الأحد 08 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

البطريرك الباكى على الكنائس المنهارة

الثلاثاء 19/نوفمبر/2019 - 11:31 م
طباعة


عندما خلا الكرسى المرقسى بنياحة البابا ميخائيل الثانى البطريرك ٦٨ فى ٢٥ مايو ١١٠٢م، وكان ذلك فى فصل الصيف، حيث كان المصريون مشغولين بموسم الحصاد وجمع المحصول الزراعى، واكتفى الأساقفة بتبادل رسائل التعزية، إلا أنهم اجتمعوا معًا بعد عيد الصليب فى شهر أكتوبر ١١٠٢م واتفقوا على إرسال وفد إلى دير القديس أنبا مقار ببرية شيهيت.
مكث الوفد فى الدير أكثر من أسبوعين بحثًا عن راهب يحيا فى نسك حقيقى، وتقوى حقيقية، وبُعد عن المظاهر العالمية، دون أن يصلوا إلى قرار حاسم. وفى نهاية الشهر القبطى «بابه» ٨١٩ للشهداء اجتمعوا كعادتهم يوميًا، وظلوا يدرسون من فى تلك البرية من الآباء الأتقياء المقيمين فى الصوامع وشقوق الأرض بعيدًا عن أضواء العالم. وفى النهاية اتفقوا فى انسجام روحى عجيب على راهب بإرشاد من الله يُسمى الراهب «مكارى» (أى طوباوى وباليونانية مكاريوس). برع هذا الراهب فى رسم الأيقونات، كما اشتهر بالوداعة والإيمان والعلم، وقد ظهر الفرح على وجوه المندوبين من الأساقفة والأراخنة عندما رأوا هذا الراهب الفنان.
اجتمع الأساقفة واتفقوا كلهم دون استثناء على الموافقة على اختيار أراخنة مصر، فذهب بعضهم وقبض على الراهب مكارى فرفض وامتنع، وطلب منهم أن يعفوه، وقال لهم: «لا تفعلوا يا إخوة، أنا لا أصلح لهذه الرتبة، أنا لا علم لى، ولا كهنوت، ولا أصلح لما تريدون منى»، فلم يسمعوا لكلامه ولا التفتوا إلى قوله، وقيدوه وأخذوه عنوة، وهكذا كان يتم اختيار الرهبان للبطريركية، فكانت حياتهم فى البطريركية استمرارًا لحياتهم الرهبانية التقوية. وذهبوا به إلى القاهرة فوصلوا إلى كنيسة القديس قزمان التى عند «القنطرة» «كانت تقع أمام ضاحية فُم الخليج جنوبى القاهرة والكنيسة تقع بين فُم الخليج وبين حصن بابليون (مصر القديمة) ولا أثر لهذه الكنيسة الآن».
أسرع الشيخ أبوالفضل الكاتب القبطى وابن تلميذ أسقف مصر «القاهرة» الذى كان يُدعى «سهنوت» إلى الوزير «الأفضل» وأعلمه بوصول الموكب القادم من برية شيهيت ومعهم المُختار للبطريركية، كما طلب منه أن يصدر أمره إلى والى الإسكندرية ليعفى الراهب المُختار من دفع الضريبة التى يفرضها ولاة الإسكندرية على كل من يعتلى الكرسى المرقسى، لأنه راهب ضعيف فقير كان يسكن فى البرارى والقفار، ولم يقتن دينارًا ولا درهمًا ولا شيئًا حتى ليسد رمقه، فقبل «الأفضل» هذا الطلب، كما رأى أن يدعو الراهب مكارى وناخبيه لمقابلته قبل سفرهم إلى الإسكندرية. فخرج أبوالفضل فرحًا متهللًا وأبلغ قومه بذلك فألف الأقباط موكبًا عظيمًا وساروا خلف الراهب المختار حاملين المجامر والشموع مضاءة فى أيديهم وهم يرنمون بالتراتيل الدينية والتى امتزجت بالبخور المتصاعد حتى وصلوا إلى دار «الأفضل»، وقد سار فى موكبهم والى القاهرة ورجاله. ولما دخلوا إلى قصر «الأفضل» رفع الراهب مكارى يده بالبركة والكلام الجيد يخرج من فمه، فكان يُحسن الكلام ولا يردد كلامًا غير مدروس يسىء به إلى شعبه ووطنه، فرآه السيد «الأفضل» بسيطًا عفيفًا حسن الوجه وديعًا جيد الكلام، فأكرمه السيد «الأفضل»، وأدناه من مجلسه، وأجلسه بالقرب منه، وأكرمه إكرامًا كثيرًا وخاطبه بمودة حقيقية، وأمر بكتابة منشور إلى والى الإسكندرية يأمره فيه بتقديم كل التسهيلات فى رسامة البابا الجديد، كما أمره بالتجاوز عن الضريبة المفروضة فى مثل هذه الظروف. وفعلًا تنازل الوالى عن الضريبة المفروضة تنفيذًا لأمر «الأفضل».
غادر الراهب مكارى دار السيد «الأفضل» وهو مُكرم جدًا، لأن الرب نظر إلى اتضاعه فكان سندًا حقيقيًا له، ففرح الشعب فرحًا عظيمًا وأخذوا المنشور وذهبوا إلى الإسكندرية، فخرج الشعب للقائه بالشموع والألحان، وقابل والى الإسكندرية فلاقاه بالترحاب، وأحسن إكرامه ومنع موظفى المدينة من تكليفه درهمًا واحدًا، لأنه راهب فقير.
وقد تم وضع اليد عليه وتمت شعائر الرسامة والكل راض عنه، لأنه كان اختيارًا إلهيًا مباركًا، فى كنيسة القديس مرقس مقر الكرسى المرقسى، وذلك يوم ١٣ هاتور ٨١٩ للشهداء الموافق ٩ نوفمبر ١١٠٢م، وأخذ اسم البابا مكاريوس الثانى البطريرك ٦٩. وبعد سيامته أسقفًا للإسكندرية -ومن ثم أصبح بابا وبطريركًا- أقام بالإسكندرية ١٢ يومًا، ثم سافر إلى القاهرة، حيث قضى عدة أسابيع احتفل فى نهايتها بعيد الغطاس المجيد فى شهر يناير ١١٠٣م، وفى اليوم التالى مباشرة ذهب إلى دير أنبا مقار بوادى النطرون، حيث قضى فيه فترة الصوم الكبير «أو الصوم الأربعينى المقدس» وأسبوع البصخة «أو أسبوع الفصح المقدس» وعاد بعد عيد القيامة مباشرة إلى القاهرة.
بعد عودة البابا بأيام قليلة حدث فى رابعة النهار ظلام دامس ورياح هوجاء وزلزلة عنيفة أفزعت سكان القاهرة، وفى الليلة التالية انهارت كنيسة الملاك ميخائيل التى كانت موجودة بجزيرة على النيل «وهى جزيرة الروضة بالمنيل»، وقد أشيع بأن هناك سببًا خفيًا فى انهيار الكنيسة لكنه مجهول! وحزن الأقباط من سقوطها حزنًا عظيمًا، وبلغ الخبر البابا مكاريوس الثانى فحزن أيضًا على سقوطها، وقال: «حدث هذا فى أيامى لكثرة ذنوبى»، مما يدل على الروح التقوية التى كان يتحلى بها، ولأنه راعٍ صالح ذهب على الفور إلى مكان الكنيسة وبكى عليها بكاءً مرًا عندما رأى الأنقاض، وطلب من الكهنة رفع الأوانى والكتب المقدسة من بين الأطلال، ونقلها إلى كنيسة القديسة العذراء مريم المعلقة وقد تم ذلك، بهذا العمل أعاد إلى ذاكرتنا عمل «نحميا» النبى عندما تهدمت أسوار أورشليم، وقال لشعبه: «أنتم ترون الشر الذى نحن فيه، كيف أن أورشليم خربة، وأبوابها قد أحرقت بالنار! هلم فنبنى سور أورشليم ولا نكون بعد عارًا». ولأمانة نحميا النبى أخبر شعبه عن يد الرب الصالحة عليه، فقالوا «لنقم ولنبن» وشددوا أيديهم للخير.
رحل البابا مكاريوس الثانى البطريرك ٦٩ لكن أعماله الجليلة مازالت تتحدث عنه.