رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 10 يوليه 2020 الموافق 19 ذو القعدة 1441

حيلة الملاعين.. ما سر لجوء «الإخوان» والجماعات الإرهابية إلى «زووم»؟

الأربعاء 03/يونيو/2020 - 08:00 م
زووم
زووم
هانى سميح - ميرفت فهمى
طباعة
جاء تحذير صحيفة «ذا ناشيونال» البريطانية الذى نشرته مؤخرًا عن استخدام الجماعات الإرهابية تطبيق «زووم»، الخاص بعقد مؤتمرات الفيديو المشفرة، وغيره من تطبيقات المراسلة مثل «تليجرام»- ليدق ناقوس الخطر من هذا التطبيق المتنامى الاستخدام حول العالم، فى ظل أزمة فيروس «كورونا المستجد».
وبينت الصحيفة البريطانية أن هناك زيادة كبيرة فى النشاط المتطرف لجماعة «الإخوان» عبر الإنترنت فى بريطانيا، مشيرة إلى أن أعضاء الجماعة يستغلون أزمة فيروس «كورونا المستجد» فى نشر الأفكار المتطرفة وتجنيد أعضاء جدد، من خلال تطبيق «زووم».
كما حذر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية من تحول هذه الجماعات إلى استخدام ما يمكن اعتباره الجيل الثانى من تطبيقات التواصل الاجتماعى، مثل «تيك توك» و«تليجرام» و«زووم».
فى السطور التالية، تحقق «الدستور» فى هذه القضية المهمة، وتبحث عن السر وراء لجوء الجماعات الإرهابية إلى «زووم» تحديدًا، خلال الفترة الأخيرة.



يوفر خاصية «الفيديوهات المشفرة».. جوجل حظرته على موظفيها وتقرير بريطانى: أصبح المنصة الجديدة لتجنيد عناصر الجماعة

تطبيق «زووم» يعتبر أحد أشهر برامج الفيديوهات المشفرة، ويختص بمكالمات الفيديو، ومن الممكن مشاركة المكالمة خلاله مع أكثر من ١٠٠ شخص حول العالم، وتقع الشركة المالكة له فى الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من ظهور التطبيق لأول مرة فى عام ٢٠١١، وبدأ عمله الفعلى عام ٢٠١٣، فإنه وصل إلى ٣٠٠ مليون مستخدم خلال الفترة الأخيرة، بواقع ١٠٠ مليون مستخدم خلال ٢٢ يومًا فقط، رغم انتقادات طالته تتعلق بخصوصية المستخدمين.
فالكثير من التقارير يؤكد بدء استخدام التطبيق على نطاق واسع من قبل الجماعات الإرهابية، فى ظل توفيره خاصية مكالمات الفيديو المشفرة، التى يستحيل تتبعها ومعرفة تفاصيلها، الأمر الذى دفع شركات مثل «جوجل» إلى حظر استخدامه على موظفيها، بسبب ما وصفته بـ«إجراءات الخصوصية غير السليمة».
نفس الحال بالنسبة لـ«تليجرام»، وهو مواقع مراسلات فورية مجانى، ظهر للمرة الأولى فى عام ٢٠١٣، ويمكن لمستخدميه إرسال واستقبال الرسائل فيما بينهم بطريقة مشفرة، بما فى ذلك الصور والفيديوهات والمكالمات الصوتية التى لا يستطيع أحد اختراقها، لذلك يضم الكثير من الحسابات والرسائل غير المرصودة أمنيًا.
وفى عام ٢٠١٨، وصل عدد مستخدمى «تليجرام» إلى ٢٠٠ مليون شخص شهريًا حول العالم، وزادت نسبة نموه خلال عام ٢٠١٧ حوالى ٥٠٪، حسب مديره التنفيذى، ويعتبر من المواقع الاجتماعية التى لاقت تفاعلًا ضخمًا خلال سنوات قليلة، حتى إنه يحقق مليار مشاهدة فيديو يوميًا.
وشوهد استخدام «تليجرام» على يد جماعات إرهابية فى وقائع عدة، فتنظيم «داعش» الإرهابى يبث رسائل وخطابات زعيمه وأعضائه منه، وغيره من الجماعات الإرهابية تتفق على تفاصيل العمليات الإجرامية التى تنفذها من خلاله.
ومن أشهر العمليات الإرهابية التى تم تنفيذها بمساعدة التطبيق: تفجيرات باريس عام ٢٠١٥، وتفجير ملهى ليلى فى إسطنبول عام ٢٠١٧، وتفجير «معهد الأورام» فى مصر عام ٢٠١٩.
وكذلك اعتاد تنظيم «القاعدة»، خاصة خلال عام ٢٠١٨، الترويج لأفكاره من خلال إنشاء حسابات عديدة على موقع «تليجرام»، بلغات مختلفة وجنسيات عدة، واعتبرت هذه الحسابات بمثابة «كتائب إلكترونية» للتنظيم يبث من خلالها خطاباته وأفكاره.
لذلك نشرت صحيفة «ذا ناشيونال» البريطانية، مؤخرًا، تقريرًا أعربت فيه عن قلقها من «زووم» وغيره من التطبيقات المشابهة، مثل «تليجرام»، فى ظل إمكانية استخدامها فى العمليات الإرهابية.
وحذرت الصحيفة من وجود زيادة كبيرة فى النشاط المتطرف لجماعة «الإخوان» عبر الإنترنت فى بريطانيا، مشيرة إلى أن أعضاء الجماعة يستغلون أزمة فيروس «كورونا المستجد» فى نشر الأفكار المتطرفة وتجنيد أعضاء جدد، من خلال تطبيق «زووم».

«الإفتاء»: يستخدمون حتى «تيك توك» وعالم أزهرى: على الدعاة مواجهتهم
4
حذر الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، من امتلاك عناصر «الإخوان» وغيرها من الجماعات الإرهابية قدرات كبيرة فى استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، وتطويعها لنشر مبادئها وأفكارها الهدامة.
ورأى «كريمة» أن مواجهة ذلك تتطلب استخدام نفس «السلاح التكنولوجى»، موضحًا أنه «لا يكفى أن يتسلح الداعية بالمواد الشرعية والدينية فقط، بل لا بد أن يكون على دراية كاملة بوسائل التكنولوجيا الحديثة والتعامل معها، للتصدى لأى من الأفكار المتطرفة التى تُنشر من خلال تلك الوسائل والتطبيقات الإلكترونية الحديثة».
وشدد على ضرورة تضافر جهود المجتمع كله لتشكيل وعى شعبى ومجتمعى قادر على التصدى لأفكار الجماعات الإرهابية، دون الاقتصار على المواجهة الأمنية فقط، داعيًا إلى دخول عدة وزارات ساحة المواجهة، وعلى رأسها الشباب والرياضة، وذلك عبر الاهتمام بالشباب فكريًا وليس جسديًا فقط، ومساعدته على التمييز بين الأفكار الصحيحة والخاطئة.
وأضاف: «وزارة الثقافة أيضًا مطالبة بالعمل على تنمية ثقافة الشباب، بما يؤهلهم للتصدى للأفكار الخاطئة ومواجهتها بعقلية مستنيرة، كما أن الأزهر والأوقاف مطالبان بالرد على الشبهات والمفاهيم المغلوطة التى يتداولها الإرهابيون لتضليل الشباب، على مواقع التواصل الاجتماعى».
واختتم «لا بد أن ننتهج سياسة المبادرة وليس رد الفعل، أى لا ننتظر ما يفعله الإرهاب لنواجهه، بل نتقدم نحن لمواجهته بكل السبل الممكنة».
وفى السياق ذاته، حذر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، من أن الجماعات الإرهابية فى محاولاتها لترويج أيديولوجياتها المتطرفة، تستخدم مجموعة من تقنيات الإعلام الرقمى والتطبيقات الحديثة، حيث تضع تلك الجماعات على رأس أولوياتها عملية تجنيد المتعاطفين مع الأفكار الإرهابية عبر الإنترنت عنصرًا أساسيًّا فى استراتيجيتها.
وأضاف المرصد: «تلك الجماعات تعمل على تبنى التكنولوجية الحديثة، على الرغم من عدائها للتحديث والعولمة التى تعتبرها أفكارًا وأنظمة كفرية تسعى إلى إزالتها وتدميرها، لذا توظف كل وسائل التواصل الاجتماعى التقليدية مثل فيسبوك وتويتر، وكذلك التطبيقات مثل تليجرام وتيك توك وزووم».
وضرب المرصد مثالًا بجماعات مثل «داعش» و«القاعدة»، والجماعات النازية واليمينية المتطرفة، التى كانت تستخدم فى البداية تطبيقى «فيسبوك» و«تويتر»، لنشر أفكارها وتجنيد عناصر جديدة، ثم عززت نشاطها باستخدام «تليجرام» و«زووم».
باحث إسلام سياسى: «كلمة سر» قبل الدخول لـ«غرفة الفيديو»

اتفق سامح عيد، الباحث فى شئون جماعات الإسلام السياسى، مع سابقه بشأن استخدام الجماعات الإرهابية تطبيق «زووم» فى عقد اجتماعاتها المغلقة.
وقال «عيد»: «تطبيق (زووم) مناسب لهذه الجماعات فى عقد الاجتماعات السرية، التى تتفق خلالها على العمليات الإجرامية التى تنفذها داخل البلاد، أما تجنيد عناصرها الجديدة فيتم من خلال وسائل تواصل أخرى، مثل تليجرام وفيسبوك وتويتر».
وأضاف: «التطبيق يساعد أعضاء الجماعات الإرهابية على الاجتماع معًا بشكل آمن، بدلًا من التنقل الكثير ومقابلة بعضهم بعضًا بشكل مباشر، فى ظل أن نظام الحماية به قوى للغاية ولا يمكن اختراقه بسهولة، لاستخدامهم كلمات سر لا يعرفها سواهم قبل الدخول إلى (غرفة الفيديو)، وبالتالى يستطيعون من خلاله مناقشة أمور الجماعة، وتقسيم المهمات الإجرامية فيما بينهم، دون أى تتبع».
وكشف عن أن أشخاصًا أوروبيين يساعدون الجماعات المتطرفة فى استخدام تلك المنصات الإلكترونية، والانتشار عليها بشكل كبير، إلى جانب عملهم على تجنيد أوروبيين من خلال تلك الوسائل ليساعدوهم فى أعمالهم الإرهابية.
ونوه إلى أن التطبيق يستخدمه أعضاء الجماعات الإرهابية، وقادة المجموعات الصغيرة بكل جماعة، للاتفاق على أشياء معينة من خلاله، أو توصيل رسائل سرية لجبهات أخرى، لكن لا يستخدمه القادة الكبار، لخوفهم على أنفسهم من الوقوع تحت سيطرة الحكومة الأمريكية، حيث يتواجد المسئولون عن التطبيق فى الولايات المتحدة».
2
خبراء اتصالات: آمن للاجتماعات السرية.. ونظام حمايته المطور يصعب اختراقه

تواصلت «الدستور» مع المهندس مالك صابر، خبير البرمجيات وتكنولوجيا أمن المعلومات، لتوضيح مدى استخدام مثل تلك التطبيقات فى تنظيم اجتماعات سرية مغلقة بين أعضاء الجماعات الإرهابية، وهل يمكن اختراقها من قبل الجهات المعنية بأمن الاتصالات أم لا.
وقال «صابر»: «الجماعات الإرهابية تستخدم جميع التطبيقات الإلكترونية التى تساعدها على التخفى وعدم الظهور بهويتها الحقيقية، ومنها (زووم) الذى تعقد عليه اجتماعاتها المغلقة فى سرية تامة، خاصة بعد الثغرات التى تعرض لها ما جعل القائمين عليه يطورون نظام الحماية الخاص به، ليكون من الصعب اختراقه مرة أخرى».
وأوضح أن تطبيق «زووم» تعرض لـ«ثغرة» قبل أسابيع قليلة، كانت عبارة عن اختراق الغرف السرية الخاصة باجتماعات الفيديو، الأمر الذى دفع مؤسسى التطبيق لتعديل آلية التسجيل فى تلك الغرف من خلال كود أو رابط خاص، ليكون التسجيل الجديد عبر «كلمة سر» لا يعلمها سوى مؤسس الاجتماع وأعضائه.
وخلص خبير أمن المعلومات إلى أن «أى شخص يقدر يستخدم تطبيق (زووم)، لأنه آمن حاليًا ويصعب جدًا اختراقه، بسبب نظام الحماية المفعل حاليًا، ما يوفر للجماعات الإرهابية التى تستخدمه إمكانية إخفاء هوية أعضائها، الذين يمتلكون أيضًا حسابات أخرى على مواقع إلكترونية عدة لا يعلم أحد عنها شيئًا، مثل (DEEP WEB)، وذلك بمعلومات مزيفة تجعل من يتتبعها لا يستطيع الوصول إلى معلومة واحدة صحيحة عنهم».
ورغم ذلك، أشار «صابر» إلى أن أى تطبيق إلكترونى يمكن اختراقه من خلال استخدام «ثغرة» معينة، لأنه لا يوجد نظام حماية كامل فى جميع المواقع والتطبيقات الإلكترونية، لكن «لحظة الاختراق تقف عند وصول الشخص المخترق إلى ثغرة معينة يدخل من خلالها إلى أسس التطبيق والسيطرة عليه بشكل كامل».
بدوره، قال المهندس طلعت عمر، نائب رئيس «الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات»، إن جميع التطبيقات الإلكترونية- أيًا كان ما تقدمه وما تستخدم من أجله- لا يمكن السيطرة عليها أو منعها على الإطلاق، خاصة أن الدولة المصرية لا تملك تلك التطبيقات.
وأضاف «عمر»: «شبكة الإنترنت منذ بداية انطلاقها وُضعت لتحقيق أهداف جيوسياسية، من قبل العديد من الجهات السيادية والاستخباراتية التى تسيطر عليها دول خارجية، لتستخدم هذه الجهات كل المحتويات المتداولة عبر الشبكة مهما صغرت دلالتها لتحقق بها أهداف سياسية معينة، مثل التجسس على الدول، وتمويل الإرهاب حول العالم، عن طريق توفير جميع الوسائل التكنولوجية الحديثة التى تنقل أفكارها المتطرفة وتسعى إلى نشرها، لتخلق لها موالين وأتباعًا».
وضرب مثلًا على ذلك بسماح الجهات القائمة على التطبيقات الإلكترونية للجماعات الإرهابية بعرض الكثير من الفيديوهات التى تتنافى مع القوانين الدولية والإنسانية، لما فيها من تعذيب للضحايا قبل اغتيالهم، ما يدل على أن هناك دعمًا دوليًا وتكنولوجيًا يقدم لتلك العناصر الإرهابية من قبل جهات سيادية واستخباراتية لها أهداف غير محمودة بالدول العربية، منوهًا إلى أن «زووم» ليس التطبيق الأول الذى استخدمه الإرهابيون لعقد اجتماعاتهم، وقد لا يكون الأخير.
واعتبر أن استخدام التكنولوجيا الخاطئ من قبل العديد من المواطنين يشجع تلك الجهات على تحقيق أهدافها، مبينًا أن «ما يفعله كثير من أبناء الدول العربية من نشر وتداول أموره الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعى، وعدم الاهتمام كثيرًا بمفهوم الخصوصية، قد يُستغل من قِبل العديد من الجهات الإرهابية، لنشر الشائعات واستقطاب العديد من العناصر للانضمام إليها».
وشدد على ضرورة وجود ما سماه «المناعة الذاتية الفكرية» فى مواجهة استخدام العناصر الإرهابية التطبيقات الإلكترونية، والتى لا تتأتى إلا بالوعى المجتمعى، فى ظل خطورة هذه الأفكار المتطرفة، وبالتالى يفقد الإرهاب سعيه لتحقيق أغراضه مهما تطور فى استخدام التكنولوجيا.