الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441

الكلب

السبت 02/نوفمبر/2019 - 07:48 م
جريدة الدستور
شريف الحسينى
طباعة


الحالة الآن لا يمكن تصورها.
يهدر الراديو بجوارى، ولا أدرى عن أى شىء يتحدث المذيع؟، ويبدو أن المذيع لا يدرى أيضًا.
أعدت بناء الأفكار وحوائط العمارة التى نشع الماء من أجنابها أكثر من مرة، وفى كل مرة أحس بطراوة الحوائط كأنها جلود حريم.. أتحسسها وتطير عصافيرى، أتحسسها وتطير عصافيرى أكثر من المرة الأولى، وفى المرة الثالثة تظهر النجوم فى السقف بوضوح.

«قابيل قتل هابيل.. لكن احمد ربنا.. أنا باموتك بالبطىء...»، قالها الكلب لكلب يجلس أمامه تضايق عندما أشعل الأول سيجارة، لكنه كان يقصدنى أنا.. وأنا لم أكره الكلاب ذات يوم، لكنه كان يبرز أطراف كرهه وأنيابه المهترئة فى مساحة من المحبة المصطنعة.. فيبصبص بذيله الخارج من خرم أعلى بنطلونه ويهز مؤخرته لكى يحصل على سيجارة أو كوب شاى، وليس فى جيبى سوى ثلاث سجائر اشتريتها «فرط» لتكفينى طول النهار، أعطيه واحدة ونخمّس فى أخرى.
هو لم يستطع أن يضاجع زوجته أبدًا، وجلس يوم الفرح فى الكوشة كمَن بال على نفسه، محاولًا رسم ابتسامة عريضة، وساندًا رأسه ذى البوز المسحوب بسبابته ذات المخلب، وباتفاق غير معلن كان أخوه يقوم بدوره كاملًا.
بعد فترة ولدت زوجته.
كان يجلس أمامنا يتباهى بأنه ذاهب الآن، لأن الليلة «خميس»، وأنه قبل الزواج قطّع السمكة وذيلها.. و.. و.. إلخ.. هو الآن واقف فى الطريق، لم يصبه سعار أو جنون الكلاب، ويعض ما استطاع من العابرين.

دق الباب، ودخل قلت: «إن الثعابين تأتى على السيرة!».. خبط رأسه فى سقف الغرفة، لا أدرى لطوله أم لقصر الجدران؟.. لكنها كانت حالة فريدة من الذبح.
أشرت له، وأنا جالس على السرير، فاستجدانى بعيونه ثم أغمضها، وعوى وهو ينزل بجذعه معتقدًا أنى سأثبت سيجارة فى فمه.. سحبت السكين الذى كنت أخبئه تحت المخدة دائمًا على رقبته بخفة كما يفعل بائع البطاطا فى الجذر المشوى.
صار يستنشق الهواء فيخرج من زوره المقطوع فيصدر شخيرًا هائلًا.. وذيله الذى كان لا ينعدل بتعليق قالب طوب تهدّل وصار مستويًا ورخوًا تمامًا.
سحبت الدم من على الأرض بسرنجة قديمة، وملأت زجاجة علقتها بفتلة دوبارة على باب الحمام لطرد الناموس.
اتصلت بطبيب أعرفه شكلًا، وكلمته بهدوء:
- عايز كلب مذبوح للتشريح؟
- أنا دكتور بشرى مش دكتور بيطرى؟
أغلق السماعة بشدة لدرجة أن طبلة أذنى دقت كالطبلة البلدى.. وظللت فترة أسمع الطنين وأصوات جنادب غير موجودة.. وتذكرت أنى اتصلت به أكثر من مرة فى أيام سابقة.
رائحة الدم جذبت القطط، فتصارعت على لحس ما تبقى من خيط الدم الطويل. وأصيب قطى «زقلط» الذى يشبه الببر بحالة هياج عندما أمسك رقبته محاولًا تخليص قطعة لحم، فضربتها بشدة ورزعت الباب.. استطالت رقاب الأشياء من حولى، وهى تبص علىّ وعلى الجثة ثم تعود إلىّ.. وقفت على السرير بشموخ، وقلت:
- أيها السادة.. إنها حرب.. وأنا لم أبدأ حربًا معه.. هو عضنى أثناء المشى فى شارع بسيط خافت الضوء، وظن أنى لن أعرفه فلماذا عضنى؟
قلتها ثم أضفت:
- وأنا لم أفعل له شيئًا.. ارحمونى أيها السادة.. النجوم فى السقف.. والعصافير ملأت الحجرة عدة مرات وطارت.. وكما ترون فالميت كلب. وعلى الطرق كلاب.. وقد عضونا.. فمنا من ذهب إلى المستشفى وأخذ واحدًا وعشرين حقنة وشفى.. ومنا من لم يستطع الذهاب، فمات بالبطىء.. بعد ذلك جاءنى ليسرق ما تبقى من دم فى عروقى.. وإن لم أقتله لكان قتلنى.. ولا أستطيع استعمال أساليب الكلاب فى القتل البطىء.. ولم يتحرك بندول الساعة وتدور العقارب إلا عندما طرطش الدم.. هكذا أيها السادة.. لا تبحلقوا فىّ.. وإن أردتم.. لصقت له رقبته، وذبحته لكم مرة أخرى.. ويشهد علىّ العالم وأنا أفعلها!!.
استعادت الأشياء هدوءها لكن عيونه ظلت مبحلقة فىّ، وأنا أجرّه خلفى نازلًا على السلم.