الجمعة 03 أبريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ محمد شنن.. الزاهد فى المناصب والغزير فى العلم

الجمعة 28/فبراير/2020 - 07:27 م
طباعة

الإمام محمد شنن المالكى هو فقيه مالكى مصرى، وهو الخامس فى الترتيب بين شيوخ الجامع الأزهر. ولد محمد شنن سنة ١٦٥٦م تقريبًا، وكان مولده فى قرية «الجدية» التابعة لمركز رشيد- محافظة البحيرة، وهى قرية تقع على الضفة الغربية لفرع رشيد.
نشأ محمد شنن فى قريته، وفيها حفظ القرآن الكريم، ثم قصد الجامع الأزهر لاستكمال علومه الدينية. اجتهد الشيخ محمد شنن فى تحصيل العلم، كما اجتهد فى حفظ ما يمليه عليه مشايخه وعلماؤه فتقدم فى العلم، وجلس فى صفوف العلماء، وأصبح ذائع الصيت، وذا ذكر حسن.
وقد اشترك الشيخ شنن فى الخلاف، الذى حدث بين فريقى الشيخ القلينى والشيخ النفراوى، وكان مؤيدًا للشيخ أحمد النفراوى، فلما تدخل ولاة الأمور فى ذلك صدرت الأوامر بنفى الشيخ شنن إلى قريته «الجدية»، وتحديد إقامة الشيخ النفراوى فى بيته.
كان الشيخ شنن واسع الثراء، ويذكر الجبرتى أنه ترك لابنه ثروة طائلة، فكان بها من صنف الذهب البندقى أربعون، خلاف الجنزولى والطولى، وأنواع الفضة، والأملاك والضياع، والوظائف، والأطيان... وغير ذلك، وكانت له مماليك وعبيد وجوارٍ، ومن مماليكه أحمد بك شنن، الذى أصبح من كبار حكام المماليك، وصار صنجقًا «أى من كبار ولاة الأقاليم». ومع ثرائه العريض كان غزير العلم، واسع الاطلاع، وكان من أعلام المالكية فى زمانه، ولم تصرفه أمواله عن تحصيل العلم ومتابعة تلاميذه والاطلاع على التراث. وقد أقام الشيخ شنن صديقه الشيخ محمد الجداوى وصيًا على ابنه موسى، وذلك قبيل وفاته، وقام الجداوى بحراسة هذه الأموال على خير وجه، وسلمها إلى موسى ابن الشيخ شنن بعد بلوغه سن الرشد، ولم يمض وقت طويل، كما ذكر الجبرتى، حتى بدد الابن ثروة أبيه جميعها رغم ضخامتها، ومات بعد كل هذا الثراء مدينًا فقيرًا!! وكان الشيخ ذا مكانة سامية مرموقة لدى الحكام، وقد لاحظ أثناء مشيخته أن بعض جدران المسجد قد أصابها تصدع، فعزم على إصلاح ما فسد، وصعد إلى القلعة حيث يقيم الوالى العثمانى على باشا، وذلك يوم الخميس الموافق ٢٥ يناير عام ١٧٢٠م، وقابل الشيخ الوالى، وعرض عليه ما لاحظه فى جدران المسجد، وقال له بأسلوب رقيق جدًا: «المرجو من حضرتكم تكتبوا إلى حضرة مولانا السلطان، وتعرضوا عليه الأمر، لينعم على الجامع الأزهر بالعمارة، فإنه محل العلم، الذى ببقائه بقاء الدولة، وله ولك الثواب من الملك الوهاب». ولما كان للشيخ شنن من مكانة سامية أسرع الوالى بتحقيق مطلبه، ليس هذا فحسب، بل طلب الوالى من كبار المشايخ أن يقدموا مذكرات فى هذا الشأن لتُرفع إلى السلطان، وأراد بذلك أن يدعم أقوال الشيخ شنن فى هذا الشأن، ويضفى عليها المزيد من الأهمية، لما للشيخ من احترام وهيبة لدى العلماء وولاة الأمر. واشترك الوالى، وكبار الأمراء والمماليك فى وضع أختامهم على هذه المذكرات، وعرض الأمر على السلطان أحمد الثالث «١٧٠٣- ١٧٣٠م»، واستجاب إلى طلب علماء الأزهر، وأوفد بعثة إلى مصر تحمل رده بالموافقة على طلب علماء الأزهر، وترميم ما تصدع من بناية الجامع الأزهر، واعتمد خمسين كيسًا ديوانيًّا من أموال الخزانة للإنفاق على ذلك الإصلاح.
اكتفى الشيخ شنن بتدريس المؤلفات المعروفة فى عصره، إذ يبدو أنه لم تكن له مؤلفات خاصة به.
توفى الشيخ أحمد النفراوى أثناء مشيخة الشيخ عبدالباقى القلينى، ما دعا شيوخ الأزهر للإجماع على تولية الشيخ محمد شنن المشيخة، إذ كان ثلاثتهم «النفراوى والقلينى وشنن» هم الأقطاب الثلاثة فى ذلك العصر، وكان جميعهم على المذهب المالكى، الذى كانت المشيخة لا تخرج إلا منه غالبًا. وقد آثر الانقطاع للعلم وحبس الوقت والجهد عليه، ومع أنَّه كان واسعَ الثَّراء لم يُلهِه ذلك عن الاطِّلاع الواسع وبحثه فى العلوم، ويسجل التاريخ المناظرة التى دارت بين «أبى الوليد الباجى» شيخ فقهاء الأندلس و«ابن حزم» كبير عُلَمائها، وقد استمرَّت المناظرة بينهما ثلاثةَ أيَّام!! وفى نهايتها قال الوليد لابن حزم: «اعذرنى؛ فقد طلبت العلمَ على مصابيح الشوارع)، يريدُ أنَّه بلغ مبلغه من العلم مع فقره الشديد الذى حرمه من اتِّخاذ مصباح خاص به، فقال له ابن حزم: «أنا أبلغُ منك عذرًا؛ فقد طلبتُ العلم على قناديل الذهب والفضة»؛ يريد أنَّه لم يصرفُه ثراؤه العريض عن الإقبال على البحث والدرس حتى بلغ مَبلَغه من العلم. وكان الشيخ الإمام محمد شنن ذا مكانة سامية تقاربُ مكانة الحكَّام.
ظلَّ الشيخ محمد شنن شيخًا للأزهر يشرف عليه ويُواصل البحث والتدريس فيه، وانتشَر علم الإمام الجليل فى دِيار الإسلام شرقًا وغربًا حتى هذا العصر الذى نعيشُ فيه، ولا تنتهى مَزايا الإمام الجليل عند هذا الحد، وإنما له مزايا أخرى منها: «أنَّه لم يسعَ للمشيخة، وإنما هى التى سعَتْ إليه»، فإنَّ تلاميذه وعارفى فضله قد جاءوه إثر اختفاء القلينى وعدم مُباشرته لمشيخة الأزهر، فقَبِلَها وهو غير راغبٍ فيها ولا حريص عليها، لأنها لن تضيفَ إليه جديدًا، فهو المشهور واسع الثراء والجاه، فقد أُوتِى من هذا كله فوقَ ما يريد. وتذكر المصادر التاريخية وفهارس المكتبات العامة فى مصر والخارج أنَّه لا تُوجد للشيخ محمد شنن مُصنَّفات ولا من الذين أرَّخوا له، ولعله اكتفى وسار على نهج مَن سبقه بدِراسة وتدريس المصنفات المؤلفة فى عَصره وتوضيح ما فيها من إشكالات. كما ذُكر أنه ظل يواصل البحث والتدريس حتى انتقل إلى جوار ربِّه فى سنة ١٧٢٠م، وعُمره وقتها سبعة وسبعون عامًا.
ads