الأحد 17 نوفمبر 2019 الموافق 20 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

جنة المتوسط.. "الدستور" تحدثكم من قبرص: كيف يعيش أهالى جزيرة الأحلام؟

الثلاثاء 05/نوفمبر/2019 - 08:30 م
جريدة الدستور
سارة شريف
طباعة
إذا قررت يومًا الاسترخاء والتخطيط لرحلة استمتاع واستجمام، وإذا كنت من محبى الشواطئ والآثار والحياة الليلية الصاخبة، وقررت أن تكون أوروبا وجهتك وتريد زيارتها من أسهل طريق دون أن تتورط فى الإجراءات المُعقدة لاستخراج تأشيرة «الشنجن»، وبميزانية محدودة نسبيًّا وتكاليف أقل، فأنت تبحث دون أن تدرى عن رحلة إلى قبرص.. تلك الجزيرة المثيرة فى البحر المتوسط التى بإمكانها أن تمنحك كل ما سبق وأكثر منه.

وتعود تسمية قبرص «Cyprus» إلى شهرتها القديمة بمعدن النحاس «Copper»، والكلمة مستمدة من التسمية الإغريقية للجزيرة «Kypros» التى تعنى باللاتينية «Cuprum» أى نحاس. لكل محبى السفر والراغبين فى زيارة «قطعة من الجنة»، هذه مشاهد من «أيام وليال» قضيناها فى الجزيرة التى تقع فى قلب البحر الأبيض المتوسط، وتمنح زوارها كل الأشياء.

«فيزا» سهلة وطيران «ساعة وتلت» من القاهرة.. المرور «إنجليزى» والتاكسى «غالى».. والشواطئ مدعمة أو مجانية

الطريق إلى قبرص يبدو بسيطًا، وإجراءات الحصول على «الفيزا» الخاصة بها ليست مُعقدة، فعلى الرغم من أنها دولة تابعة للاتحاد الأوروبى فإن لها تأشيرة خاصة. وإذا كانت لديك تأشيرة «الشنجن» بالفعل فأنت لا تحتاج إلى تأشيرة قبرص، لكن تأشيرة قبرص لا تُمكنك من دخول منطقة «الشنجن».
وترحب قبرص بزوارها من كل أنحاء العالم، لكن ولأنها تعتبر المحطة الأولى فى أوروبا، فإن أبوابها ليست مفتوحة على مصراعيها أمام أى زائر، وستمنحك «الفيزا» فقط إذا كانت أوراقك سليمة ولا توجد شكوك حول نيتك فى الهجرة غير الشرعية، ومع ذلك تظل أسهل فى الدخول من دول الاتحاد الأوروبى كافة.
الرحلة إلى الجزيرة المثيرة ليست مرهقة، فبعد ساعة وثلث من مطار القاهرة ستجد الطائرة تهبط فى مطار «لارنكا» وهو أكبر مطاراتها، إلى جانب مطار «بافوس»، لتجد نفسك بالوصول إلى هناك فى ثالث أكبر جزيرة بالبحر الأبيض المتوسط، بعد الجزيرتين الإيطاليتين «صقلية» و«سردينيا».

هنا ستعيش أيامًا داخل منطقة خلابة فى شرق «المتوسط»، تقع فى جنوب شرق أوروبا وشمال غرب آسيا، إلى الغرب منها توجد اليونان على مسافة ٨٠٠ كيلومتر، وإسرائيل من الجهة الجنوبية الشرقية، وتركيا من الجهة الشمالية على مسافة ٧٥ كيلومترًا، وسوريا من الجهة الشرقية على مسافة ١٠٥ كيلومترات، كما تبعد حوالى ٣٨٠ كم عن شمال مصر.
منذ اللحظة الأولى لن تشعر بالغربة، فبرغم اللافتات المكتوبة بالحروف اليونانية، وجوه البشر هناك مألوفة وتشبهنا، وإذا حاولت أن تسأل عن أى شىء سيبتسمون فى وجهك ويرشدونك بلطف.
أتذكر أننى تعثرت فى تركيب شريحة الهاتف القبرصية فى هاتفى، فجاء إلىّ أحد العاملين فى مكاتب استئجار السيارات وظل حوالى ربع ساعة يساعدنى فى حل المشكلة، وفى النهاية قال لى مبتسمًا: «أهلا بكِ فى قبرص».
وجهتى الأولى فى قبرص كانت مدينة «آيانا نابا»، وجهة السياح من جميع أنحاء العالم، والطريق إليها من «لارنكا» حوالى ٣٥ دقيقة بالسيارة. بشكل ما المدن القبرصية ليست بعيدة عن بعضها، لكن لا يمكن أن نصف شبكة المواصلات فى قبرص بأنها عظيمة، فلا توجد سكك حديدية فيها، وتعريفة «التاكسى» غالية، لكن شركات استئجار السيارات منتشرة وبشكل كبير.
تتوفر «الباصات» للنقل بين المدن الرئيسية، وهناك «باصات» داخلية ذات لون أصفر وتديرها بلدية نيقوسيا، كما يتوفر استئجار اليخوت فى مدينتى «ليماسول» و«لارنكا» مع طاقم بحارة أو من دون طاقم.
المرور فى قبرص يتبع النظام الإنجليزى، أى قيادة السيارات والحافلات وجميع أنواع المركبات من الجهة اليسرى، وهى بذلك واحدة من ٤ بلدان فقط فى الاتحاد الأوروبى تقود على اليسار، الثلاثة الأخرى هى بريطانيا وأيرلندا ومالطا.
ونصيب الفرد من ملكية السيارات الخاصة جعل قبرص تحتل المرتبة ٢٩ فى العالم، فالسيارات الكورية والفرنسية الصغيرة مثل «الرينو» و«الكيا» منتشرة هنا بشكل كبير، حيث السيارة ليست «رفاهية» بل من ضرورات الحياة.
الطبيعة الجذابة فى قبرص تلمس قلبك بسرعة، ولا يمكنك اعتبارها دولة شواطئ أو دولة غابات أو دولة جبال، فبها كل شىء، على مساحة الجزيرة الشاسعة التى تمتد إلى ٩.٢٥١ كيلومتر مربع، منها ١.٧٣٣ كم مغطاة بالغابات، التى يبلغ طولها ٢٤٠ كيلومترًا من الشرق إلى الغرب، وعرضها ١٠٠ كيلومتر من الشمال إلى الجنوب.
وهنا يمكنك مشاهدة ٢٠ نوعًا نادرًا من بساتين الفاكهة، و٣٧١ نوعًا من الطيور المهاجرة. ومن بين مجموع ١٩٥٠ نوعًا من النباتات المزهرة فى جميع أنحاء العالم، توجد ١٤٠ نوعًا فى قبرص فقط. كما يمكن رؤية مجموعة نادرة من الأغنام، مثل «قبرص مافون».
ويقسم الجزيرة سهل عميق يعرف بـ«ميزاوريا»، وبها سلسلتان جبليتان: فى الشمال سلسلة جبال «بينتاذاكتيلوس»، وفى الجنوب الغربى سلسلة جبال «ترودوس»، كما توجد بها أقدم آبار المياه فى العالم.
أما الشواطئ، فهى كثيرة ومزدحمة، لكنها راقية، ولا تتبع الفنادق، بل مفتوحة للجماهير برسوم دخول بسيطة وأحيانًا دون رسوم، فقط ٢ ونصف يورو لاستئجار الـ«شيزلونج» ومثلها لاستئجار «الشمسية»، كما أن هناك شواطئ يجلس فيها المواطنون على الرمال دون استئجار، وأشهرها: «نيسى بيتش»، و«ماكرونيسوس»، و«كونوس بيتش».

الشمس مشرقة 300 يوم فى السنة.. والكنيسة مسيطرة وتمتلك أكبر بنك

مثلما لا يمكن تصنيف طبيعتها الخلابة، لا يمكن أيضًا تصنيف الأنشطة بها، فرغم أنها جزيرة لا يميل القبارصة، كما يبدو، لصيد السمك. ميناء «لارنكا» الشهير مثلًا ممتلئ باليخوت، ويوجد به جانب صغير لقوارب صيد السمك، أما باقى القوارب واليخوت فهى من أجل الرحلات السياحية البحرية.
بشكل لافت يمكنك فهم أن السياحة أهم مصادر الدخل القومى، ويعمل حوالى ثلاثة أرباع السكان فى مجال الخدمات، بينما تشغل الزراعة ٥٪ فقط من الأيدى العاملة، وتتميز البلاد بصناعة النبيذ والجبن والأحذية والأخشاب، وتبلغ نسبة البطالة حوالى ٣.٦٪.
الطقس فى قبرص شرق متوسطى معتدل مقارنة بدول أوروبا الباردة، ويجعلها مناسبة للزيارة خلال أشهر كثيرة فى العام، وكما قال لى «أجلاسيوس»، التاجر ذو الـ٥٠ عامًا: «قبرص معروفة بأشعة الشمس. نحن نستقبل أشعة الشمس لأكثر من ٣٠٠ يوم خلال العام، ولدينا فقط ٤٠ يومًا من الأمطار كل عام».
وقال «أجلاسيوس»: إن «الأوروبيين يأتون هنا للدفء»، قلت له: «الدفء هنا ليس فقط فى الطقس.. أنتم تستقبلون الغرباء بدفء أكبر»، فأكد ذلك، واستفاض قائلًا: «نحن نحب الجميع، ولا توجد عندنا أزمة مع أى زائر مهما كان موطنه أو لونه أو عرقه أو دينه. نستقبل الجميع بذات الود. نحن نحب العالم حقًّا».
كان «أجلاسيوس» من أوائل القبارصة الذين تعرفت عليهم فى رحلتى، والحقيقة أنك حتى لو سافرت وحيدًا، ستُكون خلال ساعات معدودة صداقات سريعة.
بدأت الاحتكاك بمواطنى قبرص لأعرف أكثر عن هذه الجزيرة، هم بسطاء مثل بلدهم، يبتسمون ويرقصون، يتحدثون بصوت مرتفع وضحكاتهم عالية، يعاملون الغرباء برفق، يتحدثون بسهولة ويتطرقون لموضوعات مختلفة بسرعة ودون حواجز، يعرفون كثيرًا عن المصريين.
ينقسم سكان البلاد عرقيًّا ولغويًّا ودينيًّا حسب التقسيم السياسى الحالى للجزيرة إلى جزء يونانى فى الوسط والجنوب «القبارصة اليونانيين»، وجزء تركى فى الشمال «القبارصة الأتراك». تتشابه الطائفتان فى العادات الاجتماعية، ومختلفتان فى أمور كثيرة أخرى وخاصة الدين.
اللغة اليونانية هى اللغة الرسمية لجمهورية قبرص، بينما اللغة التركية هى الرسمية فى الجزء المحتل، وانتشرت فى الشمال بعد نشأة شمال قبرص التركية، ونزوح اليونانيين إلى الجنوب، وقبل ذلك كانت اللغة اليونانية هى اللغة الأكثر انتشارًا.
القبارصة يتحدثون اللغة الإنجليزية ذات اللكنة البريطانية بطلاقة، يرجع ذلك إلى فترة الاستعمار الإنجليزى لهذه الجزيرة، وهناك لغات أخرى تخص الأقليات، ومنها العربية والأرمينية والمارونية والروسية.
تمامًا كاللغة فإن الدين مقسم حسب الطائفة، القبارصة اليونانيون يدينون بالمسيحية الأرثوذكسية، أما القبارصة الأتراك فيدينون بالإسلام، بجانب طوائف أخرى، مثل الأرمن والموارنة ٠.٩٪، والروم الكاثوليك ١.٥٪، وكنيسة إنجلترا ١.٠٪، و٠.٦٪ من المسلمين، و١.٣٪ من الطوائف الدينية الأخرى.
الأعراق أيضًا مختلفة ومتنوعة، هناك ١٠٥٢٠ شخصًا من أصل روسى يعيشون فى قبرص، ويوجد بها مقيمون من بريطانيا وبلغاريا والفلبين وسريلانكا وفيتنام وسوريا والهند، كما يوجد بها مقيمون دائمون من الخارج، وكذلك مهاجرون غير شرعيين يحملون وثائق غير شرعية.
قبرص أيضًا تعتبر من الدول الأكثر تدينًا فى الاتحاد الأوروبى، فأول رئيس لقبرص، مكاريوس الثالث، كان رئيس أساقفة، وكانت هى السابقة الأولى من نوعها فى الاتحاد. يوم الأحد تُسمع أصوات أجراس الكنائس مرتفعة، وعند مداخل الكنائس ترى المصلين بأعداد كبيرة، وبجوار الكنائس توجد فصول صغيرة لتعليم الأطفال تعاليم الدين، تسمع أناشيدهم الدينية بصوت مرتفع، ليس هذا فقط، بل أكبر بنك فى قبرص مملوك للكنيسة الأرثوذكسية القبرصية. تلعب الكنيسة أيضًا دورًا مهمًا فى الحياة الاجتماعية والسياسية لشعب الجزيرة.

«سوفلاكى» و«شفتاليا» أشهر الأكلات.. والتعليم الجامعى «بره البلد»

الطعام فى قبرص حكاية أخرى من حكايات الجزيرة المثيرة، ليس لأنها فقط دولة شرق متوسطية وهؤلاء مشهورون بالطعام الرائع، لكن المطبخ القبرصى مميز وشهى، ورائحة الأطعمة يمكنك شمها فى جولة سريعة بالشوارع.
الأطباق القبرصية تشمل المأكولات البحرية والأسماك والأخطبوط والبورى الأحمر، ويتم استخدام الخيار والطماطم على نطاق واسع، كما تحتوى معظم الأطباق على المستحضرات النباتية مثل البطاطا بزيت الزيتون والبقدونس والقرنبيط المخلل والبنجر، وكذلك الأطباق التقليدية مثل اللحم المتبل ببذور الكزبرة المجففة والنبيذ، ولحم الضأن المشوى على الفحم، والأكلة الأشهر تسمى «سوفلاكى»، وهى «لحم الخنزير والدجاج المطبوخ على الفحم»، و«شفتاليا» وهى «لحم مفروم ملفوف على الفحم».
الخضروات الطازجة والفواكه أيضًا تستخدم بكثرة فى جميع الأطباق القبرصية، خاصة الكوسة والفلفل الأخضر والبامية والفاصوليا الخضراء والخرشوف والجزر والطماطم والخيار وأوراق الخس والعنب، والبقوليات مثل البازلاء والفاصوليا السوداء والعدس. والفواكه الأكثر شيوعًا هى الكمثرى والتفاح والعنب والبرتقال واليوسفى والكرز والفراولة والتين والبطيخ والأفوكادو والليمون.
بنظرة صحفى اعتاد أن يدرس تجربة الإعلام فى كل مكان يزوره، سألت صاحب كشك عما يبيعه من جرائد. أخبرنى بأنه يوزع ٧ صحف يومية، وعددًا آخر من الصحف الأسبوعية والموسمية، وهناك ٧ محطات تليفزيونية للجزيرة، و٦ محطات تليفزيونية محلية، و٣٨ محطة إذاعية، فضلًا عن وكالة أنباء واحدة، هى وكالة قبرص للأنباء.
كلما عرف أحد من القبارصة أننى صحفية خصنى بمعاملة راقية وخاصة. هم بسطاء كما يبدو، لا يبالون بشىء على الإطلاق، لكن لديهم وعى فى الوقت نفسه، هم يفهمون كل ما يدور فى العالم حولهم، لكن لا يبالون به على الإطلاق. فهمت أن لدى قبرص نظامًا تعليميًا جيدًا، لكن معظم القبرصيين يحصلون على شهاداتهم الجامعية فى الخارج، إذ يدرس ٧٨.٧٪ فى جامعة خارج قبرص، خاصة فى جامعات يونانية وتركية وبريطانية وأمريكية، ويكون التعليم الابتدائى والمتوسط بالمجان.
ولدى قبرص جامعة واحدة و٣٠ كلية ومؤسسة تعليمية، وما يقرب من ٧٪ من الناتج المحلى الإجمالى يتم إنفاقه على التعليم، ما يجعل قبرص واحدة من أفضل ٣ دول إنفاقًا على التعليم فى الاتحاد الأوروبى، إلى جانب الدنمارك والسويد، كما أن قبرص لديها أعلى نسبة من المواطنين فى سن العمل حصلوا على تعليم عالى المستوى فى الاتحاد الأوروبى بنسبة ٣٠٪ وهو أعلى من ٢٩.٥٪ فى فنلندا.
فهمت أكثر عندما تحدثت إلى الشاب القبرصى «نيكولاس» الذى شرح لى أنه رغم كونه من عائلة بسيطة، فإنه استطاع أن يكمل تعليمه فى لندن، ورغم ذلك عاد ليعمل «نادلًا» فى أحد المقاهى، وفهمت منه أن الأعمال الخدمية فى قبرص يعمل بها الحاصلون على أرقى الشهادات.
ads