رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

دم العنزة

 سماء زیدان
سماء زیدان

كان لجدتى طفل مریض، أصغر ذكور العائلة الكبیرة، جدتى بذرت عشرة أولاد وثلاث بنات، وتوفى لها ذكران. كانت ثمرة رحمها وفیرة، والظهر عفى كالأرض الخصبة. المیت من أولادها تبكیه ثم تحمل غیره، ولد لها الذكر الأخير ملیح الوجه علیلًا، لا یكاد یشفى یومین أو يمر عليه عيد إلا ویصیبه داء جدید، حتى اهتدت بمشورة الجارات المسنات فى قریتها التى لم تكن تعرف بعد الكهرباء ولا الأطباء، اهتدت لوصفة متوارثة لم یكتبها قلم.. إرضاعه من بز عنزة فقدت للتو ولیدها، هكذا قالت النسوة العجائز، عنزة مكلومة بضرع محتقن ينز الحليب منه فى فم الوليد ساخنًا!
كان الزمن حزينًا یموت فیه الصغار لأتفه الأسباب، ویموت الكبار من الكمد. لكن الشفاء كان هینًا والأسباب لا یهتم الناس لها. أتى الأب صاحب الأطیان والزرع الوفیر لولیده الذى حار فى دائه أطباء البندر بالعنزة المكلومة، كانت منتفخة الضرع، فكانت جدتى تحمّمها وترعاها وتمسد ضرعها المحموم، ثم ترقد طفلها تحتها، لترضعه منها مباشرة أيامًا وشهورًا حتى شفى الولد وكبر واشتد عوده. ورفضت جدتى ذبحها وكانت توصى بها ولیدها وتسمیها له مداعبة هى أمك من الرضاعة.. ثم حدث أن هذا الولید فقد أباه وأصبح یتیمًا یكفله الإخوة والأعمام. وكأن الكمد فى الدنیا متصل، وربما ارتشفه الصبى من الضرع مخبوءًا فى الحلیب، لكن سفن الأیام ترسو مهما اشتد الموج. كبر الصغیر وأصبح زوجًا لزینب الجمیلة وأصبح أبًا، لكنه الأب الغائب مثل أبيه.
تمتد خیوط الشمس ذهبیة عبر نافذة المستشفى المغلق، وتستقر أشعتها بحنان على وجه زینب الشاحب، ترقد فى فراشها بلا حراك، أضناها الوهن وأرهقها دفع مولودها لساعات الأطباء یتجولون بالرواق. الممرضات یتهامسن بالقرب منها، طفلها راقد مستقر إلى جوارها.. ینتصف النهار وزینب لا تفیق، تهذى بكلمات غیر مفهومة، تبكى ثم تعاود النوم، الممرضات یأتینها بالسوائل یبللن شفاهها وشفاه ولیدها، یتبادلن نظرات الأسى ثم یتركنها ویذهبن لعملهن. حل موعد الزیارة ضج المستشفى بالمهنئین. فى الأسرة المجاورة ترقد الضحكات، تتسرب إلیها روائح الحلوى والورد مختلطة بالفرح وكلمات التهانى.
یضیق صبرها بضحكات أب یزهو، یدفع بقطع نقدیة إلى الممرضات، يؤذن لوليده فى أذنه الیمنى.
تمضى ساعات الزیارة بطیئة وجسد زینب یأبى أن یفیق، تطفو روحها فوق جسدها الممدد بلا حراك تتأمله.. تنظر إلى ولیدها بإشفاق، النبض باهت كنبض ولیدها، یداها مكبلتان بطرف الغطاء، تتحرر روحها، تطوف كأنفاس زهر حول الفراش یثیر أهل الجوار فضول روحها الخفیفة، الجسد ساكن والروح تتجول هائمة بین الأسرة تندس بینهم وتضحك معهم، تقترب من فراش المرأة المجاور الصاخب بالفرح، ترتمى الروح فوق الأم المتدللة، تتلقى التهانى والقبلات معها، ترفع الأم صغیرها بحنان إلى صدرها.
یبدو حلیبها ببیاض وجه زینب، یؤلمها صدرها فتتراجع لطرف الفراش، الولید بصدر أمه یسكن قابضًا بكفه الصغیر على أصبعها.
ترى زینب بوجه الأم الراضى أمها الجمیلة بمندیلها الأبیض، وثوبها الریفى الدافئ. تبدو سمرتها الناعمة كما هى حین رأتها آخر مرة. كانت ذاهبة ككل صباح بین رفیقاتها للمدرسة، عادت زینب بموعد الغداء لتجد النسوة المتشحات بالسواد یرقدن بمدخل الدار.. تتقلب زینب وتئن، یؤرقها صوت الممرضات بجوار فراشها یتهامسن.
تتسلل هائمة حول الصغیر تتحسس الغطاء وتتحسس ولیدها، تتحسس یدیه وأرجله المشوهة ورأسه المنبعج مثل رأس عنزة وجسده المغطى بالشعر الكثيف، تعید الغطاء حوله ویمضى اللیل وجسد زینب یهذى بالحمى، مع نسمات الصباح الأولى یأتیها زوارها، تشعر زینب بوخزات فى ذراعها، كان بطنها یتمزق، تتلوى بالفراش، الزوار یتهامسون ویبكى الصغیر الراقد إلى جوارها مغطى الوجه والیدین، تحمله إحدى النسوة المتشحات بالسواد وتُحكم حوله الغطاء لتخفى وجهه وذراعيه فيزداد بكاؤه، تستفیق زینب تفتح عینیها، تنتفض تحمل ولیدها وتفك وثاقه وتدفعه إلى صدرها، یتفجر حلیبها بین شفتیه تنطلق أولى دمعات الأمومة حارة من عینیها، تقبل زینب صغیرها وتؤذن له بأذنه الیمنى تاركة الغطاء للزوار.