رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

الصعود المفاجئ والانحدار السريع «8»



سقطت شقيقتى الصغيرة «صباح» من فوق السرير وهى رضيعة قبل أن تكمل ثلاثة أيام، أصاب عمودها الفقرى ضرر تسبب فى اختلال حركتها وعدم قدرتها على استخدام يديها بدقة وعدم قدرتها على الكلام الطبيعى، ولكن الحادث لم يتسبب فى اختلال نموها الجسدى.
أصرت أمى على تعليمها، بسببها استمررت فى التعليم الأزهرى، بعد أن أصبحت حانقًا عليه، لماذا أذهب للأزهر وأنا ذكى وشاطر؟ لكن أمى قبلت رأسى، وقالت: علشان خاطر أختك، لم أفهم إصرار أمى على تعليمها.. لكنى كنت متعاطفًا معها مع عجزها مع الذنب الذى حملته وقلت لنفسى مرات عديدة ما لمحت إليه أمى.. ماذا لو كنت مكانها؟ لم أوجه يومًا حنقى لها، ولكن كنت أرفع رأسى للسماء لماذا؟
ماذا لو أنها ماتت؟ ألم يكن ذلك سيكون حلًا عبقريًا؟ لماذا يشقى الناس بأمراضهم ويصابون بإعاقات تشقيهم وتعذب من حولهم وتحملهم فوق طاقتهم.. لم تكن تستطيع التحكم فى أصابعها، فلم تعرف القراءة أو الكتابة، تعتمد على ما تلتقطه أذنها من سور القرآن والأحاديث الشريفة، الغريب أنها ذكية لماحة تطرح على شيوخها أسئلة دقيقة تجعلهم يقولون: يا خسارة لا حول ولا قوة إلا بالله.
ظللت سنوات الابتدائية «على» أخو «صباح»، فكنت أصحبها كل يوم فى طريقى إلى المعهد الأزهرى.
من خطواتها المضطربة البطيئة تعلمت الصبر، الطريق الذى يأخذه زملائى فى نصف الساعة نقطعه فى ساعتين.. أن تتعلم الصبر، أن تتصبر، ومن ضغطة أصابعها المتشنجة على ذراعى تعلمت إدراك ما لا يقال، قد تكون هى السبب فيما أوصف به من شفقة وتعاطف مع كل من أتعامل، معها تعودت على تحمل المسئولية، وتدربت على الخطابة وإلقاء الأشعار التى أحفظها، أحمل الحقيبتين على كتفى اليمنى وبذراعى اليسرى أسند هيكلها المضطرب، بعد أن نخرج من الشوارع الجانبية ونأخذ الطريق العام يمكن أن أفتح كتابًا أو كراسة محفوظات، وكثيرًا ما تكون جريدة الأهرام هى تسليتنا بمرور الأعوام صرت أنقل ما أريد حفظه أو قراءته فى ورقة منفصلة كى تكون أخف فى حملها.
فى نهاية الطريق قبل أن ندخل شارعنا تبتسم بفمها المعوج وتقول عبارة لا تتغير: «معلش تعبتك معايا».
حالة «صباح» وحالات كثيرة جعلت عقلى يفكر فى أشياء كثيرة عن قدرة الله واختباره عباده، أى اختبار تتعرض له مخلوقة لا حول لها ولا قوة ومشلولة حتى مما يحفظ آدميتها ويجعلها أسيرة لعطف الآخرين وإحسانهم وظروفهم فى قضاء أبسط احتياجاتها الآدمية.
فى مسابقة بين المعاهد الأزهرية، اختارونى من بين من يمثل المعهد، أقيمت المسابقة فى معهد المحافظة ذهبت مع زملائى، حصلنا على المركز الأول وكنت فخورًا بنفسى، تجاوز الوقت موعد الخروج من المعهد، رجعت إلى البيت فرحًا مهللًا، صرخت أمى: أين أختك؟
هرعت للمعهد وجدتها جالسة على دكة بواب المدرسة، قلة حيلتها ووجهها المذعور ملآ قلبى بالحسرة، احتضنتها بقوة وأنا أعتذر لها: تصورت أن إحدى زميلاتك ستوصلك، ربتت على كتفى: أنا مش زعلانة، أزعل منك ليه؟ زعلانة منه ليه كده؟ طب كنت مت أحسن.
ساعدتها على النهوض، فظهرت بقعة بللت منتصف جيبتها من الخلف، لم أقل لها شيئًا، ظللنا صامتين طوال الطريق، لكن أصابعى كانت تربت على كفها بإيقاع هادئ بطىء يستحلب ما يعصف بذهنى من حنق وغضب.