رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

سفير كوريا الجنوبية فى القاهرة: مهتمون بزيادة الاستثمار فى «اقتصادية قناة السويس»

هونج جين ووك، سفير
هونج جين ووك، سفير جمهورية كوريا الجنوبية فى القاهرة

 

وصف هونج جين ووك، سفير جمهورية كوريا الجنوبية فى القاهرة، مصر بأنها شريك استراتيجى مهم لبلاده، كما أنها قاعدة استراتيجية وأساسية لشركات بلاده لدخول أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

واستعرض «ووك»، فى حواره مع «الدستور»، أبرز مجالات التعاون بين مصر وكوريا الجنوبية، خاصة التجارية والاستثمارية، فضلًا عن تجربتى البلدين فى مكافحة فيروس «كورونا المستجد».

 

 

■ كانت لكوريا الجنوبية تجربة مختلفة عن باقى دول العالم فى مواجهة وباء «كورونا المستجد».. هل لك أن تحدثنا عنها بشىء من التفصيل؟

- على الرغم من أن كوريا الجنوبية كانت من أوائل الدول التى ضربها فيروس «كورونا المستجد»، فإنها تمكنت من السيطرة على المنحنى التصاعدى للإصابات، مسترشدة بتجاربها السابقة مع الأمراض الفيروسية المعدية، مثل: «ميرس» و«سارس» اللذين ينتميان إلى نفس عائلة «الفيروسات التاجية».

والتزمت كوريا الجنوبية بشدة بمبادئ الانفتاح والشفافية والمشاركة المدنية منذ بداية تفشى المرض، واستجابت للعدوى المتفرقة والطبيعة المتطورة للفيروس، من خلال التكيف السريع وضبط إجراءاتها المضادة واستراتيجيات المكافحة والتأهب.

وفى صميم استجابة كوريا ضد «كورونا المستجد»، تنفذ استراتيجية قوية ووقائية للاختبار والتعقب والعلاج، تشتمل على العديد من العناصر والمقومات، من بينها الدروس المستفادة من تجربتنا مع تفشى الأمراض المعدية المماثلة فى الماضى، والبنية التحتية الواسعة للصحة العامة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتقدمة، والقدرة الإدارية المتكاملة للحكومة، بحيث اجتمعت هذه العناصر معًا لإنتاج نظام ديناميكى ومتطور باستمرار لمكافحة الفيروس سريع التغير والطفرات.

وفى إطار هدف تقليل التأثير السلبى لفيروس «كورونا المستجد»، وتعزيز المرونة الاقتصادية، والاستعداد لحقبة ما بعد الوباء، طورت الحكومة الكورية الجنوبية ونفذت تدابير اقتصادية مختلفة، بما فى ذلك سياسة الصفقة الرقمية الجديدة والابتكار الجرىء فى المجال الصناعى، والهياكل الاقتصادية لتحقيق الاستقرار فى سوق الصرف الأجنبية، وتحسين سبل عيش المواطنين، وإدارة المخاطر الخارجية، ودعم الأسر ذات الدخل المنخفض والفئات الضعيفة، وتحفيز الاستهلاك المحلى، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاقتصادات المحلية.

وفى هذا الصدد، توقع صندوق النقد الدولى مؤخرًا أن تكون كوريا من بين ٣ اقتصادات متقدمة فى العالم- إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا- ستتعافى إلى مستويات ما قبل «كورونا»، خلال العام الجارى، وأن الاقتصاد الكورى الجنوبى من بين مجموعة من الدول التى تظهر أقوى وأسرع انتعاشًا من الوباء.

■ على ضوء هذه الخطوات والنتائج.. كيف ترى جهود مصر فى مواجهة «كورونا»؟ 

- نفذت الحكومة المصرية إصلاحات جريئة وطموحة، ونجحت فى تحقيق استقرار الاقتصاد الكلى وتعافى معدلات النمو، لهذا السبب أظهر الاقتصاد المصرى مرونة كبيرة فى خضم أزمة «كورونا»، وحافظ على نظرة إيجابية لجميع المؤسسات المالية والائتمانية.

وكان ذلك ممكنًا أيضًا بفضل نهج الحكومة الاستباقى للسيطرة على هذا الوباء، من خلال التدابير التى تسببت فى أقل قدر من الاضطراب فى أنشطة الأعمال، والحفاظ على عجلة الإنتاج قيد التشغيل.

وأستطيع أن أرى أن هذا النجاح، إلى جانب تعاون الشعب المصرى وعزم الحكومة على مواصلة إصلاحاتها الهيكلية، يمنح مجتمع الأعمال مزيدًا من الثقة فى الاقتصاد المصرى، ويوفر أيضًا آفاقًا جيدة لجميع الشركات الكورية الجنوبية لتعمل فى مصر.

■ ما أبرز أوجه التعاون بين كوريا الجنوبية ومصر فى الوقت الحاضر؟

- مصر شريك استراتيجى مهم لكوريا الجنوبية، فهى لا تمتلك سوقًا محلية كبيرة فحسب، بل إنها أيضًا قاعدة استراتيجية للشركات الكورية الجنوبية لدخول أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتعد مصر الوجهة الاستثمارية الرئيسية لكوريا الجنوبية فى إفريقيا، ولدينا أمثلة جيدة جدًا لاستثمارات كوريا الجنوبية فى مصر، مثل: «Samsung Electronics» فى بنى سويف و«LG Electronics» فى العاشر من رمضان، على سبيل المثال لا الحصر.

ونريد تكرار قصص النجاح هذه فى العديد من المجالات الأخرى، وتشجيع المزيد من الاستثمارات الكورية الجنوبية فى مصر، ويمكن فعل هذا من خلال تسهيل التجارة، فبمجرد أن تحصل الشركات على حصة معينة من السوق عن طريق التجارة، يجب أن تفكر فى توسيع وجودها أيضًا من خلال الاستثمارات، لهذا السبب تحتاج مصر وكوريا الجنوبية إلى استكشاف إمكانية توقيع «اتفاقية شراكة اقتصادية» من شأنها تعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين.

وقبل كل شىء، فإن أفضل طريقة لترويج الاستثمار الكورى الجنوبى فى مصر هى مساعدة الشركات الكورية الجنوبية العاملة حاليًا فى مصر على تحقيق قصص نجاح، لتجذب قصص النجاح هذه المزيد من الاستثمارات المستقبلية للعديد من الشركات الكورية الجنوبية الأخرى.

من هذا المنطلق، نعمل أنا وفريقى فى السفارة بشكل وثيق مع زملائنا فى الحكومة المصرية على تخفيف ومعالجة أى صعوبة تواجه المستثمرين الكوريين الجنوبيين، وأستطيع أن أشعر بأن هناك تحسنًا كبيرًا فى بيئة الأعمال والاستثمار، بفضل الحوارات الأكثر انفتاحًا وشفافية التى تبدأها الحكومة مع المستثمرين. 

وآمل أن تتمكن السلطات المصرية من تقييم المجالات التى تحتاج إلى مزيد من التحسين، ووضع الأساس للسياسات والممارسات التى ستساعد فى جذب المزيد من الاستثمارات إلى مصر.

والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس مشروع استراتيجى مهم يعكس رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى فى تحويل مصر إلى مركز لوجستى وتجارى مع العالم، ومن خلال المحادثة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس السيسى وقيادة كوريا الجنوبية كانت هناك مناقشات حول آفاق زيادة الاستثمارات الكورية الجنوبية فى هذه المنطقة.

وأعتقد أن هناك اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين الكوريين الجنوبيين بهذه المنطقة الاستراتيجية، خاصة مع التسهيلات التى أعلنت عنها الحكومة المصرية مؤخرًا، فيما يتعلق بالحوافز الضريبية الإضافية والإعفاءات الجمركية.

■ هل أنت راضٍ عن حجم التجارة بين البلدين حاليًا؟

- على الرغم من أن مصر هى أكبر شريك تصدير لنا فى إفريقيا، فإن يعد حجم التجارة أقل بكثير من إمكانات البلدين، بعد أن بلغ متوسطه السنوى خلال السنوات الخمس الماضية ١.٩ مليار دولار، ونما بشكل طفيف ليصل إلى ٢.١٦ مليار دولار فى عام ٢٠١٨.

وتتركز الصادرات بشكل أساسى فى المشتقات النفطية والكريستال السائل والسيارات وقطع غيارها، بينما تشمل المواد المستوردة من مصر مواد كيميائية وأسمدة ورخامًا، وتمنعنا أزمة الوباء الحالية فى هذه اللحظة من استغلال إمكانات تعاوننا التجارى، وأرى أنه من الضرورى تنشيط التجارة فى المجالات الضرورية لتنمية الاقتصاد المصرى، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصحة والنقل. 

وأعتقد أن الاستفادة من موقع مصر الاستراتيجى، من خلال الإنتاج المحلى باستثمارات من كوريا الجنوبية، وتصدير سلعها إلى مناطق أخرى، هو المفتاح، وتقدم شركتا «سامسونج» و«إل جى» مثالًا جيدًا لذلك.

كما أنه من المتوقع دفع مجالات جديدة للتعاون فى مجالات المشروعات المتعلقة بالموارد المائية المتجددة، بما فى ذلك تحلية المياه وإدارة مياه الصرف الصحى.

■ ما أهم المشروعات التى تنفذها كوريا الجنوبية فى مصر؟

- أعتقد أن هناك طابورًا طويلًا من وفود الأعمال الكورية الجنوبية من القطاعين الخاص والعام فى انتظار انتهاء الوباء، للتواصل مع رجال الأعمال فى مصر، وحتى أثناء الوباء كان هناك تواصل وتوافد كبير، ومن المتوقع حضور عدة وفود تجارية كورية إلى مصر خلال الفترة المقبلة.

على سبيل المثال، لى يونج بى، رئيس شركة «هيونداى روتيم» الكورية، سيزور مصر، فى أبريل الجارى، للتشاور مع المسئولين المصريين من وزارة النقل حول التعاون الثنائى فى مجال السكك الحديدية والمترو، ومناقشة الخطط الاستثمارية للشركة واهتمامها بتوسيع وجودها فى مصر.

وهناك أكثر من ٣٠ شركة كورية جنوبية تعمل فى مجالات البناء والإلكترونيات والمنسوجات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمنتجات الكيماوية والموارد الطبيعية وغيرها فى مصر، وتسهم بشكل كبير فى النمو الاقتصادى المصرى، من خلال تبادل الخبرات ونقل التقنيات وتنفيذ استثمارات مشتركة.

على رأس هذه الشركات- كما بيّنت سابقًا- تأتى «سامسونج» و«إل جى»، بما لهما من استثمارات كبيرة فى السوق المحلية المصرية، وعملهما على تصدير منتجات «صنع فى مصر» إلى دول أخرى فى الشرق الأوسط وإفريقيا بحوالى ٧٠٠ مليون دولار سنويًا، تمثل ما يزيد على ٩٠٪ من صادرات الإلكترونيات المصرية.

وتسهم شركات المنسوجات الكورية مثل «Ulwha» و«Seongan» فى الاقتصاد المصرى، عبر توفير فرص عمل ووظائف عالية الجودة للمواطنين.

■ وماذا عن المساعدة الإنمائية الرسمية من الحكومة الكورية؟

- كما ذكرت، تعد مصر وجهة الاستثمار الإفريقية الرئيسية لكوريا الجنوبية، التى تعمل عن كثب مع الحكومة المصرية لمساعدة هدف الرئيس عبدالفتاح السيسى للارتقاء بالحياة اليومية للشعب المصرى من خلال المساعدة الإنمائية الرسمية.

وتحت قيادة الرئيس السيسى، هناك مشروعات ضخمة جارية فى مختلف المجالات بين مصر وكوريا الجنوبية، باستخدام أحدث التقنيات، وذلك فى: الطاقة والبنية التحتية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما إلى ذلك.

وفى الآونة الأخيرة، تم توسيع مشروعات المساعدة الإنمائية الرسمية لتشمل القطاع الطبى، منذ أن نجحت مصر وكوريا الجنوبية فى إدارة جائحة «كورونا»، ومن المتوقع أن نجنى ثمارًا تعاونية هائلة من خلال تبادل الخبرات الناجحة بين البلدين.

وهناك تعاون بين شركات كوريا الجنوبية فى بناء الخط الثالث لمترو القاهرة، الذى يسهم فى تسهيل حركة المواطنين، فضلًا عن أن بعض الشباب المصرى الذين تلقوا تعليمًا تكنولوجيًا فى جامعة بنى سويف سيحصلون على تدريب فى شركات كورية مثل «سامسونج».

وفى محافظة الشرقية، هناك تعاون فى مستشفى «الصالحية» المركزى الجديد، خاصة فى مجال الأشعة المقطعية، حيث يتم استخدام معدات مدعومة من كوريا الجنوبية.

وأريد الإشارة إلى أن حكومة كوريا الجنوبية صنفت مصر كواحدة من الدول ذات الأولوية فى المساعدة الإنمائية الرسمية، خلال الفترة من ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٥، ما يعنى المزيد من احتمالات التعاون الثنائى.

وتماشيًا مع القرار، بدأت كوريا الجنوبية فى ضخ ١.٧ مليون دولار فى بعض المشروعات داخل مصر، بداية من أوائل العام الجارى، لدعم صناعة الحرف اليدوية فى مصر، وتحسين نظام النقل فى الإسكندرية، وغيرها من المشروعات سالفة الذكر، وستواصل حكومتنا التعاون مع نظيرتها المصرية لتعزيز الشراكة التنموية الثنائية من أجل حياة أفضل لشعبينا.

■ بالإضافة للتعاون الاقتصادى والتجارى والاستثمارى.. هل يوجد تعاون ثقافى وسياحى؟

- على الرغم من البعد الجغرافى والخلفيات المختلفة فى التاريخ والثقافة، فإن الكوريين الجنوبيين والمصريين يفهمون بعضهم البعض جيدًا، ويتشاركون العديد من القيم فى حياتهم اليومية.

ويظهر هذا فى حب كثير من الشباب المصرى للثقافات الكورية، مثل الأغانى الكورية «كى بوب»، لدرجة أن الطلاب المصريين الذين يحبون هذه النوعية من الأغانى يسجلون فى قسم اللغة الكورية بجامعة عين شمس، إلى جانب الدراما الكورية، والطعام الكورى.

ورغم عدم فهمهم العميق اللغات الكورية، دعينى أقول إنه لمن الملهم أن يكون هناك أكثر من ٨٠ مجتمعًا مصريًا من محبى الثقافة الكورية «ARMY» تضم حوالى ٢٠٠ ألف عضو.

وفى المقابل، يبدى الشعب الكورى الجنوبى اهتمامًا واحترامًا عميقين بالحضارة المصرية القديمة، وكل معالمها، خاصة الأهرامات وأبوالهول، وهو ما ظهر فى التغطية الإعلامية المكثفة فى بلدى للعرض المذهل الذى شهده حفل نقل المومياوات الملكية، فى الثالث من أبريل الجارى.

وحب الكوريين لمصر لا يقتصر على الآثار التاريخية، بل يمتد إلى الجمال الطبيعى الموجود بها، مثل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، والمناظر الطبيعية الخلابة للصحارى، والتى تجذب المزيد والمزيد من السياح الكوريين إلى هذا البلد العريق.

ووصل عدد الكوريين الجنوبيين الزائرين إلى مصر إلى ٣٢٠ ألف زائر، قبل وباء «كورونا» مباشرة، وأمنيتى الصادقة لكل من الشعبين الكورى الجنوبى والمصرى هى أن نتغلب على هذه الأزمة فى أقرب وقت ممكن، حتى يأتى المزيد من الكوريين الجنوبيين إلى مصر، للاستمتاع بكل هذا السحر، والعكس.

■ هل تتوقع زيارات دبلوماسية وسياسية رفيعة المستوى من مسئولين كوريين إلى مصر فى العام الجارى؟

- نعم أعتقد، فكما نعلم جميعًا كان السفر الدولى أحد أكثر المجالات تضررًا بشكل مباشر من الوباء، لذا على مدار العام الماضى شهدنا انخفاضًا كبيرًا فى عدد الزيارات بسبب الوباء. لكن بدلًا من ذلك، كان لدينا الكثير من مؤتمرات الفيديو والندوات عبر الإنترنت، وعقد رئيسا البلدين محادثتين هاتفيتين لمناقشة القضايا الثنائية والمسائل الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

وبمجرد انتهاء جائحة «كورونا» من المتوقع أن تتم العديد من الزيارات المؤجلة، وسنشهد المزيد من التبادل المتكرر للزيارات رفيعة المستوى.

■ كيف ترى دور مصر فى مكافحة الإرهاب وحل الأزمات الإقليمية؟ 

- لا شك أن مصر تلعب دورًا بنّاءً فى إحلال السلام والاستقرار فى المنطقة، ولا يوجد مثال أفضل على ذلك من الوضع فى ليبيا، الذى تحسن بشكل ملحوظ خلال العام الماضى، وآمل أن تتم عملية الانتقال السياسى الجارية فى ليبيا بشكل ناجح، مع تشكيل حكومة ديمقراطية وشاملة وموحدة، وصولًا إلى إجراء انتخابات فى ٢٤ ديسمبر المقبل.

كما أرى أن مصر نجحت فى مكافحة الإرهاب، فى ظل انخفاض عدد الهجمات الإرهابية فى جميع أنحاء البلاد، ومن الواضح أن الجميع لم يعودوا قلقين بشأن سلامتهم الآن أثناء أداء أعمالهم الخاصة. 

وأنا شخصيًا أعتبر أن حملة مصر ضد الهجرة غير الشرعية فعالة للغاية، وتستحق المزيد من التقدير والاعتراف من المجتمع الدولى.