رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 25 سبتمبر 2020 الموافق 08 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.كريمة الحفناوى
د.كريمة الحفناوى

أمننا المائى «2»

الجمعة 26/يونيو/2020 - 07:05 م
طباعة
تتسارع وتيرة التطورات فى أزمة سد النهضة فى الأيام الأخيرة، حيث طلبت مصر عقد جلسة لمجلس الأمن وفقًا للمادتين ٣٤ و٣٥ من الباب السادس حول سد النهضة الإثيوبى باعتبارها أزمة تتعلق بحياة ووجود ١٥٠ مليون مواطن ومواطنة فى دولتى المصب مصر والسودان، مما يعتبر تهديدًا للأمن والسلم الدوليين، ففى يوم ١٩ يونيو ٢٠٢٠ أعلن وزير الخارجية الإثيوبى عن أن بلاده ستمضى قدمًا وتبدأ ملء الخزان حتى دون اتفاق، وفى مقابلة لـ«الأسوشيتد برس»، قال: «بالنسبة لنا ليس إجباريًا التوصل لاتفاق قبل البدء فى ملء الخزان، وبالتالى سنشرع فى عملية الملء فى الموسم الممطر المقبل- أول شهر يوليو- إثيوبيا لن تتوسل إلى مصر والسودان لاستخدام موردها المائى لتنميتها»، ويضيف: «قراءتنا هى أن الجانب المصرى يريد أن يملى ويسيطر حتى على التطورات المستقبلية على نهرنا.. لن نطلب من مصر الإذن لتنفيذ مشاريع تنموية على مواردنا المائية.. هذا أمر غير مقبول من الناحية القانونية والأخلاقية».
ومن الجدير بالذكر أن من المختلف عليه مع إثيوبيا فترة ملء السد بما لا يضر بكمية المياه التى تصل مصر، وأيضًا كمية المياه التى ستطلقها إثيوبيا فى اتجاه مجرى النهر من السد، خلال فترة الجفاف، وهى متعددة السنوات، وأيضًا كيف ستحل مصر والسودان وإثيوبيا أى نزاعات مستقبلية، حيث ترفض إثيوبيا أى اتفاقية ملزمة قانونًا!
إن التعنت الإثيوبى يضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات والأعراف المتعارف عليها والموقعة من دول حوض النيل، والتى كما أوضحنا من قبل فى مقالنا السابق تظل هذه الاتفاقيات سارية المفعول وتظل تمثل التزامًا وقيدًا على الدولة الوارثة ولا يمكن تعديلها أو إلغاؤها إلا باتفاق الدول الموقعة عليها وفقًا لاتفاقية فيينا ١٩٧٨، وأيضًا وفقًا لاتفاقية فيينا ١٩٦٦، التى تؤكد مبدأ الحق التاريخى المكتسب، بجانب القواعد والأطر المنظمة لاستخدام الأنهار.
ولنمر سريعًا على الاتفاقيات المبرمة بين دول حوض النيل:
اتفاقية ١٩٢٩ التى أبرمتها الحكومة البريطانية بصفتها الاستعمارية نيابة عن عدد من دول حوض النيل «أوغندا وتنزانيا وكينيا» مع الحكومة المصرية تتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وأن لمصر الحق فى الاعتراض «فيتو» فى حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده، كما تنص الاتفاقية على ألا تقام بغير اتفاق سابق مع الحكومة المصرية أعمال رى أو توليد قوى كهربائية أو أى إجراءات على النيل وفروعه من شأنها إنقاص المياه الذى يصل لمصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أى وجه يلحق الضرر بمصر.
اتفاقية تقاسم مياه النيل ١٩٥٩، وهى الاتفاقية التى تم توقيعها بالقاهرة فى نوفمبر ١٩٥٩ بين مصر والسودان وجاءت مكملة لاتفاقية ١٩٢٩ وليست لاغية لها، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان فى ظل المتغيرات الجديدة التى ظهرت على الساحة آنذاك، وهو الرغبة فى إنشاء السد العالى ومشروعات أعالى النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عدد من الخزانات عند أسوان، وتضم الاتفاقية بنودًا بخصوص احتفاظ مصر بحقها فى مياه النيل «٤٨ مليار متر مكعب»، وذلك قبل بناء السد العالى ووفقًا لاتفاقية ١٩٢٩، وتنص أيضًا على موافقة الدولتين على قيام السد العالى وقيام السودان بإنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق.
وتضمنت اتفاقية ١٩٥٩ حصة مصر والسودان بعد استكمال السد العالى، بحيث تصل حصة مصر إلى ٥٥٫٥ مليار متر مكعب وحصة السودان ١٨٫٥ مليار متر مكعب، وكانت الاتفاقية مثالًا لشراكة كاملة فى التعامل مع ملف حوض النيل كجبهة واحدة وبرأى واحد.
ونصل إلى مبادرة حوض النيل فبراير ١٩٩٩، وهى اتفاقية تضم مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وبوروندى وتنزانيا ورواندا وكينيا وإريتريا. تم توقيع الاتفاقية بين دول حوض النيل العشر وقتها بهدف تدعيم أواصر التعاون الإقليمى بين الدول، وتم توقيعها فى تنزانيا وتنص على الوصول إلى تنمية مستدامة فى المجال السياسى الاجتماعى من خلال الاستغلال المتساوى للإمكانيات المشتركة التى يوفرها حوض النيل، وتم تفعيل الاتفاقية فى مايو ١٩٩٩.
من مبادئ المبادرة النص على أن تطبق الاتفاقية لتحقيق التنمية والحماية، والحوار حول إدارة موارد نهر النيل، واعتماد الحلول السلمية للخلافات، مع اعتماد مبدأ الأمن المائى لكل دول حوض النيل والعمل على مشروعات تنمية لدول حوض النيل.
تصاعدت وتيرة الخلافات بين دول المنبع ودول المصب عندما أعلنت دول المنبع عن اتفاقية «عنتيبى» فى غياب دولتى مصر والسودان وقررت فى ١٤ مايو ٢٠١٠ التوقيع عليها فى مدينة عنتيبى الأوغندية، وأعطت مهلة سنة لمصر والسودان للانضمام إلى المعاهدة، وتنكرت دول المنبع لجميع الاتفاقيات المنظمة والمقررة لحقوق مصر التاريخية فى تلك المياه، وصاحب ذلك تحرك صهيونى ماكر ودائب فى تلك الدول للتأثير على حصة مصر من مياه النيل، ولم توقع دولتا المصب مصر والسودان على الاتفاقية الإطارية عنتيى ٢٠١٠، حتى يؤخذ بنظر الاعتبار المطالب المصرية الثلاثة المتمثلة فى:
- الحفاظ على حصة مصر من المياه وحقوقها التاريخية والمكتسبة من مياه النيل، والإخطار المسبق عن مشروعات تقوم بها دول أعالى النيل.
- أن تكون جميع القرارات بالإجماع وليس بالأغلبية ولابد من موافقة دولتى المصب مصر والسودان فى حالة اتخاذ القرارات بالأغلبية.
- احترام الاتفاقيات التاريخية لتنظيم استخدام مياه الأنهار.
بينما ترى دول المنبع أن هذه المطالب غير مقبولة وتمثل إجحافًا بحقوقها، وهذا أدى للدخول فى صراعات عندما بدأت إثيوبيا فى بناء سد النهضة دون مشورة دولتى المصب مصر والسودان ودون الاتفاق على نقاط فنية بخصوص السد، بحيث لا يضر مصر بعدم الحصول على حصتها كاملة من المياه، وفقًا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار.
بدأت إثيوبيا فى بناء سد النهضة منذ ٢٠١١ دون أى مشاورات مع دولتى المصب كما تقتضى كل المعاهدات والأعراف وانتهجت أسلوب عدم الشفافية والمراوغة والمماطلة لكسب الوقت ووضعنا أمام الأمر الواقع مصممة على رأيها بخصوص ملء السد فى الوقت الذى حددته ضاربة عرض الحائط برأى اللجان الفنية المتخصصة التى قدمت وجهة نظر تحفظ حصة مصر من المياه وتراعى أوقات الشح والجفاف.
كما تعترض على البنود التى تضفى على الاتفاق النهائى الصبغة الإلزامية قانونًا أو وضع آلية قانونية لفض النزاعات التى قد تنشب بين الدول الثلاث، بالإضافة إلى رفضها التام التعامل مع النقاط الفنية المثارة من الجانب المصرى بشأن إجراءات مواجهة الجفاف والجفاف الممتد وسنوات الشح المائى بما يمس حياة ١٥٠ مليون نسمة هم قوام الشعبين المصرى والسودانى.
لكل ما سبق لجأت مصر إلى مجلس الأمن القومى.
ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الكيان الصهيونى نصب شبكة صواريخ متطورة دفاعية لحماية سد النهضة، مما يؤكد أطماع الكيان الصهيونى فى مياه النيل.
إن كل الخيارات مفتوحة فالأمن المائى المصرى خط أحمر وقضية حياة ووجود.