الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

أيمن فايز: ظهور ذاتية الفنان في رسم "الأيقونة" نوع من الهرطقة

الأحد 20/أكتوبر/2019 - 11:30 م
أيمن فايز- عدسة طارق
أيمن فايز- عدسة طارق الجباس
إيمان عادل
طباعة
نشأ الفنان أيمن فايز عطية في أسرة كاثولوكية، كان يعتاد الذهاب للكنيسة، المكان الذي نادرا ما يتم الالتفات له كمتحف جمالي مفتوح، فالكنائس المصرية حوائطها وجدرانها مليئة بالرسومات والزخارف والألوان الجذابة، بالإضافة لوجوه القديسين المرسومة بتعابير تجعلها تكاد أن تنطق، قباب وأسقف شاهقة وحيز جمالي مؤثر.

كانت هذه البيئة كافية لإمداد الفنان أيمن فايز عطية بمخزون جمالي في مرحلة الطفولة جعلته يحاول في البداية تقليد الرسومات والزخارف والأيقونات، وقرر التخصص كفنان تشكيلي يرسم اللوحات التجريدية والسوريالية لكن سرعان ما جذبه مرة أخرى مخزون الطفولة عن الفنون الكنسية وقرر أن يميل بشكل شبه كامل إلى مجال رسم الأيقونات ويختار طريقها الأصعب وهو رسم الأيقونة البيزنطية.

بمناسبة سعة نتاجه في مجال الأيقونة البيزنطية أجرينا معه هذا الحوار للوقوف على الفرق بين الأيقونة القبطية والأيقونة البيزنطية وعن خصائص الأيقونات وتاريخها وتأثيرها وعن مساره ومآلاته في الفن التشكيلي، وإلى نص الحوار.

- كيف بدأت علاقتك بالفن التشكيلي والأيقونات البيزنطية بشكل خاص؟
اعتدت منذ طفولتي تقليد الرسوم، كانت محاولات شغوفة لكنها بدائية، فقررت دراسة الفن التشكيلي بالمرحلة الجامعية وبعد التخرج حاولت السفر لإيطاليا لتعليم فنون رسم الأيقونة البيزنطية لكن لم تنجح محاولاتي حتى قررت التواصل مع الفنان اليوناني ثيودوروس بابادوبولوس الذي قرر أن يتبنى سفري لليونان لتعليمي رسم الأيقونة البيزنطية، كما تعلمت على يد الراهبة اميرنسيانا، فاليونان هي المنبع والمدرسة لتعليم الأيقونة البيزنطية ومنها تعلم الروس وكل فناني دول شروق أوروبا احتراف رسم الأيقونة.

أما أسباب انجذابي لرسم الأيقونة لأنه يحتل فيها المعنى الباطن نفس مكانة الشكل الظاهر، نرسم فيها بألوان "التمبرا" وهي الألوان الطبيعية وممنوع فيها الرسم بالألوان الصناعية.

- لماذا يتم رسم الأيقونة البيزنطية بالألوان الطبيعية حصرا؟
لأن فلسفة رسم الأيقونات البيزنطية ترى أن الأيقونة مقدسة لا تصلح فيها الألوان الصناعية، هذا ضد قانون الأيقونة لابد أن يكون كل ما فيها من خلق الله ومن الطبيعة لذلك نستخدم ألوان التمبرا الطبيعية وهي غالية جدا عبارة عن أحجار مسحوقة من الطبيعة سواء من الجبال أن مناطق طبيعية بها أحجار تشبه الأحجار الكريمة يتم جلبها وسحقها ولابد أن يكون الحجر قادر على أن يعطى صبغته، نقوم بمزج المسحوق مع صفار البيض بتقنية معينة فالبيض ينسق القوام ويقوم بوظيفة تشبه وظيفة الصمغ، مع إضافة قطرات من الخل حتى لا يفسد اللون بسبب البيض السريع التعفن، الألوان يتم جلبها من جبال بروسيا وألمانيا وإيطاليا واليونان وعادة ما تكون الألوان الساخنة كاللون الأحمر أغلى من الألوان الباردة كالأزرق مثلا، حتى أن الجرام من مسحوق اللون الأحمر تصل قيمته ل 1500 جنيه ( حوالي 100 دولار) أغلى من سعر جرام الذهب.

-هل تلتزم الأيقونة القبطية بنفس هذه الشروط في استخدام ألوان التمبرا؟ وما هي الفروق أيضا بين الأيقونتين القبطية والبيزنطية؟
رسامو الأيقونة القبطية لا يلتزمون بالرسم بألوان التمبرا من الممكن أن يرسموا بألوان صناعية لكن الأيقونة البيزنطية وهي الأصل لا تزال تلتزم بالشروط الفنية والروحية والفلسفية لرسم الأيقونة. ففلسفة رسم الأيقونة تبدأ من اسمها، فرسام الأيقونة يسمى أيقونجرافر، فهو يكتب ولا يرسم، لأنه يستخدم نصوص الكتاب المقدس ويحولها إلى صور مرئية من خلال المساحات والألوان عكس الفن التشكيلي الذي يعتبر ذاتي بشكل كبير، لكن راسم الأيقونة يلغى ذاتيته تماما ويلتزم بالنصوص المقدسة في رسم الحكاية وفي ملامح الشخصيات المقدسة وفي حتى الخلفية التي ترسم عليها الأيقونة فكلما تجرد الأيقونجرافر في محو ذاتيته كلها كانت أيقونته احترافية.

-ماذا عن اختيار الألوان في صور الأيقونة هل الايقونجرافر له حرية اللعب بالألوان؟
له حتى الألوان لا يمكننا أن نستخدمها في غير سياقها فكل لون له رمزيته وسياقه، مثلا اللون الأحمر هو علامة المُلك، والأخضر علامة البشرية والانتماء للأرض، والأزرق يدل على الصفاء والروحانيات والأصفر علامة المجد، فمثلا حينما أرسم السيدة العذراء لابد أن يكون وشاحها الخارجي أخضر، لأنها بشرية لكن عندما أرسم السيد المسيح لابد أن يكون وشاحه الخارجي أحمر لأنه إلهي، والرداء الداخلي للعذراء أحمر لأن المسيح بألوهيته أعطاه جانب من الملوكية والقداسة لكنها في الأصل بشرية.

-هل متاح استخدام كل الألوان بدرجاتها أم هناك ألوان ممنوع استخدامها؟
نعم اللون الأسود لا نستخدمه فدلالته تعني الظلمة وهو ضد روح الأيقونة نستخدم في الغالب كافة الألوان وأيضا حسب سياقها وأغلب الألوان المستخدمة هي الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر.

-كيف يتم اللعب بمساحة الظل والنور أثناء رسم الأيقونة؟
النور مهم جدا في الأيقونة ولا أقصد هنا الإضاءة الخارجية التي تسلط على اللوحة بل لابد أن يكون النور نابع من داخل الأيقونة وليس من خارجها لأن هذا أيضا من فلسفات رسم الأيقونة فإن لم يخرج النور من قلب الأيقونة فهى بذلك لم تؤدِ وظيفتها الفنية والروحية وتعد أيقونة غير مكتملة، وذلك اتساقا مع النص المسيحي"خلق النور فكان حسنا".

-كيف يُخلق هذا النور داخل الأيقونة؟
يحدث ذلك على سبع مراحل ورقم سبعة هنا له رمزية أيضا ويرمز إلى أيام الخلق السبعة والأيقونة حين تنتهي كأنها في اليوم الثامن للخلق أي في يوم القيامة حيث الملكوت، المرحلة الأولى من خلق النور نسميها المرحلة الطينية يكون الوجه يشبه لون الطين وخلال ست مراحل أخرى بتقنيات معينة نخلق النور في الأيقونة والذي يشع في العادة من الوجه في مناطق الجبهة والعين بشكل أساسي.

-ماذا عن الهالة النورانية حول رأس المسيح والعذراء والقديسين هل هي أساسية في رسم الأيقونة؟
نعم أساسية فالهالة النورانية في المسيحية أساسية في رسم الشخصيات المقدسة ولابد أن يكون بداخلها رمز الصليب انطلاقا من النص المسيحي "أنا النور الحقيقي" "أنا شمس البر".

-ما السمات التشريحية لرسم وجوه الأيقونة هل هناك قاعدة ؟
بالتأكيد، فأنف الشخصية المقدسة بالأيقونة لابد أن تكون أنف طويلة للدلالة على أن الشخصية ملوكية ممتلئة بروح القدس حسب المفهوم المسيحي، والعيون لابد أن تكون كبيرة ولوزية حتى "تحتوي ناظرها وناظروها لا يحتوونها" بحسب النص المقدس، والشفايف صغيرة للدلالة على التزامها بلغة الصمت أكثر من الكلام، والأذن متوارية للدلالة على أنها لا تصغي للعالم، والرقبة العريضة للدلالة على أنها تستنشق الروح القدس، وأي خروج عن هذه القوانين التشريحية يعد نوع من الهرطقة.

- ما هي قوانين الأيقونة الأخرى؟
الأيقونة لها ثلاث قوانين أولا أن تكون غير مطابقة للواقع بل ملتزمة بالنص المسيحي، وغير مرتبطة بالزمان والمكان ولا يوجد بها البعد الثالث أي العمق تكون طول وارتفاع فقط فالعمق تجسيم أشبه بالتمثال والتجسيم يدفع أحيانا للعبادة نحن نكرم شخصيات الأيقونة لكن لا نعبد الأيقونة.

هناك أيضا ضرورة أن تحوي صورة السيدة العذراء على رسم ثلاث بشارات "نجوم"، البشارة الأولى تعنى ستحمل، والثانية تعنى أنها أثناء الحمل والثالثة تعنى بعد الولادة وذلك للدلالة على استمرارية البتولية للسيدة العذراء وأن الولد المسيح ليس من صنع البشر.

-هل لك أيقونات معروضة بكنائس وأبرز الذين اقتنوا أيقوناتك؟
لدي أيقونة بكنيسة "سان توماس" في بروكلين، أيقونة بكنيسة القيامة في بروكلين، وأيقونة بكنيسة القديس بطرس وبولس في لندن، أيقونة بدير دومبوسكو في لبنان، أيقونة في سفارة الفاتيكان بالقاهرة وهى لوحة السيدة العذراء مع الطفل في بهو السفارة، أيقونة معلقة بسفارة كوديفوار، وأيقونات في روما.
ads