رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 01 أكتوبر 2020 الموافق 14 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

هانى شنودة يتذكر «4»: امتحان عبدالوهاب

الخميس 30/يوليه/2020 - 07:30 م
هانى شنودة
هانى شنودة
طباعة

«أعترف بأننى رجل محظوظ، الشاب القادم من طنطا حاملًا عشرات الأحلام كان أمام طريقين، إما أن يصبح مدرس موسيقى فى مدرسة بجوار بيت عائلته، وإما أن يصبح يومًا ما الملحن هانى شنودة مؤسس فرقة (المصريين) ومكتشف عشرات النجوم وصاحب البصمات فى مشوار عدد لا بأس به من المطربين الكبار».
لولا التوفيق والحظ لكنت واحدًا من ملايين يمرون فى شريط الحياة، مثل المجاميع الصامتة فى الأفلام، الحظ منحنى الفرصة لأقابل كل العمالقة فى منتصف الطريق لأغيِّر شيئًا فى مشوارهم، عاندنى القدر فقط مع عبدالحليم حافظ الذى خطفه الموت من مشروع موسيقى مهم كنا سنقدمه معًا، ولكن القدر صالحنى عندما قابلت الأستاذ محمد عبدالوهاب، قُلْ عنه موسيقار الأجيال وكشّاف المواهب الأول، ولكننى أراه دائمًا «المدير الفنى» للموسيقى المصرية على مدار عقود طويلة!
عبدالوهاب ملك متوَّج على عرشه، يتابع ويراقب كل جديد، يكتشف المواهب الحقيقية ويصقلها، كلمته شهادة ميلاد لأى مبدع، ووصايته هى جواز المرور لأرض الشهرة والنجاح، فعلها مع عبدالحليم حافظ عندما بزغ نجمه فتبنّاه وأنتج له، لم ينافسه لأنه اختار لنفسه مكانة أرفع، كل موهوب تفجر اسمه فى الساحة احتواه عبدالوهاب وفرض أستاذيته عليه ونهل من بئر موهبته وجدد شبابه به، وهذا حدث معى.
اتفق عبدالوهاب مع نجاة على أن تعيد غناء بعض أعماله مثل «النهر الخالد» و«عاشت بلادنا»، وخلال المداولات فاجأها بشرط غريب!
قال: يا نجاة الأغانى دى لو هتغنّيها، يبقى هانى شنودة اللى يوزّعها، يا ماتغنّيش!
تحمست نجاة للفكرة، خصوصًا أن أصداء تعاونى معها فى «بحلم معاك» كانت مشتعلة، والنقاد يشيدون بعودة شباب نجاة على يد هانى شنودة، والطفرة الموسيقية التى حدثت فى هذه التجربة.
عرضت علىَّ نجاة الفكرة، ولكننى وضعت شروطًا توقعت أن يرفضها عبدالوهاب، أولًا: اشترطتُ أن يُكتب اسمى بجوار اسمه بنفس الحجم، أما الشرط الثانى فكان عدم حضوره التسجيل! سيندهش البعض ويرى شروطى تعجيزية، ولكن كانت لى وجهة نظر منطقية فى الشرط الثانى، وهى خوفى من تعطيل التسجيل بسبب طقوس عبدالوهاب، منها مثلًا أنه كان يخشى المرض بشدة، وعندما كانت تهلّ عليه بوادر الإنفلونزا مثلًا كان يعتكف فى المنزل بالأسابيع!
بالإضافة إلى أن حضور عبدالوهاب للاستديو سيفرض حالة من الرهبة والحرص على كل العازفين، وهذا قد يَئِد أى فكرة مجنونة أو مختلفة قد نطرحها خلال التنفيذ الموسيقى للأغانى، وهذا لن يمنحنى الحرية الكاملة فى فرض وجهة نظرى والتصور الجديد لشكل الأغانى.
المفاجأة أن عبدالوهاب تقبل شروطى ووافق عليها دون أى اعتراض، بل قال لنجاة: من حق هانى تنفيذ رؤيته كاملة وإدارة الاستديو بطريقته خلال التسجيل دون تدخل منى!
كانت نجاة تتصل به من الاستديو خلال التسجيل وتُسمعه عبر التليفون ما تم تنفيذه وهو يمدح ما أقدمه ويبدى إعجابه به، أما أنا فتملّكنى الفضول لأعرف السبب الحقيقى وراء ترشيح عبدالوهاب لى تحديدًا كى أعيد توزيع هذه الأغانى، سألت نجاة عن السبب، فقالت لى: عبدالوهاب بيقول عليك أقرب الخواجات لينا!
قبلها كنت أغضب من وصفى بالخواجة من الموسيقيين والمطربين المتمسكين بالشكل الشرقى الكلاسيكى، ولكن شهادة عبدالوهاب أسعدتنى جدًا، لأنه قارئ جيد للمستقبل، وصاحب بصمة سابقة فى تغيير شكل الأغنية المصرية والعربية، هو بلا شك من المجددين الأوائل ويفهم جيدًا متطلبات الزمن وما تفرضه الحداثة على أى إبداع، كما أنه يفطن جيدًا لتلك الشعرة التى تربط موسيقانا الأصيلة بالتطور العالمى، وبالتالى تفهم تركيبتى الفنية التى تجمع بين المحلية الأصيلة والحداثة العالمية.
كانت هذه نظرة عبدالوهاب إلىَّ، ولكنه ملك من ملوك الدهاء، ولهذا قرر أن يختبر نظرته هذه عمليًّا.. كيف؟
دعانى عبدالوهاب على مائدة الغداء أنا ونجاة بمناسبة هذا التعاون المرتقب، ونحن نتناول الطعام فاجأنى بقوله: يا هانى أنت عامل لحن «زنان» بجد.. لحن «بحلم معاك» ده بيزن فى ودنى من ساعة ما سمعته.
شكرته على شهادته، وتحدثنا فى أمور أخرى، ثم عاد إلى الحديث عن اللحن مرة أخرى بعد الغداء، وطلب منى أن أعزفه على البيانو، عزفت مرة واثنتين وثلاثًا، تقريبًا عزفت اللحن ثلاثين مرة وهو يردد عبارات الإعجاب والسلطنة، ويقول: يا سلام يا سلام.. تانى يا هانى!
توقفت عن العزف وقلت له: أنا زهقت يا أستاذ كفاية كده!
فقال: ليه بس؟ ده أنا متسلطن من عزفك جدًا، كنت عايز أشوف لما تعيدها كذا مرة هتنوّع فيها وأنت بتعزف وتلعبها بحليات مختلفة ولا هتكررها زى الجماعة بتوع الكونسرفتوار اللى حافظين الجملة صم ومبيستذوقوهاش ولا ينوّعوها!
كان هذا امتحانًا عمليًا من عبدالوهاب لشخصيتى الفنية، كان يريد أن يعرف بالضبط هل أنا خواجة «صرف» أم مزيكاتى مصرى بروح الخواجات؟!
بعد هذه الجلسة تيقن عبدالوهاب من أننى سأسهم فى تغيير شىء ما فى الموسيقى المصرية، قال لنجاة: هانى هيعمل حاجة كبيرة فى المزيكا العربية لو أُتيحت له الفرصة وفضل مكمّل فى طريقه وماتأثرش بالناس اللى هترفض مزيكته.
ظلت كلمات عبدالوهاب ترن فى أذنى كلما واجهنى إحباط أو فشل، تذكرت كلماته مع كل صدمة كنت أتلقاها، أو فى كل مرة أقرأ فيها مقالًا يهاجم صاحبه تجربتى الموسيقية، لم يقلّ إيمانى بتجربتى يومًا ما، حتى عندما واجهت فرقة «المصريين» شبح التفكك والانفصال نهائيًا، كان لدىَّ يقين بأننى قادر على صناعة نسخ متعددة من الفرقة تواكب كل زمن، ولو لم يحدث فما قدمته سيعيش ويستمر.