الخميس 09 أبريل 2020 الموافق 16 شعبان 1441
جمال طه
جمال طه

إرهاب إدلب ينتقل لطرابلس عبر الممر التركى

الخميس 06/فبراير/2020 - 08:15 م
طباعة
الحروب تشتعل حولنا على كل الجبهات.. التطورات متلاحقة.. نلهث وراءها.. لكننا نعيشها مجزأة حدثًا بحدث.. نواجهها بروح التحدى تارة، ونستطعمها مآسى وأوجاعًا تارة أخرى، ثم يطويها النسيان، لنفاجأ بحدث جديد، نخاله وُلِدَ من فراغ، فتصيبنا الدهشة.. فى كل كتاباتى عن الحرب ضد داعش والقاعدة فى سوريا والعراق، كنت أنبه إلى عمليات تجهيز الساحة الليبية كحاضنة بديلة.. هذه التنظيمات تم تمويلها بأموال العرب، لتفتت وتدمر بلاد العرب، لذلك يستحيل القضاء عليها بانتهاء الحرب، حتى لو لحقت بها الهزيمة.. اسألوا عن جثث قتلاها لن تجدوا.. أو عن أسراها، فلن تجدوا سوى لدى القوات الكردية، حلفاء واشنطن الذين تجاوزوا دورهم المحدد، واعتقلوا منهم البعض، ترامب تركهم للعقاب التركى، قبل أن يصفح عنهم ويكلف أنقرة بمحاولة معالجة الخطأ، بقصف يصطنع الفوضى بالسجون، ما قد يوفر فرصة الهرب، ليتم نقلهم إلى ليبيا، والانتشار فى الشمال الإفريقى، وحزام الساحل والصحراء.. تلك الأسرار ينبغى سبر أغوارها.
إدلب آخر معاقل الإرهاب فى سوريا، تجمعت فيها كل الفصائل الإرهابية، وقرابة ١٢ نقطة مسلحة تركية، كانت مهمتها وفقًا لاتفاقيات خفض التوتر فى سبتمبر ٢٠١٨ إنشاء منطقة عازلة، ونزع سلاح التنظيمات الإرهابية، تركيا لم تفِ بالتزاماتها، اعتبرتها منطقة توسع لأطماعها العثمانية، واعتمدت على التنظيمات المسلحة فى تثبيت وجودها؛ سمحت لها بحرية العمل، حتى إنها كانت تقصف قوات الجيش السورى والقواعد العسكرية الروسية من داخل النقاط التركية.. وضع لا يمكن السكوت عليه.
الجيش السورى بدأ معركته الأخيرة باتجاه أرياف إدلب الجنوبى الشرقى وحلب، بدعم جوى روسى كثيف، قطع كل طرق الإمداد الرئيسية، قصف محيط نقاط المراقبة التركية لتثبيتها قبل أن يطوقها، ليحول دون مساندتها للمسلحين.. وتمكن من تحرير ريف إدلب الجنوبى الشرقى، وتقدم ليسيطر على معرة النعمان، مستهدفًا الوصول إلى سراقب، ليستعيد السيطرة على أوتوستراد دمشق - حلب الدولى «M5» الاستراتيجى، كمقدمة لتطهير إدلب.
منذ توقيع هدنة سوتشى والتنظيمات الإرهابية تعتبرها مؤقتة، لذلك قامت بحفر الأنفاق والملاجئ وشيدت المستشفيات تحت الأرض، لكن تركيا كانت تعتبر أن وجودها بالمحافظة دائم، باعتباره نوعًا من الترضية الروسية وتوزيعًا للمغانم.
التقدم السريع للجيش السورى جاء حصيلة استعدادات عسكرية لشهور، لكنه فوجئ بضعف دفاعات التنظيمات المسلحة، وخلو المدن من السكان، ومن العناصر التى يفترض تأمين داخلها، ظاهرة تثير الدهشة، لكن الحقيقة أن قيادة هذه التنظيمات فى الأسابيع الأخيرة بدأت تفقد السيطرة على عناصرها، بسبب تسابقها على التقدم إلى المكاتب التركية الخاصة بالتطوع للانتقال إلى ليبيا، إضافة إلى إخلاء تركيا عناصر جبهة «النصرة» المتعاونين معها ونقلهم إلى هناك.. وجود «النصرة» التابعة للقاعدة فى ليبيا، يسمح لها بالتواصل المباشر مع «القاعدة فى المغرب العربى»، والعمل كأدوات للمخابرات التركية، التى تهتم بالشمال والقرن الإفريقيين ودول الساحل والصحراء.
الجميع كان يدرك أن إدلب هى المعركة الأخيرة، وأن نتيجتها محسومة لصالح النظام السورى، وأنه لا خيارات للمسلحين سوى الهروب، مما يفسر تحرك تركيا النشط لتهيئة الساحة الليبية لاستيعابهم، بدعوى مساندة حكومة السراج، وبذلك تتخلص منهم، بدلًا من أن يشكلوا عبئًا أمنيًا وسياسيًا عليها.. تلك هى الخطة التى تم وضعها منذ معركة تحرير الموصل يوليو ٢٠١٧.. لكن ذلك لم يمنع تركيا من الرهان على استمرار تواجدها فى إدلب، كقوة سيطرة أمنية، استنادًا لترتيبات سوتشى، واعتمادًا على علاقات التحالف مع موسكو.
بعد دخول القوات السورية معرة النعمان، حاولت تركيا الانتقام، بهجوم منظم وعنيف شنته عناصر الحزب الإسلامى التركستانى، الموالية لها ضد المواقع السورية جنوب شرق إدلب ٢٢ يناير، متزامنًا مع هجوم آخر فى حلب هو الأول منذ تحرير المدينة. ضراوة الهجوم أجبرت قوات النظام على إخلاء مواقعها والانسحاب جنوبًا، بعد تعرضها لخسائر كبيرة، طالت عناصر روسية.. أنقرة دعمت التنظيمات الإرهابية لشن غارة بعدد كبير من الطائرات المسيرة، استهدفت قاعدة حميميم الجوية الروسية، لكن دفاعات القاعدة تمكنت من اعتراضها وتعطيلها، بعد السيطرة عليها إلكترونيًا.
عندما تيقنت أنقرة من التفوق الكاسح للجيش السورى، دفعت بتعزيزات عسكرية ضخمة لوحداتها العاملة على الحدود السورية، وداخل إدلب وجنوب غرب حلب.. وأعلنت طريق حلب - اللاذقية «M4» منطقة عسكرية، وشيدت نقاطًا دفاعية جديدة على أوتوستراد دمشق - حلب الدولى «M5» فى محاولة لمنع القوات السورية من التقدم إلى سراقب، فى تصعيد مباشر للمواجهة.. الطيران السورى قصف القوات التركية، والطيران التركى رد بالمثل، ثم انسحب عند ظهور الطيران الروسى.. الحشود التركية الضخمة تهدد بصدام واسع. أردوغان يحاول الضغط على روسيا لمنع مساندة سوريا.. زار أوكرانيا، وأكد رفضه الاعتراف بانضمام القرم لروسيا، وشدد على بدء العمل منتصف العام الجارى فى الخط الأذربيجانى الذى ينقل الغاز من حقول بحر قزوين إلى أوروبا عبر تركيا، لينافس الغاز الروسى.. أمريكا انحازت لتركيا، وحرضتها على الحرب فى إدلب، لتعمق خلافاتها مع موسكو.
دور الطيران الروسى فى العمليات، لم يكن دافعه فقط الرد على خسائر العناصر الروسية فى إدلب، ولا الهجوم المتكرر ضد قاعدتها الجوية، ولكن يستند إلى موقف استراتيجى يلتزم به الروس، وهو ضمان استعادة دمشق كامل ترابها الوطنى، لأن بقاء إدلب خارج نطاق سيطرة دمشق يعتبر خصمًا من النفوذ الروسى فى سوريا، وإساءة لسمعتها السياسية.. تفويض تركيا السابق فى إدارتها كان وضعًا مؤقتًا، يعكس دهاء الدبلوماسية الروسية وبراعتها فى المناورة.. الأزمة الراهنة قد تزعزع الثقة فى العلاقة مع أنقرة لفترة، لكنها لن تدمر علاقات التحالف، التى لم يؤثر فيها إسقاط تركيا السوخوى-٢٤ الروسية نوفمبر ٢٠١٥، ولا اغتيال السفير الروسى فى أنقرة ديسمبر ٢٠١٦، لأن علاقات المصالح بينهما أقوى من كل ما تعرضت له من أزمات.

تركيا حاولت إيجاد منافذ لتسلل عناصرها المسلحة إلى ليبيا، بعيدًا عن مظهر الغزاة المستعمرين، اعتمدت على رحلات خطوط الأجنحة الليبية إلى مطار معيتيقة التى ينظمها عبدالحكيم بلحاج الإرهابى الدولى. لكن مخاطر الحظر الجوى الذى فرضه الجيش الوطنى، وقصف المطار عدة مرات، أدى إلى توقف حركة الطيران به.. زيارة أردوغان إلى تونس، ونظيرتها إلى الجزائر، فشلتا فى إيجاد قاعدة ارتكاز، يتم نقل الدعم العسكرى عبرها إلى ليبيا.. ضعف القدرات البحرية للجيش الوطنى، وعجزه عن إحكام الحظر على الموانئ الليبية التابعة لميليشيات الوفاق، شجعا تركيا على اختراقه بالقوة المسلحة.. حيث دخلت سفينة شحن ضخمة فى حماية فرقاطتين حربيتين، إلى ميناء طرابلس ٢٩ يناير، وتم إنزال دبابات وشاحنات عسكرية ومجموعات كبيرة من العناصر المسلحة، فى خطوة غير مسبوقة، لعملية غزو عسكرى صريح.. القطع البحرية دخلت الميناء تحت حماية مشددة من ميليشيات «الردع والنواصى»، وتم نقل العتاد والذخائر مباشرة إلى قاعدة معيتيقة وسط العاصمة.
وزارة الدفاع التركية حاولت نفى تلك الأنباء، بادعاء أن القطع البحرية التى تواجدت قبالة الساحل الليبى هى فرقاطتان من فئة «أوليفر هازارد بيرى»، التى تطلق عليها البحرية التركية «جابيا»، كانتا ضمن مهام مجموعة العمليات البحرية الثانية «حارس البحر» التى تشارك فيها تركيا بعدة فرقاطات ضمن قوات حلف الناتو، للتأمين المتقدم للسواحل الأوروبية ضد عمليات الهجرة غير الشرعية، وأنهما قامتا باعتقال عدد من المهاجرين غير الشرعيين، وقامتا بتسليمهم فى عرض البحر إلى زوارق قوات حرس السواحل التابعة لحكومة الوفاق.. ولكن بالتدقيق فى الواقعة، تبين أن سفينة شحن تركية قد دخلت بالفعل ميناء طرابلس، وأفرغت شحنتها من أسلحة وأفراد فى حماية فرقاطتين تركيتين تحملان علم حلف الناتو، وهذا مخالف لتوجهات أعضاء الحلف، التى عبر عنها رفض دول الاتحاد الأوروبى وأمريكا تدخلها العسكرى.. عدم تعرض الزوارق البحرية أو الطيران التابع للجيش الوطنى أمر طبيعى، لأن الموضوع يتعلق بأسطول تابع للناتو، مما يعنى أنه عند التعرض لإحدى قطعه، فإن الأسطول سيهب بالرد، وهى مخاطرة قد لا تحتملها استعدادات الجيش الوطنى.. الموقف ينبغى معالجته سياسيًا مع الحلف، ولعل ذلك ما حاول ماكرون التنبيه إليه، عندما ألمح إلى رصد سفن تركية تنقل مرتزقة سوريين إلى ليبيا.

تركيا تشعل الموقف فى شرق المتوسط، تخلى عناصر «النصرة» والتنظيمات المسلحة من إدلب وتنقلهم إلى ليبيا، فى الوقت الذى تحاول فيه الحفر فى المربع «رقم ٨» جنوب قبرص، الذى تتمتع بامتياز التنقيب فيه شركتا «إينى» الإيطالية و«توتال» الفرنسية، وحاولت اختبار جدية اليونان فى الدفاع عن منطقتها الاقتصادية، فدفعت بسفينة حفر لمنطقة جنوب شرق كريت التى تدعى أنها تشكل الممر التركى - الليبى ٣١ يناير، لكنها انسحبت عندما تأكدت من عزم طائرات «F-16» اليونانية على إغراقها.. ماكرون استقبل رئيس وزراء اليونان للتنسيق فى مواجهة التجاوزات التركية، وألمحا إلى أنهما ينتهجان إطارًا جديدًا للدفاع الاستراتيجى، بعدها أجريا مناورة بحرية شرق المتوسط، ودفعت فرنسا فرقاطاتها إلى منطقة النزاع.. إيطاليا فاتحت ألمانيا والنمسا كمقدمة لإقناع دول الناتو بإعادة تفعيل عملية «صوفيا» البحرية، على أن تخصص لمراقبة تدفق الأسلحة إلى ليبيا، لمنع تركيا من إغراق ليبيا بالإرهابيين، وبالتالى تتصاعد عمليات تسللهم إلى أوروبا من خلال المهاجرين.

تراجع سلطة الدولة فى ليبيا، وانقسام مؤسساتها لم يمس المؤسسة القبائلية، التى باتت تشكل توجهات الرأى العام.. وطنية قادة القبائل ليست موضع شك، وهى تسبق كل الولاءات السياسية والأيديولوجية، مما يفسر انقلاب الرأى العام على حكومة السراج، منذ أن اتضح أنها تعتمد فى استمرارها على الاستعانة بالمحتل التركى، بعد فشل رهانها على الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية، كل ذلك يفسر مظاهر تراجع التأييد الشعبى للإخوان المسلمين بمدينة مصراتة معقلهم التقليدى، وفى طرابلس العاصمة، الأمر الذى دعا الإخوانى عبدالرحمن السويحلى، رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق، إلى مهاجمتهم، ودعوة الليبيين لتوحيد الصف لوضع حد لتغولهم واستئصال شرورهم من مؤسسات الدولة.
القبائل بدأت تتجه نحو تنظيم مواقفها على نحو إيجابى، عقدت اجتماعين تحضيريين فى ورفلة، ثم لقاء موسعًا فى بنى وليد ٢٩ يناير، بعنوان «الملتقى التشاورى للقبائل والمدن الليبية لبحث المستجدات والأوضاع التى تمر بها البلاد»، حذروا فيه من مغبة التدخل التركى، ودعوا إلى الوقوف فى وجهه، وقطع الطريق عليه من خلال حل ليبى- ليبى للأزمة الراهنة.. وحدة القبائل البديل الوطنى لانقسام مؤسسات الدولة.

مواجهة الأطماع التركية دوليًا وإقليميًا وداخليًا تتسم بالإيجابية، لكنها بطيئة نوعًا ما، ولو نجحت تركيا فى تثبيت أقدامها فى ليبيا، فسوف يصبح وجودها جزءًا من التوازن السياسى هناك، ما يعنى ترسيخ أقدام السراج «كرزاى ليبيا» كواجهة لتقنين الاحتلال.. نفس ما حدث فى أفغانستان، وقطر.. هو سباق مع الزمن، فمن سيكون له السبق؟!.
ads