رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

نعم.. يعنى ثورة


من بين ركام صورة لأحزاب سياسية تتصارع، ونُخبة تُنظِّر، ونشطاء يستهدفون الفوضى المستمرة، وحكومة لا تحكم ولا تهتم فى ظل نظام غير مستقر، وإرهاب يأتى على الأخضر واليابس، تبدو ملامح قائد يعتقد فيه الناس أنه «المُنتَّظَر»، يحلمون به قادماً على فرسه، شاهراً سيفه، يحقق الأمن وينشر العدل، ويبشر الفقراء بغدٍ جديد، أحلامهم فيه بسيطة، بساطة عيشتهم، ينتقلون عبر هذه الأحلام، من بين مساكن الصفيح والخشب، إلى غرفة آمنة، غير مُهددة بالسقوط فوق رءوسهم أثناء حلمهم بحياة أفضل.

فى فيلم لا يزيد على 12 دقيقة، جمعت المخرجة السينمائية ساندرا نشأت، الوجوه المصرية الحقيقية دون اصطناع، الفلاح فى الغيط، والعامل فى المصنع والمقهى والأتوبيس، مع موسيقى وأغنيات تقول مع المطرب الشعبى الراحل محمد طه «مصر جميلة».. بسرعة وبدون كلام، تحركت ساندرا مع الناس بكاميرتها، حتى لا تتهم بأنها أرغمت أحداً على التصوير أو الحديث معها.. كشفت فى فيلمها الوثائقى «خليك فاكر» عن تفاصيل الشعب المصرى بكل بساطته وقدرته على التعبير عما يشعر به وما يريده.. كشفت عن صورة المصريين الغائبة عن الإعلام، وجوه مكافحة وراضية وصابرة ومبتسمة، لديهم الكثير من الأمل فى الغد، شيوخ وشباب، نساء وأطفال، يملكون جميعاً الإرادة لعبور الصعب.. وبعيداً عن الجدل المرهق، وبدون ترتيب، كشفت ساندرا عن رغبة المصريين فى التصويت على الدستور، وحرصهم على المشاركة، لأنهم يصدقون إمكانية الخروج من الأزمة.. «هم كنز حقيقى»، تقول ساندرا عن السيدة التى تدعو «ربنا يهدى مصر يا بنتى»، والرجل الذى يؤكد «خلاص فهمنا، العبيط فَتّح»، والشيخ الفلاح الذى يتحدث عن المستقبل ببراءة «إحنا رايحين، إنما دا علشان الشباب».

وفى وسط الصورة التى التقطتها الزميلة اليوم السابع، يقف غلابة تسحبهم الدوامة وهم يقاومون الوصول إلى قاعها، يسكنون العشوائيات وينمون تحت أسقف العشش، يستنشقون التراب ويتدفئون بشرر أسلاك الكهرباء العارية، يغتسلون بمياه المجارى، ويتوسلون بــ «نعم» للدستور لتحقيق حلم الإنسانية وطوق نجاة من عُسر الحال والفقر، والخلاص من إرهاب الجماعة.. حتى الطفلة التى ترتدى زى مدرستها الابتدائية، قالت «أنا قلت لماما وبابا يقولوا نعم للدستور، لأنه حيساعدنا نسكن فى مكان تانى غير هنا» تقصد الدويقة، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحى، بالرغم من أنهم أناس لا يقلون وطنية عن غيرهم من أهالى المناطق الراقية وتأمل الطفلة، بعد «نعم» على الدستور، أن «الناس كلها هتكون زى بعضها.. أنا بيقولوا على مش كويسة لأنى عاوزه أخرج من الدويقة، لكن أنا نفسى أمشى من هنا، لأنهم كلهم بيكبروا فاشلين، ومش بينجحوا فى المدرسة، وبيقولوا كلام عيب.. وباقول للسيسى، لو أنت حلو زى ما بيقولوا، طيب ممكن تجيبلنا مكان حلو نعيش فيه، أو ممكن تهتم بالدويقة علشان الناس اللى فيها مبتتعلمش وبيطلعوا مجرمين؟».

البسطاء هناك، يعيبون على من يتحدثون عن الدستور فى وسائل الإعلام أنهم لا يدركون أن ملايين من المصريين لم يكملوا مرحلة التعليم الأساسى، مستنكرين عدم وفاء الحكومة والسياسيين بوعودهم فى الانتشار بكل المناطق للتوعية بالدستور، حتى النسخة التى توزعها الهيئة العامة للاستعلامات، لم تصل إليهم.. أحدهم قرأ الدستور من نسخة منشورة بإحدى الصحف اليومية، محاولاً فهم نصوصه واستيعابها، لكن «قدرت أفهم إن الدستور سيجعل الناس كلهم متساوين، وهذا ما نتمناه، لذلك قررت التصويت بنعم».

مغزى ما سبق، أن «نعم» للدستور تستوجب «ثورة» بعدها، على الجهل والفقر والمرض، يقودها الفارس الذى يحلم به الغلابة، يأتيهم على صهوة جواده، يُخلص مصر من أدران عهودها السابقة، ينشر العدل، يحقق المساواة، ويُظل الوطن بالأمان، فى قوة وحسم، يعيدان مصر إلى ما كانت عليه، دولة مرهوبة الجانب، لا يتطاول عليها «الغلمان» الذين يمارسون معها «شجاعة الجاهل» بتاريخها ومنعتها وقوتيها، الناعمة والخشنة.. ثورة على المحسوبية والبيروقراطية، وأخرى اقتصادية، توفر فرص العمل لملايين العاطلين، وترتقى بمستوى معيشة المواطن، فى بداية حقيقية لتحقيق الحلم المصرى فى التنمية الشاملة فى كل ربوع مصر، حتى ينعم أبناء الشعب بثمار ثورتيه.. وحسناً فعلت الدولة بتدشين مشروع تنمية إقليم قناة السويس، بداية لمشروع مصر المستقبل الذى حلمنا به منذ عشرات السنين، ظل الكثيرون ينادون خلالها، وكأنهم فى صحراء، بضرورة استغلال عبقرية هذا الموقع ودرجة الثقة، عالمياً ومحلياً، فى هيئة قناة السويس، لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق التنمية المستدامة، وملء فراغ سيناء كعمق استراتيجى للدولة المصرية، بالإضافة إلى رفع كفاءة العمالة المصرية إلى المستويات العالمية.

نعم.. طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، أقدمت عليها مصر، وتتبعها خطوات لا بد أن نمشيها سوياً، توقاً للخير الذى وعد الله به أرض الكنانة.