الإثنين 09 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

«ألم وأمل».. هُنا يتعافى متعاطو «الاستروكس» فى مصر (فيديو)

السبت 30/نوفمبر/2019 - 07:19 م
جريدة الدستور
سمر مدحت - سالي رطب
طباعة
ركع على رُكبتيه، وأحنى رأسه؛ محاولًًا الوصول إلى قدميّ الممتدة أمامي، كي يُقبلّها، لم أشعر به إلا بعد أن لامست شفتاه قدميّ بالفعل، سحبتها ببطء شديد لأضمها إلى صدري، كان يردد كلمات بصوت متهدج وهو يبكي.

التقطت أذن "مروان سليمان" تلك الكلمات، لم تعِها في وقتها فقد كان تحت تأثير المخدرات، إلا أن ذلك المشهد كان كفيلًا لأن يأخذ قرارًا للمرة الثانية للتخلص من إدمانه لمخدر الاستروكس بعد أكثر من عامين دُمرت فيهما حياته هو وذويه.

ذهب مرهولًا إلى هُنا، حيث الأبواب المغلقة على عشرات من القصص لا تتعدى أعمار أصحابها الـ20 عامًا، عاشوا وسط أشباح رسمتها خيلاتهم، فمنهم من حاوطته الكلاب من كل جانب وحاولت نهش لحمه، ومنهم من سبح في بحر ملأت مياهه غرفته فجأة، ومنهم من قاطع من حوله وتحدث فقط مع أشخاص غير موجودين.

عالم آخر كاد يقتلهم وينهي مستقبلهم، رسمه مخدر الاستروكس في خيالهم، وسحبهم نحو القاع فلا أمل في النجاة من ذلك المخدر المميت، إلا أنهم وجدوا هذه الأبواب تغلق عليهم فجاءة، ومن بداخلها يمدون لهم يد العون ليحاربوا سويًا المخدر القاتل الاستروكس ويكونوا أول متعافين منه في مصر وربما العالم.
"مروان" من مدمن يتناول الاستروكس بشراهة إلى متعاف ومعالج

على مقعد خشبيّ، جلس "مروان" 20 داخل مؤسسة "الأصدقاء" لعلاج إدمان الاستروكس، أغمض عينيه وتملكته هزةّ خفيفة في قدمه اليمنى، فهو الآن يستحضر تجربته مع مخدر الاستروكس ورحلة التعافي منه.

يقول عن والده الذي قّبل قدمه: "لأول مرة لم تمر هذه الكلمات كما كانت تمر سابقًا، وإنما اخترقت غشاء قلبي، وترسخت في عقلي فمن أنا كي أُسبب له كل هذا الألم، وكيف جعلته يتنازل عن شموخه أمام أهل مدينتي وأقاربي الذين كانو يرونني وصمه عارٍ عليهم؟".

مروان، من أبناء محافظة الإسماعيلية وطالب بكلية السياحة والفنادق جامعة قناة السويس، ومعالج حاليًا داخل المؤسسة لمدمنين آخرين لمخدر الاستروكس المميت.

بدأت رحلة الإدمان مع "مروان"، في الرابعة عشر من عمره، تناول خلالها الخمر والحشيش، الذي لم يكن إدمانًا بالمعنى لكن خطوة على الطريق، فمن بعده أدمن حبوب الهلوسة وأخيرًا الاستروكس.

كان لقاء "مروان" الأول بمخدر الاستروكس في سن السادسة عشر صدفة، حين ذهب لجلب مخدر الحشيش كالمعتاد لم يجده فعرض التاجر عليه تجربة الاستروكس، فابتاع بالفعل كيس صغير بـ50 جنيهًا فقط، على أن يجلب له الحشيش في اليوم التالي.

"حين جربته للمرة الأولى وجدته أفضل، فيجعلني مغيبًا أكثر عن الحشيش"، مروان يؤكد أنه كان يشرب 45 سيجارة في أقل من يومين، ويشتري في الشهر بأكثر من 10 آلاف جنيه استروكس.

يضيف: "لأن مصروفي لا يكفي كنت أطلب من أمي أموالًا، وعندما ترفض كنت أسبها وأتطاول عليها، واتجهت إلى السرقة أحيانًا من المارة في الشارع، وأحيانًا أخرى كنت أرتب لعملية سرقة كبيرة مع أصدقائي المدمنين".

«مروان» يوضح أن ذويه ظنوا في البداية أنه مدمن حشيش فقط، ولكن مع تناوله لكميات كبيرة بدأ تأثيرها يظهر على سلوكه ومظهره، إلا أن والده كان على علم بانتشار مخدر الاستروكس، وبدأ محاولاته لمساعدته على التعافي.

طرقا سويًا باب مؤسسة "الأصدقء" للمرة الأولى، وظل هناك لمدة 10 أيام وهي فترة تسمى "سحب السموم من الجسد"، وعقب خروجه دوام 15 يومًا، بدون المخدر إلا أنه اشتاق إليه.

عاد له مرة أخرى، حتى بعدما احتجزه ذوية في غرفته، إلا إنه ضرب شقيقه الأكبر وهرب من المنزل، بعدما ذهب مفعول الجرعة الأولى، وابتاع كميات ضخمة من الاستروكس وظل شهرين كاملين يتناوله بشراهة مما مضى.

حين ركع والده على قدمه يُقبلها كي يترك ذلك الطريق، عزم الأمر على التعافي نهائيًا: "بعد عدة أيام عندما بدأ يزول تأثير المخدر من عقلي، لم أطلب الخروج من المؤسسة كالسابق، وأصريت على استكمال العلاج".

مرت الثلاثة أشهر الأولى في فترة العلاج بصعوبة على "مروان"، فكان مذبذب بين رغبته في الشفاء التام، وبين حاجته لتأثير المخدر على عقله، إلا أنه وجدت داخل المؤسسة المساعد من تلك المرحلة القاسية.

6 أشهر من العلاج كانت كفيلة لخروج مخدر الاستروكس من جسد "مروان"، ووقتها قرر عدم ترك المؤسسة والعمل كمعالج كى يمد يد العون لغيره: "مستحيل أن أعود مرة أخرى لإدمان الاستروكس، أركز حاليًا على عملي كمعالج وبين دراستي".



"الأصدقاء" أول مؤسسة لعلاج الاستروكس في مصر والشرق الأوسط

عام 2006، انشأت مؤسسة الأصدقاء لعلاج الإدمان بمحافظة الإسماعيلية، وشهرت من قبل وزارة التضامن عام 2007، وبعد مرور 10 أعوام، أسست أول مركز متكامل متخصص في علاج إدمان مخدر الاستروكس في مصر والشرق الأوسط عقب ظهوره وانتشاره بكثرة في دول العالم الثالث.

التحول في نشاط المؤسسة من علاج جميع أنواع المواد المخدرة إلى الاستروكس، كان سببه تطور عصر المخدرات في مصر، فلا بد أن يصحبه تطور في العلاج، فضلًا عن الانتشار الضخم الذي حققه في السنوت الأولى، بحسب أمير فوزي، المدير الإداري للمؤسسة.

يرجع المدير الإداري للمؤسسة ذلك إلى رخص ثمنه لا يتعدى عشرين جنيهًا، وسهولة تصنيعه من مواد بسيطة منها مهدأت تخلط ببعض الأعشاب؛ لذلك توسع وانتشر بين الشباب، فكان لا بد من تطوير المؤسسة والاهتمام بطرق علاج الاستروكس.

العام الماضي فقط، استقبل المركز نحو 20 حالة لمدمني استروكس من الفئة العمرية أقل من 18 عامًا، غير مدركين لخطورة إدمان مخدر كالاستروكس، ويتلقون العلاج لمدة 6 أشهر تزيد وتنقص بحسب الحالة.

وصلت نسبة التعافي بالمركز إلى 80% أي من بين كل 100 مدمن للاستروكس يتعافي 80 شخصًا، واستقبل المركز 70 حالة منذ افتتاحه من بينهم عرب وفئات اجتماعية مختلفة، ومن مستوى الجمهورية وتحديدًا محافظات القناة والشرقية، وهناك ممرض لكل 4 مدمنين، وكل ثلاثة مدمنين في غرفة واحدة.

بحسب المدير الإداري، عادة ما يجبر الأهل الأبناء على العلاج ولا يوكن لهم إرادة خالصة في ذلك، وهو أمر يزيد رحلة العلاج صعوبة بعكس من يأتي بإرادته.

يدخل المريض في أول يوم له مركز سحب المخدر لمدة أسبوع أو 10 أيام، لوجود حالات تشنج وصرع تنتهي بالأدوية، وتعاطي المنومات حتى لا يشعر بالآلم وقت سحب المخدر.

ثم مرحلة الاستشارين لمدة شهر كامل لكون المريض تكون رغبته في التعافي صعودًا وهبوطًا، ثم مرحلة العلاج والتأهيل السلوكي ينحصر خلالها دور الأدوية، ثم ثلاثة شهور أخرى بداية التعافي يكون فيه 8 فقرات علاجية خلال اليوم يتخللهم دروس اجتماعية ودينية.

وأخيرًا مرحلة المتابعة في الشهر الخامس أو السادس، وفيها يعود إلى منزله بضعة أيام ثم يعود مرة أخرى للمؤسسة، ويظل على ذلك الحال حتى يتم التأكد من التعافي التام، مختتمًا: "المركز عالج فيما سبق 4 أشخاص من إدمان الاستروكس هم حاليًا معالجين لمدمنين آخرين بالمركز".

من التدخين إلى الاستروكس.. رحلة "أشرف" مع التعافي


مر عام ونصف على آخر سيجارة ستروكس تعاطاها "شرف سعد" 23 عامًا، متعاف آخر في مؤسسة الأصدقاء، ومن يومها تبدل له الحال وعادت إليه حياته الطبيعبة كما يصف.

كان عمره وقتها 18 عامًا حين اتجه إلى مخدر الاستروكس، رغم تفوقه قبل تلك الفترة في دراسته وممارسته للرياضة المستمرة، وامتلاك مشروع لغسيل السيارات ومكتب دعايا وإعلان.

بدأ الأمر معه بالسجائر ومنها إلى الحشيش وبعد شهرو قليلة كان الاستروكس: "لم استطع الابتعاد عنه، ولم يعلم أهلي بشأنه فكنت أجلبه من مالي الخاص، ومع الوقت توقفت التجارة، وبعت المغسلة والمكتب تدريجيًا لشراء الأستروكس، الذي كان لاينقص أبدًا من غرفتي ولا تمر ساعة دونه".

يقول: "طوال فترة إدمان الاستروكس، كنت منعزل عن أهلي في المنلز، إذا مرض أحدهم أنا لست موجود، لو عانوا من أي مشكلة فلا علاقة ليّ بها، وكنت ناقم على كل شيء وأشعر أن الجميع يكرهني".

دخل "أشرف" أكثر من مشفى للتعافي من الإدمان، إلا أنه في كل مرة كانت حالته تزداد سوءً فيعود لتناوله وبكميات ضخمة؛ لعدم وجود مشفى متخصص في علاج الاستروكس.

يشير إلى أن جسده بدأ في الانهيار، بسبب الكميات التي يتناولها، يصف أن حياته توقفت وقطار أصدقاؤه سار سريعًا فمنهم من أنهى دراسته والتحق بمجال العمل بل وتزوج وكون أسرة، وهو لا يفكر سوى في السرقة من أجل توفير ثمن الاستروكس.

إلى هُنا قرر اللجوء إلى مؤسسة الأصدقاء للتعافي من ذلك المخدر المميت، ومكث هناك 4 شهور حتي انهى برنامج التعافي، وحاليًا يسعى لإنهاء دراسته والزواج والبدء في البحث عن عمل وحياة جديدة.
عنف وانتحار أحيانًا.. محطات رحلة سحب المخدر

منذ عام مضى، كان الدكتور محمد أنيس، طبيب نفسي داخل مركز علاج إدمان الاستروكس، يمر على المرضى؛ لمتابعة تناولهم الأدوية المخصصة لهم في مواعيدها، ومراقبة تصرفاتهم أيضًا عن بُعد لكتابة التحليل النفسي لها فيما بعد.

أحد مدمني الاستروكس من النزلاء الجُدد كان يرفض تناول الدواء من الممرضة المختصة، وبدأ صياحه يعلو ويصدر عنه عنف لفظي تجاه المؤسسة، حين ذهب له الطبيب متتبعًا صوت الصياح وجده يريد جرعة من الاستروكس.

المريض كان في مرحلة سحب المخدر من الجسد، وهي المرحلة الأصعب في رحلة التعافي من إدمان الاستروكس وفقًا لـ"أنيس"، الذي يعمل في المركز منذ عام ونصف، ومسؤول عن الإشراف الطبي والنفسي للنزلاء.

عمله في معالجة مرضى الاستروكس ينقسم إلى شقين، الأول علاج طبي بكتابة الأدوية اللازمة، التي تبعده عن الاكتئاب و الأفكار الانتحارية خلال فترة العلاج، والثاني علاج نفسي من خلال التأهيل السلوكي.

يقول: "نستطيع احتواء أي عنف يصدر من مدمني الاستروكس، ولا نقابله بعنف مماثل أو إجبار على شيء، كل ما في الأمر إننا نوحي إليه أن فكرة العلاج والتعافي نابعه منه وليس مجبرًا عليها، فتبدأ استجابته تتحسن تدريجيًا.

نقلة نوعية في طبيعة عمل "أنيس"، الذي كان يتعامل مع مدمني المخدرات العادية وأصبح الآن متخصص في علاج مدمني الاستروكس، مشيرًا إلى أن الفئة العمرية الصغيرة تزيد الأمر صعوبة، كذلك نوع المخدر وخطورته.

يقول: "معظم الحالات تكون طلاب في مدارس وجامعات، فلا بد من برامج مفتوحة تتيح له الدراسة والعلاج في ذات الوقت، إلى جانب أن المخدرات العادية أعراضها واضحة ومعروفة طبيًا بعكس الاستروكس فلا توجد له تجارب علاجية في مصر والشرق الأوسط".

الطبيب المعالج، يؤكد أن الاستروكس خطورته ليس لكونه مادة مخدرة كيميائية ولكن لأنه يُصنع في "بير السلم" والتركيبات تختلف من تصنيع وخلطة إلى آخر.

يضيف: "ظهر الاستروكس في العالم منذ ثلاثة باسم الفودو وكان سعره مرتفع للغاية، وحين انتشر في مصر منذ عامين تم خلطه بمواد آخرى أكثر خطورة وسُمى بالاستروكس وأصبح ثمنه رخيص في متناول الجميع".

ما يدفع الشباب المراهق بكثرة نحو الاستروكس هو رخص ثمنه وإتاحته، إلى جانب أنه المخدر الوحيد الذي لا تظهر أعراضه على المدمن بالتحليل فيستطيع المراهق خداع ذويه، فضلًا عن فكرة التجريب والشعور بالنشوة الوهمية، عكس الفئات الأكبر سنًا التي تتناوله بنسب أقل من أجل الهروب من الأزمات.

بحسب الطبيب، فإن متعاطي الاستروكس هو مريض ذهُان، وهي أعلى درجات المرض النفسي، التي تصيبه بهلاوس وضلالات غير موجودة في الواقع، فهو يجمع بين الإدمان والمرض النفسي الذي قد يؤدي به إلى الانتحار.

متعاطي الاستروكس تصدر عنه بشكل مفاجئ تصرفات شاذة وغريبة لكونه مغيب، "أنيس" يضيف، والذهُان المُصاب به لا يظهر كعرض وقت الحاجة للجرعة ولكن ظهوره مفاجئ ويستمر من 5 – 15 دقيقة وتطول مع زيادة جرعات التعاطي وتغيير تركيبة الاستروكس، عكس المخدرات العادية التي يكون العرض فيها مصاحب لوقت الجرعة.

أخطر ما قد يصدر عن مدمن الاستروكس، كما يرى الطبيب المعالج، هو إذائه لنفسه أو الانتحار وهي فكرة لحظية قابلة للتنفيذ لكونه مخدر سريع، يسيطر على خلايا المخ ويدفعه بشكل لا إرادي نحو العنف لا سيما في مرحلة سحب المخدر الأولى.

70 حالة مرت على "أنيس" طوال عام ونصف عُمر مؤسسة "الأصدقاء" لعلاج إدمان الاستروكس كانت أعمارهم من 12 – 20 عامًا ونسبة الأعمار الثلاثينة لم تتخط 10%، لم يتبق منهم سوى من 20 - 25 حالة وتم تعافي الحالات الأخرى.

علق في ذهنه حالة واحدة، لشاب في المرحلة الجامعية، أتى به والده إلى المركز يبكي بسبب اكتشافه أنه مدمن مخدر الاستروكس طالبًا علاجه، إلا أن الشاب بعد فترة وجيزة أقنع والده بإنه تماثل للشفاء ويريد الخروج.

وحين خرج على مسؤولية والده عادة مرة أخرى لإدمان ذات المخدر المميت، وأدخله والدة ثانيةً في مؤسسة "الأصدقاء"، وظل عامًا كاملًا على ذلك الحال يخرج ثم يعود ولازال يتلقى العلاج ولم يتعاف بعد.

غرف الاعتراف.. هُنا يكسر المريض أبواب الصمت

داخل غرفة منفصلة خافتة الإضاءة، يتسللها إليها صوت موسيقي هادئ يساعد على الاسترخاء، لا يوجد بها سوى مريض يرافقه الدكتور محمد جمال، إخصائي اجتماعي، يعمل في مؤسسة الأصدقاء منذ عام ونصف.

بكلمات بطيئة مترددة بعضها غير متزن، يبدأ المريض الحديث بمعلومات أولية عن نفسه، لا يعرف لماذا أتى إلى هُنا ومتى سيخرج ويُقال عنه متعافي من إدمان مخدر الاستروكس؟.

يجد جميع الأجوبة عند الاخصائي الاجتماعي "محمد جمال"، الذي عمل في عدد من السجون والمستشفيات قبل أن يستقر في مركز تعافي إدمان الاستروكس، داخل تلك الغرفة التي يستقبل فيها مرضى المخدر المميت، ويكون أول شخص يتعامل معه المريض بمجرد دخوله المؤسسة.

جلسة تعارف متبادلة بين المريض والاخصائي، يعقبها أخرى يتحدث فيها المريض عن مشاكله فقط في ذات الغرفة، أما الثالثة فيصبح الاخصائي صديقًا للمريض وتكون لقاءاتهم خارج غرفة الجلسات.

يقول الاخصائي: "في أول جلسة لا بد أن أكسر الحاجز بيني وبين المريض، بتأكيدي الدئم له إنني كنت يومًا ما مثله ولم أخلق إخصائي أو قديسًا، فالجميع مُعرض للخطأ والتوبة أيضًا".

عقب الجلسة الأولى يكتب الاخصائي ملف خاص عن المريض يدون به كل المعلومات الشخصية التي قالها، والأزمات التي يعاني منها، ونقاط قوته وضعفه وصفاته.

أما الجلسة الثانية يعقبها ملف آخر خاص بالمريض به الأسباب الاجتماعية التي أدت به إلى إدمان الاستروكس، ورؤيته لأهله وأصدقاؤه والمجتمع المحيط به، ويذهب الملفان إلى الطبيب النفسي المعالج لكتابة الأدوية اللازمة.

جمال، يوضح أن دوره هو حلفة الوصل بين المريض والمشرف والطبيب المعالج والأهل، فهو أشبه بالمحور الذي يدور حوله مجموعة من النقاط لكون المريض يجلجأ إلى الكذب والمراوغة أحيانًا كثيرة وتصيبه هلاوس، مبينًا أن مسؤوليته أيضًا حلّ أي مشكلة يواجهها المريض حتى وأن كان يريد الخروج من ذلك المكان.

بحسب الاخصائي الاجتماعي فإن الفئات العمرية مدمنة مخدر الاستروكس تتراوح أعمارها من 16 - 25 عامًا، وتكون الدوافع عادة من المجتمع متمثل في الأهل والأصدقاء بنسبة 40%، أو ضغوط نفسية بنسبة 20%، ونسبة ضئيلة تتعلق بالعلاقات العاطفية أو الزوجية.

الفئة الاجتماعية ليست شرطًا قويًا في تناول مخدر الاستروكس، وفقًا للإخصائي الاجتماعي، ولكن 60% من الحالات المترددة على المؤسسة تكون من الفئات الشعبية لكون المخدر رخيص ومتاح في كل مكان.

أصعب ما يعاني منه الدكتور "محمد جمال"، هو أن أغلب مدمني الاستروكس في مرحلة المراهقة، وهي مرحلة حساسّة بحسب وصفه، والتعامل بها يكون صعبًا في الأحوال العادية، وإدمان مخدر مميت مثل الاستروكس يزيد الأمر صعوبة.

يرى: "أحاول التغلب على مشكلة المراهقة، بإقناع المريض إنن أصدقاء من الممكن أن نخرج ونتحدث كأخ وشقيقه وليس مريض ومعالج، وما يساعدني هو مروري وانتهائي من فترة المراهقة، ما يزيل أي عوائق بيبنا ويجعله يشعر بالارتياح تجاهي وأضع يدي على نقاط قوته وضعفه".

استجابة مدمن الاستروكس للاخصائي الاجتماعي، لا تظهر في الجلسة الأولى، لكونه في البداية لا يكون مقتنع بفكرة العلاج والابتعاد عن ذلك المخدر، وفقًا لـ"جمال" الذي أكد أن الحل هنا يكون الضغط على نقاط الضعف الخاصة بمستقبله وأهله وإمكانية العودة للحياه مرة أخرى.

يضيف: "تبدأ استجابة المريض للاخصائي خلال الجلسة الثالثة، لأن الجلسة الثانية تكون أعراض سحب المخدر بدأت تظهر عليه، فيكون حديثه غير متزن فالاستروكس مدة كيميائية وليس مخدرة تضغط على المخ والأعصاب، فيشعر المريض بالخوف أحيانًا وأخرى تأتيه نوبات ضحك".

يُسمي الاخصائي الاجتماعي تلك الحالة بالاضطراب في التعامل، فخلال مرحلة سحب مخدر الاستروكس من جسد المريض، يشعر بالموت والشك في أقرب المحيطين به، وقد تصل إلى تخيل أشخاص غير موجودين يتعايش معهم، وخطورتها في الوصول إلى الانتحار.

على مدار عام ونصف تعامل فيهم "جمال" مع أعداد كبيرة من مدمني الاستروكس، علقت حالة "رامي" في ذهنه، فهو شاب أدمن الاستروكس في مرحلة الثانوية العامة، هروبًا من الصراع الأسري الضخم بين الوالدين.

بدأت أزمته النفسية بحسب الاخصائي، حين كان طفلًا في العاشرة من عمره، وأدمن والده تناول المخدرات وكان يصحبه معه لجلبها، حتى شبّ الطفل على المخدرات وأدمن الاستروكس.

يقول: "قمنا بعمل جلسة لذوية لكن التفاهم معهم كان مستحيلًا وعلمت وقتها مدى الصراع النفسي الذي نشأ فيه الطفل، فكل طرف يرمي باللوم على الآخر، ومقتنع بعدم تقصيره في حق ابنه، وكانت الجلسة الأولى على مدار عملي التي لم أخرج بأي شيء مفيد منها".