الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 02 رجب 1441
صفاء النجار
صفاء النجار

حكايات الترياق «1»

الجمعة 17/يناير/2020 - 06:45 م
طباعة



لا تأتى النهاية دفعة واحدة.. بل دفعات.. نهايات صغيرة تغلق بابًا أو منفذًا لكن يبقى الباب الرئيسى غير مغلق، انسداد فى مسارات التوافق، التفاهم، تعرف.. خطوط الوجه تشكل كثبان الامتعاض بدلًا من سهول الرضا والانبساط الدائم.
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالخطوة التالية، ما هى القشة التى تقصم ظهر البعير؟ ما زال الركب يسير.. متباطئًا، متثاقلًا، لكنه يسير، إزاحة ما يحدث فى اتجاه ما حتى وإن كانت إزاحة مرتدة للخلف.
ليس هناك جديد.. هى سنة، محنة لم ينج منها أحد.. كيف نفسر ما لا يمكن تفسيره؟ أساطير وشعائر كى نعرف لماذا؟ محظوظون هؤلاء الذين رفضوا طرح السؤال.. لماذا نحتاج تفسيرًا؟ الإجابات خطيئة يجب التخلص منها، وتعلم قبول كل التقلبات بتسليم.. بساطة الأمور قد تعقدها أكثر مما تفعل التعقيدات، وإلا ما احتاج أتباع البوذية إلى كتابهم «كوان» وقضوا عمرهم يتأملون فى التجارب الفلسفية والفكرية.. تجارب غريبة، خيالية، ناقضت بعضها بعضًا باستمرار. لكن الحكمة دائمًا أن نكون أحرارًا، أن نعيش دون تعلق جسدى أو عقلى بأى شىء، وأنه لا توجد إجابة صحيحة واحدة.
أربعة عشر عامًا.. أربعة أيام فى كل أسبوع، ست ساعات فى اليوم، قضيتها بين هذه الجدران، المبنى المتراص بطرقاته الطويلة المتوازية والجسر المستقيم الرابط بينهما، يوحى بالإحكام، الامتداد، لن يفلت أحد، لن يراوغ، المبنى ليست به انحناءات، أو انثناءات، حدوة حصان، كماشة قابضة على المشاعر، العقل، الروح، كل شىء تحت السيطرة، الغضب، الفرح، التبرم، الانسجام المخالفة.. يسافر كاهنان سويًا فى طريق موحل يريان أمامهما مسافرة جذابة غير قادرة على عبور الطريق الوحلة. يعرض أحدهما مساعدتها بأدب، حاملًا المسافرة على ظهره عابرًا بها الشارع ثم مُنزلًا إياها على الأرض بلا أى كلمة. لكنه خالف بهذا الفعل القانون الرهبانى. لا يفترض بالرهبان الاقتراب من النساء، ناهيك عن لمس امرأة غريبة جميلة. بعد أميال من المشى، لم يعد بوسع زميله كبح جماح غضبه. «كيف أمكنك حمل تلك المرأة؟»، ابتسم الراهب، قائلًا: «لقد تركت المسافرة هناك. أما زلت تحملها أنت؟».
الأعوام الأربعة عشر.. لم تكن اختبارًا كى أضعه على ضفة ما وأمضى خفيفة، محلقة، الكيلوات التى منحت وجهى استدارة، وأخذت زهوى برشاقة وراثية، الخطوط التى تتشابك على جانبى عينى عندما أضحك، الماجستير، الدكتوراه، أبحاثى، طلبتى، مهامى، ما لا يستطيعه غيرى.. حيزى، مساحتى.. حقًا بدأت فى التقلص، لكن الغرض أن أستريح، أن أعطى خبرتى لجدد يأتون كل عام، يأتون ويرحلون، لم يستطع أى أحد أن يصمد أكثر من خمس سنوات، نتعامل كأسرة صغيرة، وفى مقابل هذه الحميمية على كل واحد أن يحمل ما يفوق طاقته وأن يحيا كليًا فى هذه الجدران، أصيبت أمى بالسرطان، تبعها أبى، سافرت أختى وعادت من الكويت، وأنا فى برنامجى اليومى وجداول التدريس وتوصيف المقررات، المراقبة، تصحيح الامتحانات، رصد الدرجات، تقارير الجودة، الروبرك، البلوبرنت..،..، الأعداد الصغيرة تنقرض أسرع، ليقتها البدنية تتراجع أسرع.. تتزايد العثرات، الملاحظات، التنبيهات،.. إساءة التفسير لكل ما أقول، التحفز ضد أى مقترح.. لكن ما لا أتخيله نزع الصلاحيات هكذا وبهذا الشكل المهين والتحويل للشئون القانونية، لماذا انقرض كل أقاربنا؟ ما السفينة التى ركبناها؟ ما الذى ثقب سفينة النجاة؟ يحتاج الأمر لإعداد ترتيب الحروف والأرقام..يحتاج للتخلى عن الذات، المشكلة أن هذا ما لا أستطيعه الآن.