رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 06 أغسطس 2020 الموافق 16 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى.. جمع مع شدته تواضعًا وزُهدًا فى الدنيا «2-2»

السبت 01/أغسطس/2020 - 04:09 م
طباعة
لما توفى الإمام أبوالفضل الجيزاوى شيخ الأزهر تطلعت القوى السياسية المختلفة فى مصر فى هذا الوقت إلى السيطرة على الأزهر عن طريق شيخ جديد يساعدها على نشر نفوذها بين الطلبة والعلماء، أما الحاكم الرسمى «الملك فؤاد» فكان رجله المفضل هو الشيخ الظواهرى، الذى يثق به ويطمئن إليه كل الاطمئنان. وأما حزب الأغلبية وقتها «الوفد» وبعض الأحزاب الأخرى فكانت ترشح لمشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغى. أما سلطة الاحتلال فكانت تتظاهر بعدم التدخل فى الشئون الدينية، ولكنها كانت حريصة على أن تحرمَ الملك من الهيمنة على شئون الأزهر حتى لا يطغى سلطانه عن طريق علماء الدين، فلم يبق أمامها إلا أن تساند مرشح الأحزاب «الوفد وغيره». وكان الإنجليز قد عرفوا الشيخ المراغى أثناء وجوده فى السودان، وأنهم يستطيعون التفاهم معه عند الحاجة، فلم يجد الملك فؤاد بُدًّا من تعيين الإمام الشيخ المراغى شيخًا للأزهر بعد أن سوَّف فى تعيينه زهاء عشرة أشهر، وبعد تعيينه بفترة وجيزة استقال الشيخ المراغى، وصدر الأمر بتعيين الشيخ الظواهرى شيخًا للأزهر فى 10 من أكتوبر سنة 1929م. نجحت التيارات الحزبية والسياسية فى إحاطة الشيخ الظواهرى بِجَوٍّ خانق من العداء، فقدم استقالته فى 26 أبريل سنة 1935م، فقبلت استقالته وأعيد الإمام المراغى للمشيخة مرة ثانية.
تضمن «قانون إصلاح الأزهر» الذى صدر فى عهد الشيخ الظواهرى سنة 1930م جعل الدراسة بالأزهر أربع سنوات للمرحلة الابتدائية، وخمس سنوات للمرحلة الثانوية، وألغى القسم العالى واستبدل به ثلاث كليات هى: كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وكلية اللغة العربية، ومدة الدراسة بها أربع سنوات، يمنح الطالب بعدها شهادة العالمية. وأنشأ القانون نظامًا للتخصص بعد مرحلة الدراسة بالكليات الثلاث، على نوعين: تخصص فى المهنة، ومدته عامان، ويشمل تخصص التدريس ويتبع كلية اللغة العربية، وتخصص للقضاء ويتبع كلية الشريعة، وتخصص الوعظ والإرشاد ويتبع كلية أصول الدين، ويمنح المتخرج شهادة العالمية مع إجازة التدريس أو القضاء أو الدعوة والإرشاد. وتخصص فى المادة ومدته خمس سنوات، يتخصص الطالب فى أى فرع من الفروع الآتية: الفقه والأصول، والتفسير والحديث، والتوحيد والمنطق، والتاريخ، والبلاغة والأدب، والنحو والصرف، ويمنح المتخرج فى تخصص المادة شهادة العالمية من درجة أستاذ. نقل هذا القانون الطلاب من الدراسة بالمساجد إلى مبانٍ متخصصة للتعليم، وتحول بنظام الحلقات الدراسية التى كانت تعقد بالأزهر إلى نظام الفصول والمحاضرات، وأصبحت كل كلية مسئولة عن التعليم، وتتولى الإشراف على البحوث التى تتصل بعلومها، وأطلق على القسمين الابتدائى والثانوى اسم «المعاهد الدينية»، وكان هذا القانون خطوة حاسمة فى سبيل القضاء على نظام الدراسة القديمة، وبداية ميلاد جامعة الأزهر. لم يكن إصلاح الإمام مقصورًا على تنظيم الكليات وتعديل المناهج العلمية، بل كانت له أياد بيضاء، فسعى إلى إصدار مجلة ثقافية تتحدث باسم الأزهر، أطلق عليها فى أول الأمر «نور الإسلام» ثم تغير اسمها إلى «مجلة الأزهر»، وصدرت فى 29 مايو 1930م، وأسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ محمد الخضر حسين، الذى تولى مشيخة الأزهر فيما بعد.
لم يستطع الإمام أن يحقق كل ما يطمح إليه من وجوه الإصلاح التى دعا إليها فى كتابه «العلم والعلماء» لاعتبارات سياسية، فاشتدت معارضة العلماء والطلاب له، وجابهوه بالعداء، وزاد من أمورها الأزمة الاقتصادية الخانقة التى كانت تمر بها البلاد، ولم يجد خريجو الأزهر عملًا لائقًا، وعمل بعضهم دون أجر حتى يحفظ لنفسه حق التعيين حينما تواتيه الظروف، وزاد الأمور سوءًا أن السلطات طلبت من الظواهرى فصل مائتين من العلماء فى ظل هذه الظروف، فاستجاب لهم وفصل بعضهم، وبلغت الأزمة مداها بفصل عدد من طلاب الأزهر الغاضبين من سياسته والثائرين عليه، فجابهوه العداء السافر، وكانت التيارات الحزبية وراء اشتعال الموقف، ولم يستطع الشيخ أن يعمل فى ظل هذه الظروف العدائية، فقدم استقالته فى 26 أبريل 1935م.
كان حريصًا على إقرار النظام وسيادة القانون، وجمع مع شدته تواضعًا وزُهدًا فى الدنيا، ناداه أحد العلماء بلقب الإمام الأكبر، فقال له: ما أنا إلا واحد من المشايخ، وما أنا إلا عبدالله محمد الظواهرى، ولست أعتقد أن فى مركزى هذا أكبر شيخ فى الأزهر، بل أعتقد أن الأكبر هو من كان عند الله أكرم، مصداقًا لقوله تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ولست أعد نفسى إلا خادمًا للأزهر وأبنائه، لا رئيسًا له كبيرًا عليه.
لما خلا مكان «شيخ معهد طنطا» رشَّح الخديو الشيخ الإمام الأحمدى ليشغله على الرغم من معارضة كبار المشايخ، وتم التعيين فى يناير سنة 1914م فدعا الخديو لافتتاح المبنى الجديد للمعهد، فأجاب الدعوة وسُرَّ كثيرًا بما رآه، وحاول الشيخ أن يقوم بإصلاحات فى المناهج ووسائل التدريس بالمعهد وإضافة علوم جديدة طبقًا لنزعته ودعوته الإصلاحية، ولكنه كان مُقَيَّدًا فى هذا كله بالحصول على موافقة المجلس الأعلى للأزهر، وكان معظم أعضائه من المحافظين فرفضوا ما قدَّمه من طلبات الإصلاح. ولَمَّا تولى السلطان حسين الحكم اتصل الشيخ به وتوثقت بينهما الصِّلات فعينه عضوًا بالمجلس الأعلى للأزهر، ولما توفى السلطان حسين تولَّى العرش مكانه الملك أحمد فؤاد الأول، اتصل الشيخ به وقويت علاقته، وكان يستدعيه لزيارته ويقبل عليه، ولكن بعض الحاقدين على الشيخ أبلغ الملك أن الشيخ على علاقة وثيقة بالخديو عباس المقيم بالآستانة، وكان بينه وبين الملك أحمد فؤاد عداء، وتوالت الدسائس على الشيخ التى كانت من نتائجها إلغاء القسم العالى بمعهد طنطا، وبالتالى لأهمية شيخه، ثم صدر القرار بنقله شيخًا لمعهد أسيوط، وكان معهدًا ابتدائيًّا صغيرًا، وذلك ليحولوا بين الشيخ والمناصب العليا. ونفذ الشيخ قرار النقل ولم يكد يستقر فى منزله بأسيوط حتى هرع إليه وجوه المدينة وذوو المكانة فيها يرحبون بِمَقْدِمِه ويزورونه، فاقترح عليهم بناء معهد دينى كبير يليق بجلال المدينة وتاريخها، وإنشاء جمعية عامة للمحافظة على القرآن الكريم فاستجابوا له.
وبعد إلغاء الخلافة فى تركيا تألفت فى القاهرة لجان عديدة من العلماء والوجهاء للنظر فى أمر الخلافة الإسلامية، فحمل الشيخ أعباء تأليف لجان عديدة بالصعيد، ونجح فى هذا نجاحًا كبيرًا، ودعا علماء الأزهر المسلمين إلى عقد مؤتمر عام بالقاهرة، فارتابت البلاد الإسلامية فى هذه الدعوة وظنوا مصر طامعة فى الخلافة الإسلامية، وكان الملك فؤاد قد أدرك حقيقة الدسائس التى دسها خصوم الشيخ له فقرَّبه منه، فقابل الشيخ الملك فؤاد وأطلعه على الموقف، وصارحه بأن الجو غير مناسب لعقد المؤتمر بالقاهرة، وصارحه الملك بأنه يطمع فى الخلافة.. توفى الشيخ الإمام محمد الأحمدى الظواهرى فى القاهرة سنة 1944م.