-
الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 19 ربيع الثاني 1441
لواء. محسن الفحام
لواء. محسن الفحام

حروب الفتن

الإثنين 21/أكتوبر/2019 - 07:52 م
طباعة
قال تعالى فى كتابه الكريم بسورة البقرة: «والفتنة أشد من القتل» صدق الله العظيم...
تتعرض بلادنا حاليًا لموجات من الفتن التى يتفنن صانعوها فى إثارتها بحيث تتلاءم مع طبيعة المجال والأشخاص الذين تنتشر فى أوساطهم، وتشير كل الدلائل والمؤشرات إلى أنها مدروسة بعناية فائقة، وكل منها يخاطب شريحة معينة من المجتمع، ومن المحتمل أن أحدًا لم ينتبه لهذا عند تناول موضوعات وأساليب حروب الجيل الرابع دون أن نتعمق فى الوقوف على نجاح أهل الشر فى اختيار تلك الشريحة، التى تبث فيها تلك الفتن، بحيث تؤتى نتائجها بصورة فاعلة وسريعة ومؤثرة لتسبب التوتر والانفعالات، بل وأحيانًا الاضطرابات والوقفات الاحتجاجية وإثارة حالة من السخط على الأوضاع، التى تتواجد بها هذه الشريحة.
نتحدث اليوم عن «الفتن العمالية» و«الفتن الرياضية» ومدى تأثيرهما على ذلك المجتمع الذى تبث فيه هذه الفتن.
بداية يجب أن نشير إلى أن الفتنة تختلف عن الشائعة، فهى ذات مفهوم أشمل وأوسع منها.. فمن الممكن أن تنتشر الفتنة بين الناس من خلال مشاهدة أفلام تتضمن مظاهر من العنف والقتل يكون لها انعكاس على سلوكيات الأفراد، خاصة الشباب والأطفال، وهو ما نراه اليوم فى واقعة مقتل الشاب محمود البنا على أيدى ثلاثة من الشباب طعنًا لمعاتبته أحدهم على معاكسة فتاة بالشارع.. والغريب أن القتيل والقتلة جيران وأصدقاء إلا أنهم تأثروا بأفلام العنف، التى تستخدم فيها الأسلحة البيضاء فى القتل.. أما الشائعة فهى انتقال معلومة مغلوطة بين مجموعة من البشر قد يكون لها تأثير سلبى أو إيجابى.. وبناء عليه فإنه يمكن القول إن كل شائعة فتنة وليست كل فتنة شائعة.
منذ عدة أيام تبلغ لنا من أحد العاملين فى شركة من شركات القطاع العام أن هناك حالة من التذمر بين أوساط العاملين بها نتيجة تأخر صرف مستحقاتهم وحوافزهم، فى حين أنه تم صرفها لكبار العاملين بتلك الشركة، وعلى الفور تم التواصل مع المسئولين بنقابة العاملين بالشركة وباتحاد العمال وبالأجهزة المعنية، حيث تم احتواء تلك الفتنة بعد مرور ٤٨ ساعة، مما ترتبت عليها خسائر قدرت بعدة ملايين من الجنيهات.. ونكتشف عقب ذلك أن من قام بالإبلاغ عن تلك الحالة هو نفسه من أشعل الفتنة بين العاملين وبمجرد انتشارها بينهم توجه إلى منزله حتى يبعد الشبهة عنه، ولولا يقظة الأجهزة الأمنية لاستفحل الأمر أكثر من ذلك.
وقد وجدنا أن معظم أسباب إثارة الفتن فى الأوساط العمالية تتعلق بالأمور المالية فقط، أما النواحى الإدارية فتأثيرها محدود فى هذا الصدد.. ومن هنا فإنه من اللازم أن نقف دائمًا على المتطلبات المشروعة لتلك الفئة مع استئصال العناصر الإثارية الموجودة بها والتى يمكن اعتبارها من الخلايا النائمة، التى تسعى لاستغلال أى قصور متعمد أو غير متعمد لإثارة القلاقل والتوترات بين أوساط العمال.
على صعيد آخر، ننتقل إلى ما يمكن أن نطلق عليه الفتن الرياضية، وهى تلك الفتنة التى تستهدف جماهير كرة القدم تحديدًا، وتعمل على تأجيج مشاعر الكراهية والخلاف بينهم.. وهذا الدور سبق أن قامت به جماعة الإخوان الإرهابية بكل احترافية ونجاح فى إشعال الفتنة بين جماهير النادى المصرى والنادى الأهلى من خلال استخدام حسابات وهمية على شبكات التواصل الاجتماعى أكدت أن جماهير كل فريق سوف تعتدى على الآخر.. بل إن بعض العناصر المدسوسة تمكنت من إغلاق أحد مخارج الاستاد، وهو الأمر الذى ترتب عليه وقوع مأساة مذبحة استاد بورسعيد، التى راح ضحيتها ٧٢ شهيدًا.. وقد تبين أن الإخوانى الإرهابى محمد البلتاجى كان على علم بما سوف يحدث، بل شارك فى التخطيط له.. وكان المقصود من ذلك أيضًا إحراج المجلس العسكرى، الذى كان يتولى شئون البلاد خلال تلك الفترة. واليوم نجد الإعلامى الإخوانى علاء صادق، الذى كان يعمل مذيعًا فى إذاعة الشباب والرياضة قبل أن يكشف عن وجهه الإخوانى ويهرب إلى قناة الجزيرة، يبث برنامجًا يوميًا لمدة ساعة، يستخدم فيه ذات الأسلوب القذر فى إحداث الوقيعة بين جماهير قطبى الكرة المصرية الأهلى والزمالك، وأصبح كل منهما متحفزًا تجاه الآخر، بل إن تأثير تلك الفتنة قد انتقل إلى قيادات الناديين الكبيرين وتصاعدت الأزمة بشكل أكبر، خاصة بعد تأجيل موعد مباراة الفريقين دون سبب مقنع، وها نحن نرى انعكاسات ذلك على صفحات التواصل الاجتماعى من ملاسنات وتجاوزات وانفعالات بين جماهير الناديين، بما ينذر بالخطر الكبير حال إقامة تلك المباراة، وذلك بالرغم من أن الموسم الكروى لم يمض عليه سوى ثلاثة أسابيع فقط، ولم تظهر به أى ملامح للإثارة أو الأهمية.. وللحقيقة فقد كنت أتمنى أن تقوم الجهات المختصة بشئون الرياضة وتأمينها فى مصر بإصدار بيانات شافية وواضحة، خاصة من جانب اتحاد الكرة ووزارة الداخلية، لتحديد المبررات الحقيقية لتأجيل هذا اللقاء، درءًا للاجتهادات واحتواءً لتلك الحالة من الغضب والتوتر بين الناديين.
وبالأمس القريب تمكنت قوات الأمن بمحافظة الإسكندرية من القبض على أحد مشجعى نادى الاتحاد السكندرى وبحيازته أربعة أسلحة بيضاء «مطاوى».. كان يحملها داخل المدرجات ويلوح بها فى عدة صور تم تداولها وانتشارها بين جماهير النادى العريق وهو الأمر الذى أثار الفزع والقلق بين أبنائه وجماهيره.. فكيف تم السماح له بالدخول إلى تلك المباراة وهو يحمل تلك الأسلحة؟. وهنا يجب ألا نغفل دور الألتراس من مشجعى الأندية المختلفة، خاصة الأهلى والزمالك، والتى من المؤكد أن يكون بها عناصر مندسة من شباب جماعة الإخوان والعاطلين والذين يلعبون دورًا كبيرًا فى تأجيج مشاعر الجماهير وإثارتهم واستفزازهم، ويكفى أن نراهم فى المباريات وهم شبه عرايا فى المدرجات، ويهتفون ويتحركون بشكل يثير الرعب فى الحضور، خاصة إذا كان من بينهم سيدات وأطفال حضروا لتشجيع فريقهم.
إننى أناشد جميع المسئولين عن الرياضة فى مصر، بدءًا من السيد الوزير مرورًا برؤساء الأندية ثم الجماهير وأجهزة الأمن، ضرورة وأد تلك الفتنة وتفويت الفرصة على القائمين عليها، وذلك من خلال عقد اجتماع موسع برئاسة القيادة السياسية أو من ينيبه سيادته لوضع بروتوكول تعامل وتفاهم واحترام بين جماهير الكرة المصرية، وكذلك قيام الأجهزة الأمنية برصد العناصر الإثارية ومنعها من دخول الأندية المختلفة التى تقام عليها المباريات الرياضية.. بل والتعامل معهم جنائيًا فى حال صدور أى تجاوز منهم فى هذا الصدد.. وللحديث بقية.
وتحيا مصر...