير إلى تعليمات وزارة الصحة الأخيرة، التي تنص على متابعة تطبيق لائحة الأسعار، بشكل تدريجي إلى أن يتم الانتهاء من عمل مبادرة " 100 مليون صحة" للكشف عن "فيروس سي" والأمراض غير السارية، ثم يبدأ بعد ذلك تكثيف المتابعة والعمل على تطبيق لائحة أسعار الكشف الطبي داخل العيادات بشكل كامل مع اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين لهذا القرار.