رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

القَنَّاص

 أشرف الخضرى
أشرف الخضرى

الذئب الأسود كان خلف سيف طوال الوقت منذ أن رآه يصعد السطح قبيل الغروب وكمن له فى كهف صغير
فى أعلى الجبل

صعد ضابط القوات الخاصة المتقاعد سلم البناية ذات الطابق الواحد، وضع على السقف الأسمنتى، حقيبة البندقية الحديثة ذات المدى القاتل الممتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات، أعد البندقية بدقة، ركب منظار الرؤية الليلية، تأكد من بطاقة الميمورى الصغيرة فى مكانها داخل كاميرا الفيديو الملحقة بالمنظار المتطور، نظر إلى التلال والكثبان الرملية العالية، التفت إلى الجبل الذى يقع وراءه مباشرة على مسافة مئتى متر تقريبًا، ومسحه بعينيه. لم تغرب الشمس بعد، بقيت دقائق قليلة؛ نظر إلى المرعى الأخضر الواسع، وأسراب الأبقار التى تأكل فى اطمئنان، تأمل السياج الحديدى الذى لا يزيد ارتفاعه على متر ويحيط بمزرعة الأبقار من جميع الجهات، وأشعل سيجارته المارلبورو، وهو ينظر للأسفل من سطح البناية ذات الطابق الواحد المنخفض، للرمل الذى يحاصر المبنى الصغير ذا الغرف الثلاث، بالإضافة لحمام ضيق، دخله قبل أن يصعد.
- تفضل الشاى يا سيف باشا؛ ناول مالك المزرعة كوب الشاى للقناص؛ ووضع أمامه طبقًا به تفاح أحمر وأصفر وعنب المروة؛ نزع سيف الخنجر الإستانلس ستيل من جرابه الجلدى المعلق فى حزام بنطاله؛ قطع تفاحة حمراء أربعة أجزاء والتهمها وكرر الأمر مع تفاحة صفراء، وفرط حبات عنب فى قبضة يده ومضغها دفعة واحدة؛ ومالك المزرعة ينظر إلى طوله وقوة بنيانه الجسدى، وتفاءل كثيرًا أن هذا الوحش الآدمى سيخلصه من مشكلته الكبرى.
منذ أيام اتفق معه على ضرورة القضاء على أكبر عدد من القتلة واللصوص الذين حولوا حياته إلى نار وبكاء وحسرة؛ حيث كل ليلة يفقد غنمة أو اثنتين أو عجلًا صغيرًا، وأمس الأول وجد عشرة خراف مبقورة البطن وبعضها مقطوع الحلق؛ لذلك قرر أن يستعين بهذا القناص الشهير لإراحته من العذاب وإيقاف خسائره.
سيف عبدالكريم تم فصله من الخدمة بعد استهدافه لعدة مواطنين وإسقاطهم برصاص بندقيته؛ كان موقعه الأفضل فوق العمارات الشاهقة، وبعد عدة تجارب فى إسقاط المشاغبين والهمجيين الذين يسرقون البنوك والمحلات ويشعلون الحرائق ويغتصبون الفتيات، أثناء ثورة يناير التى استمرت لشهر فى ميدان التحرير ووسط القاهرة، كانت التقارير تصل للإدارة بأسماء القتلى، وقد تم وضع سيف تحت الملاحظة، بعد توجيه لفت نظر كبير له على ما وقع منه وتحذيره أنه من الجائز توجيه تهمة القتل العمد له إذا تكررت هذه الحوادث.
لكن سيف كان قد أصبح مهووسًا بمشهد انفجار رأس آدمى حين تخترقه رصاصته الغادرة، والتسامح الذى تعاملت به الإدارة كان سببه أنه أسقط مجرمين عتاة لهم ملفات عديدة فى الإجرام ومساجين سابقين، اندسوا وسط الجموع الحاشدة للطلبة الثائرين والمواطنين الرافضين لسياسات الحكومة التى أرهقت الشعب لسنوات طويلة، وتم اعتبار الضحايا متآمرين وخونة ويستحقون الموت.
وذات ليلة من تلك الليالى وجد سيف أمام عدسة البندقية رأس امرأة حسناء، عض على شفته بغيظ وارتبك وقال لنفسه: المجرمة.
كانت الصحفية سارة عدلى تهتف مع المتظاهرين. اعتبرها سيف امرأة مغرورة رفضت حبه ورفضت طلب زواجه منها بصلف وكبرياء وحدّة.
خففت السيجارة التى أشعلها توتره الشديد وارتعشت يده لأول مرة، لم يكن يصله صوتها المرتفع وهى تهتف: الشعب يريد إسقاط النظام. تذكر رغبته المجنونة فيها وشغفه بها وفشله الذريع فى استمالة قلبها نحوه. صوب رصاصته بين عينيها، أغمض عينيه وضغط على الزناد وسمع تك وغادرت الرصاصة كاتم الصوت. فتح عينيه وكانت سارة قد ذهبت إلى حيث لا يرجع الذاهبون.
حاول سيف أن يبرر أثناء محاكمته العسكرية ما جرى بأنه حادث وأن القتيلة تحركت وأصبحت فى مرمى الرصاصة بدلًا من البلطجى الشهير الذى كان يقف بجوارها، لكن تمت إحالته للتقاعد، فقد اشتعلت الصحف الورقية والإلكترونية ومواقع التواصل غضبًا للقتيلة المغدورة وطالبوا الحكومة بالقصاص العاجل.
هو الآن فى منطقة مزارع نائية خارج المدينة؛ حصل على خمسة آلاف جنيه لإنجاز مهمة داخل صميم تخصصه، رغم شرائه شقة واسعة وجهزها لافتتاح مكتب محامٍ، لم يمارس المهنة التى يكرهها حتى اللحظة.
نزل الليل.. كان قد انتهى من تركيب المنظار وكاتم الصوت، وبدأ يمسح بمنظار الرؤية الليلية الجبل والمساحة الواسعة للمزرعة، ثم ظهر هدفه الأول.
من بطن الأرض خرج ذئب شاب، نظر يمينًا ويسارًا ثم تحرك باتجاه السياج الحديدى. وقف الذئب للحظات كأنه يقرر هدفه التالى أو ربما ينتظر إخوته. وما إن أنهى عواءه الذى يبدو كنداء عسكرى مشفر حتى ظهر ذئبان آخران. كتم سيف أنفاسه، صوب تجاه المنطقة التى فوق القائم الأمامى من جسد الذئب على مسافة ربع متر من عنقه، ضغط الزناد وسمع تك وسقط الذئب ولم يتحرك.
صوب سيف على ذئب تلو الآخر، أفضلها حظًا جرى لعشرين مترًا بعد الإصابة ثم سقط.
صعد مالك المزرعة ليتفقد أحوال القناص وقدم له شايًا آخر وسأله: ما الأخبار؟
فأعطاه سيف فوارغ الطلقات، كانت سبعًا وعشرين طلقة بعدد سنوات عمره، حدث نفسه «يا لها من مصادفة غريبة».
فرح مالك المزرعة بعد أن عدّ فوارغ الطلقات وقال لسيف: سلمت يداك، هل ظهر الملك؟
قال سيف: لم يظهر بعد.
كانت كاميرات المراقبة قد رصدت ذئابًا رمادية شابة عديدة شاركت فى هجمات كثيرة على الأغنام وصغار العجول، وظهر بينها ذئب أسود كبير الحجم عن الجميع بشكل واضح وكان يقودهم وكان الاتفاق بين المالك وسيف أن يقنص هذا الوحش الشجاع.
بلغت الساعة العاشرة والنصف ولم يظهر له أثر. كان المالك فرحًا وأحب أن يقدم واجب ضيافة مميزًا للباشا، فأخبره أنه سيذهب بالسيارة إلى مول سنتر المدينة لشراء أطعمة وحلويات ومشروبات؛ وقال له: لن أتأخر عليك.
فأوصاه سيف أن يشترى له علبتى سجائر مارلبورو وانطلق الرجل.
الذئب الأسود كان خلف سيف طوال الوقت، منذ أن رآه يصعد السطح قبيل الغروب وكمن له فى كهف صغير فى أعلى الجبل، ورغم أن سيف مسح بمنظاره المنطقة بشكل دائرى، فقد ظن أن ظهره آمن من جهة الجبل حيث جاءت الذئاب كلها من جهة الوادى.
سمع الذئب صوت محرك السيارة ورآها تبتعد. نظر إلى سطح البناية حيث ينام القناص على بطنه. كانت عينا سيف تراقبان من خلال المنظار الليلى ظهور أى ذئب وبضغطة أصبع يسقطه فورًا. فى نور الهلال الشحيح لمعت عينا الذئب الذهبيتان، ثم صارتا جمرتين حمراوين كدرتين من الياقوت. كان الذئب يشعر بكل رصاصة تقتل أحد إخوته وكأنها مرت خلال قلبه أولًا، فهبط سريعًا من الجبل إلى هدفه الوحيد على الأرض.
طاف الذئب مرات ومرات حول البناية الصغيرة، اطمأن أنه لا أحد هنا. كلاب المالك حبيسة هذه الليلة كى لا يقتلها سيف بالخطأ.
ثلاث غرف وحمام وسلم داخلى يفضى للسطح. دار الذئب حولها بخوف الحرص، تشمم رائحة دماء إخوته المغدورين وتفقد الباب فوجده مغلقًا. استدار تجاه النافذة، كانت الأولى محكمة الإغلاق، أما الثانية فكانت مواربة. وقف على قائمتيه الخلفيتين ودفع الدرفتين الخشبيتين بفمه ففتحهما بهدوء. تشبث وقفز إلى الداخل، نبحت الكلاب الحبيسة فى الغرفة الصغيرة.
صعد الذئب بسرعة دون إبطاء ولا تردد. لقد أربكه نباح الكلاب المستمر، لا بد أنها تشممت رائحته؛ إنه يعرف جيدًا أنه سيخسر أى معركة ضد مجموعة كلاب، لكنه اطمأن أنها حبيسة ومقيدة فأكمل الصعود بعزم تجاه هدفه.
سمع سيف نباح الكلاب المتوتر المحذر واقتحمت أنفه رائحة حيوان قريبة من رائحة الكلاب الألمانية التى كان يستخدمها فى عمله، وفى سرعة خاطفة سحب السونكى من الجراب المعلق فى حزامه، لمع سلاح السونكى الفضى فى عينى الذئب الغاضب، حاول سيف تبديل وضعية جسده ليقلب نفسه ليواجهه، لكن الذئب قفز وامتطى ظهر سيف وغرس أنيابه فى رقبته قابضًا على قفاه كما اعتاد قتل الكلاب الصغيرة. صرخ سيف صرخة قوية بصوته الغليظ الجهورى وزأر كذئب جريح: عااا.. عاااااا.
وضم قبضتيه وثبتهما على أرضية السطح الأسمنتى وانتصب واقفًا دون إضاعة ثانية واحدة فى التفكير. دار على كعبيه، صار ظهره للفراغ. أحس الذئب بالخطر الداهم، أفلت رقبة سيف من بين أنيابه، حاول أن ينقذ نفسه، لكن لسوء حظه نشبت مخالبه فى النسيج القطنى السميك للتى شيرت الذى يرتديه سيف وألقى الضابط نفسه من البناية إلى الرمل. سقط على ظهره بجسده الطويل الضخم والذئب تحته تمامًا.
كان الظلام واهنًا، هلال ناشئ ولمبة واحدة تضىء المدخل ومطلع السلم. فى الضوء الشحيح سدد سيف الطعنة الأولى لرقبة الذئب التى كسرها السقوط والثانية فى البطن، أما الثالثة فقد غرس الخنجر فى منتصف الأذن.
أراد الوقوف لكن عجز عن ذلك. أحس حرارة دمه تسيل على صدره وظهره؛ حاول نزع التى شيرت ليلفه حول جروح عنقه العميقة. شعر بدوار قوى وعجز عن تحريك ظهره وبدأ ضغط دمه ينخفض بسرعة. تشوشت عيناه وطافت صور القتلى أمام عينيه. رأى وجه سارة تبتسم فى شماتة وفرحة، كانت تقف على شاطئ بحر وخلفها بركان يثور وتتدفق حممه إلى الماء. أحس سيف أنه يسقط من جبل مرتفع إلى هوة سحيقة مظلمة، حاول أن ينطق، قال: أشهد.. لكن حلقه جف كالحجر، أغلق عينيه وتذكر مكتب المحاماة الجديد الذى جهزه ولم يباشر عمله فيه بعد. أحس بسخرية القدر تخرج لسانها له، ترك رأسه ينزلق على بطن الذئب القتيل. فتح عينيه للمرة الأخيرة وعندها رأى ما تعجز أن تراه عدسة الرؤية الليلية.