رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«أشياء عادية تؤذينا».. حكايات من دفتر معاناة مرضى «السيلياك» في مصر

معاناة مرضى السيلياك
معاناة مرضى السيلياك

منى شريف، سيدة في أواخر الثلاثينيات من عمرها، تقطن منطقة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، اكتشفت أنها مريضة بـ"السيلياك" منذ شهر سبتمبر الماضي فقط، ولم تكن رحلة الاكتشاف سهلة، فقد مرت بكثير من المعاناة إلى أن وصلت محطتها الأخيرة عند فني معمل وكيميائي هو من شخصها بذلك وليس طبيب، وذلك بعد منعها لتناول أي منتج يحتوي على القمح، والذي بعد توقفها عنه تحسنت حالتها إلى حد ما.

"السيلياك" هو مرض مناعي وراثي، ينتج بسبب رد فعل مناعي غير طبيعي تجاه الجلوتين في الأمعاء الدقيقة، مما يسبب ضررًا في بطانة الأمعاء الدقيقة، وما جعلنا نطرق باب معاناة هؤلاء المرضى هو مطالبة الدكتور أيمن أبو العلا، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، الحكومة ممثلة في وزارة التموين والتجارة الداخلية، بالتعاون مع وزارة الصحة، بشأن توفير حصة تموينية شهريًّا لمرضى السيلياك.

مطالبات واقتراحات "النواب" بتوفير حصص تموينية ليست هي المشكلة الوحيدة التي يعاني منها هؤلاء المرضى، فهي تعتبر أقل أزمة لديهم، لذا تحدثنا في السطور التالية مع عدد منهم لتوضيح تلك المعاناة، لعلها تكون وسيلتهم في وصول صوتهم إلى الحكومة والنظر إليهم بشكل أكبر وحل المعوقات التي يعانون منها، فحالة "منى" ليست الوحيدة في مصر، والتي تابعنا حديثنا معها.

شريف: تكلفة التعايش مع "السيلياك" باهظة

توضح "شريف" لـ"الدستور"، أنه بسبب التكلفة المرتفعة للتعايش مع هذا المرض، فهي لا تتمكن من إجراء التحاليل المناسبة لها للاطمئنان على حالتها بين الحين والآخر، أيضًا هي غير قادرة على شراء الأدوية الخاصة به، ولا اتباع النظام الغذائي المناسب لهذا المرض، فتقول: "تكلفة الأدوية والمنتجات الخاصة بينا عالية جدًا وتوافرها قليل جدًا".

ولفتت إلى أنها رغم أن لها تأمين صحي إلا أنه لا يكفل حالات "السيلياك"، ولا توجد أي تعاقدات خاصة بتحليله الذي يصل كلفته إلى 1900 جنيه، منتقلة للحديث عن سعر المنتجات الغذائية الخاصة بهم، فإن سعر الخبز الذي يحتوي 5 أرغفة سعره 16 جنيهًا، وغير متوفر إلا نادرًا لذا تضطر لإحضاره "أونلاين"، الذي يكلفها أيضًا مصاريف شحن لا تقل عن 40 جنيهًا، أيضًا المكرونة خالية الجلوتين 250 جم سعرها 75 جنيهًا ومع مصاريف الشحن قد تصل إلى 120 جنيهًا، وهو أقل مثال يمكن أن يوصل حجم الأزمة التي يعانون منها.

وعن تصرفها حيال ذلك، تروي أن زوجها بحث على الإنترنت عن طريقة إعداد هذا النوع من الخبز بدقيق رز فقط في المنزل، فتشتري حاليًا كيلو من هذا الدقيق بسعر 20 جنيهًا، فتنتج 20 رغيفًا، لكنها عادت لتقول إن إعداد هذه الأرغفة ليس سهلًا ويحتاج إلى "تسوية" شديد، وهي غير قادرة على ذلك بسبب ما لحقها من مضاعفات "السيلياك" وصل إلى مفاصل أصابعها جعل فيها إعوجاجًا مثل الروماتويد، مشيرة أيضًا أنها لا تملك حلًا آخرًا وهي تضطر لحرمان نفسها أيضًا من أي منتجات أخرى كالبسكويت والكيك وأي حلويات أو منتج آخر يحتوي على القمح.

"مع احترامي لأي قرارات، إحنا مرضى ولا نقبل بالمساعدات أو المعونة، إحنا محتاجين الدولة تعترف بينا وتوفرلنا علاج"، هكذا عبرت عن استيائها من عدم الاهتمام بهم كمرضى لهم الحق في العلاج والطعام مثل باقي المواطنين، مطالبة بتوفير منتجات منزوعة الجلوتين تكون متوفرة في أي مكان وبأسعار مناسبة، أيضًا الرقابة على الصيدليات التي تتاجر بمرضهم، فيصل سعر علبة "أوميجا 3" إلى 750 جنيهًا فقط لأنها لا تحتوي على "جلوتين"، أيضًا ألا يكون توفير الأدوية من خلال تحاليل معتمدة من الوزارة، لأنها لا توفره بسعر رمزي ولا يكفله التأمين الصحي.

بحسب شهادات عدد من الأطباء، لا توجد إحصائيات رسمية تحدد أعداد مرضى "السيلياك" في مصر.

شاكر: عانت ابنتي من معدل نمو بطيء وأنيميا بسبب تأخر التشخيص

"اكتشفته عند بنتي وهي لسة سنة و3 شهور"، تلك الجملة التي بدأت بها معنا داليا شاكر، سيدة ثلاثينية، تقطن منطقة السلام بمحافظة القاهرة، موضحة أن التشخيص الصحيح لم تتوصل إليه إلا بعد 7 أشهر، ووقتها -منذ 13 عامًا- كان الأمر صعب تشخيصه، بالتالي لم يكن التعامل مع الوضع سهلًا.

وبعد التشخيص السليم، ظهر لها معوقًا آخر هو عدم وعي الكثير من العاملين في المطاعم بخطورة تقديم طعام خالي من الجلوتين لمرضى "السيلياك"، أيضًا لا يوجد مخابز حكومية لإنتاج الخبز المناسب لتلك الحالات، فلم تعثر سوى على مخبز خاص في القاهرة، أيضًا لا توجد أي بدائل في المنتجات المصرية تراعي أزمة هؤلاء المرضى، بالتالي أطعمتهم كلها مستوردة وتكلفتها المالية مرتفعة.

وطالبت "شاكر"، في حديثها مع "الدستور"، بضرورة توفير دورات تدريبية للعاملين في المصانع وتوعيتهم بكيفية إدخال هذه المنتجات ضمن خط سير إنتاجهم، وإلزام المصانع نفسها بكتابة مكونات المنتج بشكل صحيح على العبوات، مع وضع شريط يوضح مسببات الحساسية، ليتجنبها من يعاني من أمراض مشابهة.

وأوضحت أن خطورة "السيلياك" في تأخير تشخيصه، بسبب ما يلحقه من مضاعفات، على عكس التشخيص المبكر له يجنبنا تأثيراته السلبية، فابنتها عندما تأخرت في تشخيصها عانت من معدل نمو بطيء جدًا، أيضًا أصيبت بـ"الأنيميا" ونقص بروتينات، لذا يجب توعية الأطباء به، لأن عدد قليل منهم الذي يتمكن من التشخيص السليم له، متذكرة أن الطبيب وقتها طلب منهم تحاليل دم ومنظار وأخذ عينة وتحليلها باثولوجي، متابعة أنهم أيضًا في حاجة لتوفير مخابز في كل المحافظات وألا يقتصر على مكان واحد فقط.

سيف: نعاني من جهل الأطباء بمرضنا

فريال سيف، فتاة عشرينية، تقطن منطقة الهرم التابعة لمحافظة الجيزة، وهي حالة أخرى تعاني من "السيلياك"، أكدت أنهم كمرضى هذا النوع من الأمراض المناعية يواجهون مشاكل كبيرة ولا يوجد أي تسليط ضوء عليها من قبل الدولة لحلها وتوفير حياة كريمة لهم، فالمنتجات سعرها غالي، أيضًا فهم طبيعة المرض ليست سهلة، كما أن كشوفات الأطباء تتراوح ما بين 300 لـ600 جنيه، هذا إن وضع التشخيص السليم للمرض منذ البداية.

وتقول "سيف"، خلال حديثها مع "الدستور"، أن أكثر المنتجات التي تتسبب في الحساسية لدى مرضى "السيلياك" هي ما يدخل فيه القمح أو الجلوتين أو والألبان من أكثر المنتجات ضررًا عليهم، وتتسبب في التهابات جلدية، لذا يطلب الطبيب من المريض أن يتبع نظام غذائي معين لتجنب أي مضاعفات قد تلحق به.

وأوضحت أن مريض "السيلياك" يحتاج إلى أدوية خالية من اللاكتوز والجلوتين، وهناك أطباء أيضًا يفضلون منعهم من الفركتوز أو السكر، لأنها تؤثر على الأمعاء التي تتجه لمهاجمة الجسم بدلًا من تأدية وظيفتها حيث استخراج المواد الغذائية من الطعام وامتصاصها ومن ثم طرح الأقسام غير المفيدة من الطعام، وتخزين بقايا الطعام لحين طرده عن طريق فتحة الشرج، بالتالي فأي أدوية يجب التأكد خلوها من تلك العناصر حتى لا تنقلب أعضاء الجسم عليه وتهاجمه.

وانتقلت للحديث عن معاناة أخرى وهي الطعام، فهم ممنوعون من أي منتجات تحتوي على القمح، لكن للأسف معظم المنتجات محتوية على قمح، "عشان كدا بقالي سنة أو أكتر مباكلش إلا في البيت وممنوعة من أي أكل برا"، وحتى الخبز لا تحضره إلا من مكان متخصص مثل وزارة الزراعة أو مخبز متخصص لمرضى الحساسيات ولا تصل إليه إلا بعد بحث طويل بين مجموعات "الفيسبوك" أو مؤسسات متخصصة في تصنيع تلك المنتجات، أو شرائه "أونلاين" من خلال أشخاص تستورد تلك المنتجات وتبيعها بأسعار مرتفعة، أيضًا بعض سلاسل المحلات الكبرى، وفي أوقات كثيرة تلجأ لمهاتفة المصنع المنتج للتأكد من مكونات المنتج.

وأكدت أن هناك جهل كبير بين معظم الأطباء بالأمراض المناعية، فالتشخيص لا يتم مبكرًا إنما تظل وقت طويل تتردد على الأطباء لمعرفة الحالة الصحية لك والتعامل على أساسها، متذكرة أن هناك بعض الأطباء الذين استهزءوا بمرضها واعتبروه فقط مرض نفسي أو نوع من "الدلع" على الأهل، ولا نصل إلى التشخيص الصحيح إلا بعد فوات الأوان، وحتى الأدوية يجب أن يتقصوا مكوناته لتجنب احتوائه على أي مادة تضرهم.

وتروي أنها ظلت لمدة 5 سنوات يتم معالجتها على أنها مصابة بأكزيما الجلد، وبعدها اكتشفت طبيبة أنها في حاجة لإجراء تحاليل خاصة بالأمراض المناعية للوصول إلى سبب حساسية الجلد لديها منذ سنوات.

استشاري مناعة: التشخيص المتأخر يسبب مضاعفات

بعد سرد معاناة تلك الحالات، تحدثنا مع الدكتور مجدي، بدران استشارى الحساسية والمناعة، الذي أكد أن التشخيص الخاطئ أو المتأخر لهذا المرض غير مرغوب، مشيرًا إلى أن تحاليل الكشف عنه متوفرة في كل الجامعات التي بها وحدات حساسية ومناعة حيث يتم عمل عدد من التحاليل في الدم تكشف عن وجوده، أما الأضرار التي تلحق بالمريض بسبب عدم اكتشافه أو تشخيصه خاصة الأطفال منها: تأخر الطفل في الدراسة والهزال وسوء التغذية وتأخر الكلام وصعوبات التعلم، وبالنسبة للأولاد عند البلوغ قد يعاني من قلة الخصوبة وكذلك الإناث تزيد لديهم احتمالات الإجهاض أو ولادة أطفال لديهم تشوهات خلفية.

استشاري حساسية: تتشابه أعراضه مع أمراض الجهاز الهضمي

وأوضح الدكتور أمجد حداد، استشاري المناعة والحساسية، أن أبرز أعراض المرض مغص وإسهال به نسبة مخاط، وقد يتطور إلى اضطراب في الجهاز الهضمي، لذا يحتاج المريض للتأكد من الإصابة بإجراء تحاليل أجسام مضادة ومنظار وأخذ عينة، وفي حالة إذا لم يتم التشخيص مبكرًا تحدث قرح متكررة له وتكوين خلايا في الجهاز الهضمي، مشيرًا إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجههم صعوبة تشخيصه لعدم اكتشافه من قبل كثير من الأطباء، وذلك نتيجة تشابه الأعراض بينه وبين أمراض الجهاز الهضمي كالقولون المناعي أو العصبي، أيضًا تحاليهم غالية الثمن إلا أن الخاصة بالأطفال متوفرة في التأمين الصحي، أيضًا توفير الغذاء الخاص بهم الذي لا يوجد إلا في أماكن محددة.

أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين
أسعار بعض المنتجات الخالية من القمح والجلوتين