الأحد 05 أبريل 2020 الموافق 12 شعبان 1441

«شمس إحسان لا تنطفئ».. حكاية «أنف وثلاث عيون» ومأساة «عبد القدوس»

الثلاثاء 25/فبراير/2020 - 11:12 م
إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس
ايهاب مصطفى
طباعة
اقترب موعد تصوير فيلم "أنف وثلاث عيون" للسيناريست تامر حبيب والذي سيكون من بطولة الفنان خالد الصاوي، وهو الفيلم المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، ومن إنتاج "Lagoonie Film Production وArt Factory"، وتعتبر فكرة إنتاج الرواية مرة أخرى في فيلم آخر بعد الفيلم الذي قام ببطولته الفنان محمود يس هو نصر آخر لإحسان عبد القدوس بعد وفاته، خاصة وأن أزمة رواية "أنف وثلاث عيون" هي أكبر أزمات إحسان عبد القدوس، فكيف كانت وقائع هذه الأزمة..

- أشد أزمات عبد القدوس عنفًا

بحسب مقال نشره غالي شكري في مجلة إبداع عام 1990 يقول فيه إن إحسان قال له "إن أدبه جر عليه ويلات لا تقل قسوة عن الويلات السياسية، ويحكي بألم شديد أنه اضطر ذات يوم لأن يكتب رسالة طويلة إلى جمال عبد الناصر يدفع فيها عن نفسه الاتهامات المزيفة التي كان يهمس بها البعض للرئيس حول الإباحية في قصصه، وقد نقل إليه مسئول كبير أن الرئيس معجب به غاية الإعجاب، وأنه يحرص على مشاهدة أعماله السينمائية، ولكنه يريد أن يعرف منه مباشرة أسرار الضجة المثارة حول إحدى رواياته".

وكتب إحسان رسالته إلى الرئيس دون أن يتنازل عن حرف واحد مما كتب، شرح كيف يكتب.

لقد كان عبد الناصر هو من أفرج عن كتاب "محمد رسول الله" لعبد الرحمن الشرقاوي، وهو الذي منع الآخرين من التعرض لنجيب محفوظ حين نشر "ثرثرة فوق النيل"، وهو أيضًا الذي تدخل لمنع الأذى عن إحسان حين كتب "أنف وثلاث عيون"، عام 1964، وبسببها تعرض عبد القادر حاتم لاستجواب في مجلس الأمة طالب صاحب بمنع إحسان من الكتابة ومنع قصصه من الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما ولكن شيئا من هذا لم يحدث.

كان هذا ما كتبه غالي شكري، وتشابه الاثنين نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس فالأول حين تعرض للاغتيال والطعن عرف بعد ذلك أن من طعنه لم يقرأ الرواية من الأساس، وبالنسبة لإحسان فاتضح أيضًا أن النائب صاحب الاستجواب لم يقرأ الرواية من الأساس أيضًا.

- في رسالته إلى الحكيم

يقول الكاتب الصحفي والباحث إبراهيم عبد العزيز في كتابه الصادر حديثًا عن دار بتانة تحت عنوان "إحسان عبد القدوس.. سيرة أخرى" إن أزمة أنف وثلاث عيون كانت هي الأزمة الكبرى التي واجهت إحسان وألمت به، وفيها اتهم إحسان توفيق الحكيم بأنه لم يقف بجانبه وتخلى عنه يوم أن قامت القيامة في مجلس الأمة بدعوى أنها تخدش الحياء، يقول إحسان في حديث الاتهام "حين قدم السؤال إلى مجلس الأمة طلبت عقد لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، وكان من أعضائها توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومعظم كبار الأدباء، وقد أحضرت لهما لقصة وقلت لهم: أريد رأيكم، سواء بالموافقة أو بالرفض؟".

وقال لـ توفيق الحكيم إنني قرات القصة وليس فيها شيء يمس أو يخدش الحياء، بل هي قمة من قمم الإبداع الأدبي، وامتدح القصة مدحًا عظيمًا، فقلت له بعد أن انتهى من كلامه: "تسمح تعطيني ورقة بهذا المعنى، فإذا بتوفيق الحكيم يقول لي: لا لا أستطيع أن أفعل ذلك، فقلت له: لماذا؟، فقال: إحنا ليست لدينا أوامر، قلت له: أوامر إيه؟ هذه آراء شخصية، فقال لي: لا نستطيع أن نعطي لك الورقة لأنني لا أعرف رأيهم ايه، وكان يعني بذلك الحكومة، ولم يكتب توفيق لحكيم الورقة".

ويستكمل عبد القدوس: أنور السادات كان وقتها رئيس مجلس الأمة، وقبل أن يقدم السؤال اتصل بي قال لي: يا إحسان.. أنا مقدم لي استجواب عن قصة "أنف وثلاث عيون"، وأنا سوف أقدمه"، فقلت له "لماذا هذا موضوع أدبي، وهناك دوافع شخصية من بعض معارفي حاولوا إيذائي، وقد استغلوا عبد الصمد محمد عبد الصمد والحكومة ليست لها مصلحة، كل مصلحتها كانت أن تثير موضوعا لتسلية الشعب". ولكن أنور السادات أصر على عرض الموضوع، وقال لي عبد القادر حاتم: "أنا سوف أرد على هذا السؤال"، وقرأ لي الرد، وأضفت له جملة أو جملتين، وفوجئت بعد ذلك بأن عبد الصمد جاء لزيارتي في مكتبي حين رأى أن الأمور لم تكن في مصلحته، وقال لي "الواقع أنني لم أقرأ القصة مطلقا، أنا سمعت الناس بتتكلم".

- أما عن رسالة إحسان عبد القدوس إلى الحكيم فتقول..

أستاذي..

أكتب إليك لأعتذر ولأني لا أدري ما أعتذر عنه، كل ما هنالك أني شعرت باني أثقلت عليك، وعلى زملائي أعضاء لجنة القصة عندما جئت إليكم أحمل همي، وأحاول أن ألقي بمتاعبي إليكم، والواقع أني لم أحضر اجتماع اللجنة نتيجة تفكير، ولا نتيجة خطة عمل، ولكني حضرت بدافع أزمة نفسية أعانيها، وشعور جارف بالوحدة، كنت أشعر أني وحيد إلى حد الخوف، وقد مر وقت طويل كنت فيه قويًا في وحدتي، وأستطيع أن أخوض كثيرًا من المعارك السياسية والأدبية، وأنا وحيد لا أنتمي لحزب ولا أنتمي لزعيم، ولا أنتمي لهيئة، ولكني أنتمي لفكرة، وكنت أنصر الفكرة ولكن لا أدري ما حدث لي، ربما تعبت من كثرة التحديات التي خضتها، وربما وصلت للسن الذي أصبح فيه من حقي أن أترك عبء التحدي لجيل بعدي، وأستريح أنا، ولكن...

هل استريح على حساب الفكر، وعلى حساب الإيمان، وعلى حساب انطلاقي الفني، ليست هذه راحة، إنه جبن.. خوف، ولن استريح أبدا إذا شعرت بأني جبان أو خائف وهذه هي أزمتي.. إلخ.

- رسالته إلى طه حسين

استفاد عبد القدوس من أزمته بأن قرأ له طه حسين، فعلى حد قول "إبراهيم عبد العزيز" كان إحسان يخاف أن يهدي عميد الأدب العربي كتبه لأن زوجته كانت تضع الكتب في البانيو وبعد أسبوع تحتار فيها فتأمر برميها، ولهذا لم يحاول عبد القدوس أن يهديه كتبه، ولكن عميد الأدب العربي طلبها منه بعد أزمة مجلس الأمة، وقرأ روايته في ليلة واحدة وقال له "إحسان.. ليس في كتابك ما يستحق اللوم عليه".

وابتهاجا بهذا المكسب قرر عبد القدوس أن يكتب له خطابا يشكره فيه فكتب يقول..

أستاذي الكبير الدكتور طه حسين

تحية حب واقتناع بك

قرأت في روز اليوسف كلمة عتاب وجهتها لي لأني لا أرسل إليك كتبي، وهو عتاب شرفني وأفرحني، والواقع أنه لم يصدر لي كتابًا منذ عامين، وقصتي الأخيرة التي تحمل عنوان "أنف وثلاث عيون" رفضت الدولة التصريح بنشرها في كتاب إلا بعد أن أحذف منها وأعدل فيها، ورفضت أنا الحذف والتعديل، وبالتالي لم ينشر الكتاب، ولكن ليست هذه هي المشكلة، مشكلتي الحقيقية أنني منذ عامين فقدت الثقة في نفسي إلى حد أني لم أعد مقتنعًا بأن لي إنتاجا أدبيا يستحق أن يقراه أستاذي الكبير طه حسين، ووجدت نفسي صريع أزمة نفسي قاسية أبعدتني عن كل الناس، وكل مراكز الحركة، وكل من أحبهم، واكتشفت في نفسي أني إنسان ضعيف غاية الضعف، بل اقتنعت أني كنت دائما ومنذ أن ولدت هذا الإنسان الضعيف، أحمل ضعفي في داخلي، وأحاول أن أخفيه تحت ستار من العناد الكاذب، والغرور المفتعل، ولم أكن طول عمري أستطيع أن أهرب من هذا الإحساس بالضعف، إلا عندما أمسك بقلمي وأكتب، وقد كنت دائما أتحمل معاناة هائلة حتى أستطيع الهرب من ضعفي وأكتب، ولكن في السنتين الأخيرتين أصبحت هذه المعاناة أكبر من أن تحتمل، وأكبر من أن أتغلب عليها، فاستسلمت لضعفي ولم أكتب خلال هذه الفترة سوى عدد قليل من القصص القصيرة..

لماذا وماذا حدث لي..

ربما كانت هذه الجملة المجهولة الظالمة التي وجهت ضدي وأنا أنشر قصة "أنف ثلاث عيون" متسلسلة في روز اليوسف ولم تكن حملة أدبية ولم يقم بها أدباء، ولا حتى أنصاف أدباء، إنما قام بها بعض كتاب الصحف المشوهون، في وقتٍ كانت حالة الصحافة تبيح فيه لمثل هذه الأقلام أن تكتب فيها ما تشاء، وكانت الحملة تقوم كما هي العادة على اتهامي بالإثارة الجنسية واحترت، ماذا افعل إزاءها، فالذين يكتبون ليسوا من الشخصيات المحترمة الذين يستحقون الرد عليهم، وما يكتبونه ليس مناقشة موضوعية تستحق أن اشترك فيها، إنما هي حملة موجهة إلى شخصي، فلم أجد إلا أن اسكت، ولكن هذا السكوت أطع في صغار الكتاب، فاشتدت الحملة، ثم أحاطتها ظروف كثيرة انتهت بأن قدم أحد أعضاء مجلس الأمة سؤالا عن القصة إلى الوزير المختص، ولم يكن حضرة النائب أديبا، بل إنه اعترف لي بأنه لم يقرأ القصة أصلا ولكن قدمت له بعض فقرات منها، إنه نائب كان يسعى لنشر اسمه في الصحف.. فقط.

وقص عبد القدوس الحكاية كاملة في باقي الخطاب، وكان لـ"حافظ محمود" دور في إنهاء هذه الأزمة خاصة وأنه كان في هذه الفترة نقيبا للصحفيين، يقول كما أورد عبد العزيز:"كان د سليمان الطحاوي رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الأمة وقد دعاني لحضور اجتماع اللجنة التي يرأسها، وكانت هذه الدعوة مفاجاة لي، لأنه لم يقل غير أن اللجنة منعقدة الآن ويسر كل أعضائها أن يلتقوا بك، فهل لديك مانع، قلت له بل اعتبر أنني في الطريق إليكم رغم انني لا اعلم ما هو المطلوب".

ولما صرت بين أعضاء اللجنة قال لي رئيسها إن بعض أعضاء مجلس الأمة لديهم ملاحظات على القصة التي ينشرها إحسان عبد القدوس في صفحات مجلة روز اليوسف، وقد اختصر السيد رئيس المجلس الطريق فأحال إلى هذا الموضوع وقد رأت اللجنة ضرورة الاستماع إلى نقيب الصحفيين في هذا الموضوع قبل كل شيء.

كانت المسألة مفاجأة ومشكلة بالنسبة لي خاصة وقد شممت رائحة تشبه رائحة التدخل من جانب أصحاب هذه الملاحظات في جانب من جوانب حرية الرأي، لكنني فكرت سريعًا في طريق أسلم من هذا الطريق فقلت لرئيس اللجنة: عملا بلائحة مجلس الشعب، فأنا أطلب استدعاء السيد الوزير المختص لأستمع إلى رأيه قبل رأيي، فسألني وما الذي تريد سماعه من الوزير فقلت: أريد معرفة هل ما يكتبه السيد إحسان له بعد آخر غير أبعاد العروضات السينمائية التي نراها كل يوم، وأحس الدكتور الطحاوي أنني حسمت الموضوع قبل أن تبدأ مناقشته وبلباقة تامة قال لأعضاء اللجنة: ألا ترون معي أن وجود الأستاذ حافظ فرصة للاستماع إلى بعض ذكرياته.

وهكذا اشترك السيد رئيس اللجنة معي في فض هذا الموضوع بأسلوب حضاري، وأخفيت هذه الواقعة عن إحسان طيلة عمره.