رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 29 أكتوبر 2020 الموافق 12 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
خالد عكاشة
خالد عكاشة

المناظرة الأمريكية الأولى.. لم ينجح أحد!

الأربعاء 30/سبتمبر/2020 - 08:02 م
طباعة
شهدت الساعات الأولى من فجر الأربعاء بتوقيت القاهرة، مساء الثلاثاء فى ساعة ذروة المشاهدة بالتوقيت الأمريكى، أولى المناظرات لانتخابات الرئاسة الأمريكية من ثلاث مناظرات مقررة بين المتنافسين. أدار المناظرة المخضرم «كريس والاس» من شبكة فوكس الإخبارية، وهى الأكثر ميلًا بالطبع للرئيس الحالى دونالد ترامب من عديد الشبكات الأخرى التى تناصبه عداءً واضحًا. الجولة الأولى التى شهدتها مدينة «كليفلاند» فى ولاية أوهايو، سبقت الثانية المقرر لها ١٥ أكتوبر المقبل فى «ميامى» بولاية فلوريدا، أما الأخيرة فستعقد فى ٢٢ أكتوبر فى مدينة «ناشفيل» بولاية تينيسى، على أن تُجرى مناظرة واحدة لمرشحى منصب نائب الرئيس، حيث سيواجه نائب الرئيس الحالى «مايك بنس» منافسته الديمقراطية السيناتورة «كامالا هاريس» يوم ٧ أكتوبر فى «سولت ليك سيتى» بولاية يوتا.
داخل جامعة «كايس ويسترن ريزيرف» وبالقرب من مركز «كليفلاند كلينيك» للدراسات الطبية، جرت وقائع تلك المناظرة التى بدت عامرة بالفوضى والمشاحنات على نحو توقعه البعض، على خلفية الحرب الكلامية التى جرت بين المرشحين فى الفترة الأخيرة قبيل بدء التصريحات الانتخابية المتبادلة بينهما. اشتبك الرئيس دونالد ترامب مع منافسه جو بايدن بشراسة منذ اللحظات الأولى، وتبادل الاثنان الصياح فى أكثر من موضع وأثناء تناول العديد من القضايا التى شهدت اتهامات قاسية لكل منهما. أبرز ما هاجم وأكد عليه ترامب بحق منافسه، أنه سيصير ألعوبة فى أيدى جناح اليسار الراديكالى فى حزبه الديمقراطى، وأكثر من مرة وصفهم بالاشتراكيين، ونعت بايدن بأنه دمية فى أيديهم و«مدين» لهم، وعبّر عن ذلك ترامب بالقول: «سوف يسيطرون عليك يا جو، أنت تعرف ذلك، كما أنك لا تريد أن تنبس ببنت شفة عن القانون والنظام». فى حين لم يكن أمام بايدن سوى أن يبادل ترامب نفس الأداء، عندما وصفه بـ«جرو» الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فى حين واجه هو بوتين وجهًا لوجه وأوضح له أن حزبه الديمقراطى بالولايات المتحدة لا يقبل أيًا من هذه الأمور، كما أعاد نفس الصيغة لترامب كونه يرفض أن ينبس ببنت شفة، عن المكافآت التى وضعت من قبل الروس لقتل جنود أمريكيين فى أفغانستان.
لم يقف التراشق اللفظى عند هذا الحد، بل بدا أن هناك تكتيكًا ديمقراطيًا واضحًا جرى تلقينه لجو بايدن، لكن الأخير لم ينجح فى صياغته بالصورة المؤثرة فجاء أداؤه بالكاد متوسطًا، خطة الديمقراطيين، كما ظهرت، وضعت الإساءة الشخصية للرئيس ترامب فى موقع متقدم، بأكثر من التناظر حول القضايا التى تشغل بال المواطن الأمريكى، على اعتبار أن الرئيس الحالى يمتلك الكثير ليقوله فى تلك القضايا، فضلًا عن تمتعه بالطلاقة الكلامية، والمنطق الذى بالضرورة سيتفوق على تلعثم وشحوب بايدن الذى لم يفارقه. لذلك ظل الأخير يؤكد على هذا المنطق فى جمل عديدة دالة على هذا النهج، «أنا لست هنا لأبرهن على أكاذيبه. الكل يعلم أنه كذاب»، «من الصعب أن يحظى المرء بفرصة لقول كلمة واحدة. بوجود هذا المهرج، عفوًا هذا الشخص»، وفى إحدى المساجلات لم يتورع عن قوله لترامب «هل لك أن تخرس يا رجل». وأمام اتهام الرئيس الحالى بـ«أنت أسوأ رئيس فى تاريخ الولايات المتحدة»، ذهب ترامب إلى نفس المربع من غير أن يبدو مضطربًا أو مضطرًا، فهى منطقته المحببة فى كل وقت، ليرد على المرشح بايدن قائلًا: «أنت لا تمت إلى الذكاء بصلة، جو ٧٤ عامًا ولم تفعل شيئًا، أنت تخرجت إما الأخير أو الأخير فى صفك الدراسى تقريبًا. فلا تستخدم كلمة ذكى أبدًا معى. لا تستخدم هذه الكلمة مطلقًا».
لم يكن سحب الرئيس ترامب إلى هذا الأداء، فقط للخصم من رصيده باظهاره على هذا النحو، فهو نمطه الذى لم يتنصل منه يومًا وهو يواجه هجمات أو مشاغبات لفظية من هنا أو هناك، لكن الخسارة التى تحققت فعليًا هو دفعه بعيدًا عن القضايا التى أنجز فيها، وهو ما ذكره فعليًا لكن أغلبها تبخر وسط حالة الفوضى التى خيمت على مجمل المشهد. فالرئيس ترامب مثلًا أكد أن الصين هى من تتحمل مسئولية جائحة كورونا، وهى التى تتحمل الخطأ الذى أنقذ الولايات المتحدة من تبعاته بغلقه الحدود، وأن أمريكا على مسافة أسابيع من الحصول على لقاح لفيروس كورونا، فى حين لا يملك جو بايدن أى قدرة للقيام بما قام به. كما بدا أن ترامب كان يعد العدة لتوجيه قذائفه تجاه الحزب الديمقراطى، وقد قام بذلك بالفعل، لكن رؤيته لم تصل بالصورة التى توقعها فى خطته المعدة سلفًا، فقد حرص على تأكيد رواية الاحتجاجات العرقية التى لم تكن سلمية، فضلًا عن أن الولايات التى يديرها الديمقراطيون هى من شهدت أعمال عنف، فمن وجهة نظر الرئيس الحالى «الجمهورى» ارتفاع الجرائم فى مدن أمريكية كبرى، أمر له علاقة بالحزب الذى يدير تلك المدن، فجميع أعمال العنف التى تنامت مؤخرًا ليس من اليمين المتطرف وإنما من اليسار. هذه رؤية تتفق معها غالبية الشعب الأمريكى، وهناك بالطبع من يناقضها، لكنها جاءت فى النهاية غائمة وسط الملاسنات ولم يحكم ترامب منطقه فيها، ففقد القدرة على تعليق الاتهام جليًا فى عنق «الحزب الديمقراطى» كما خطط على الأقل.
حديث سداد الضرائب على الدخل، وطريقة التصويت الإلكترونى خلال الانتخابات المقبلة وكيفية حساب نتائجها، من القضايا الشائكة التى حظيت بقدر إضافى للجدل الذى استلزم تدخل مدير المناظرة أكثر من مرة، دون جدوى لضبط الايقاع فبدا هو الآخر مرتبكًا وحائرًا بين الطرفين، بالقدر الذى أسهم فى إضعاف مجمل المشهد، الذى لم تنقصه السطحية غير المتوقعة فى أول انطلاق للمناظرات الرئاسية. وخرجت الاستطلاعات اللحظية لتعبر هى الأخرى أن التقدم المحدود الذى يحظى به بايدن، لم يتأثر سوى بتحرك ضئيل للغاية فى مؤشر نسب التأييد، لا يمكن التعويل عليها، لكنها مؤشرات تؤكد على الضعف العام الذى يلف مجمل الوضع الانتخابى، الذى أساسه ضعف وتشوه عميق لمفردات السياسة الأمريكية التى ما زالت تقود العالم «افتراضًا».