الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

معركة السد

الأحد 06/أكتوبر/2019 - 07:52 م
طباعة

لم تنته الحرب، كما أوضحنا أمس، لكن مع استعادة مصر عافيتها العسكرية، السياسية والاقتصادية، اختلف الوضع تمامًا، وتحققت قفزات تنموية، تكفى وزيادة لأن تفخر ببلدك، بجيشك، وبنفسك، وألا تلتفت إلى أكاذيب، ادعاءات، أو هلاوس، مَن يحاولون إشاعة اليأس والإحباط، فى عالمهم الوهمى أو الافتراضى، سواء كانوا من الضالين، أو المغيبين أو الكارهين لبلدهم وأنفسهم.
الحرب التى لم تنته، كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسى، أمس الأحد، بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر، تغيرت أشكالها وأساليبها، خلال العقود الأخيرة، وصولًا إلى استهداف الروح المعنوية للشعوب، ولتصل إلى المواطن داخل بيته من خلال وسائل الاتصال والإعلام الحديثة. حربٌ تستهدف إثارة الشك والحيرة، وبث الخوف والإرهاب، وتستهدف تدمير الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية بتصوير الدولة كأنها هى العدو، وتصبح الجهات الخارجية التى تشن الحرب، كأنها هى الحصن والملاذ.
الجهات الخارجية التى تشن الحرب، لها أهداف ومصالح، تسعى إلى تحقيقها باستخدام سبل مختلفة، وأطراف داخلية وخارجية عديدة. وليس بعيدًا أن تكون الأطراف مسئولة عن وصول المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبى، التى انعقدت على مدار يومين بالعاصمة السودانية الخرطوم، إلى طريق مسدود. والإشارة هنا مهمة إلى أن مصر فى أكثر من مناسبة، محلية ودولية، أعربت عن عدم ارتياحها من طول أمد المفاوضات، ومن تشدد الجانب الإثيوبى وعدم تفاوضه بالقدر المطلوب من الإخلاص، ومحاولته التنصل مما تعهد به فى اتفاق أو إعلان المبادئ، الذى تم توقيعه فى مارس ٢٠١٥.
عندما عرضت إثيوبيا على مصر مشروع السد، سنة ٢٠٠٨، بمواصفات تتمثل فى تخزين ١٢ مليار متر مكعب، وافقت مصر على المشروع. لكن معايير ومواصفات السد تغيرت بعد سنة ٢٠١١، ومن هنا تولد الخلاف، حيث إن إثيوبيا لم تبلغ مصر بالمعايير الجديدة. وعليه، أعتقد أن هناك دوافع سياسية وراء الموقف الإثيوبى، وأن هناك قوى خارجية تحرضها على ذلك. واتهم شهاب الولايات المتحدة بأنها تقف وراء ذلك، لأن لديها عقدة نتيجة بناء مصر السد العالى، وتريد الانتقام منها لأنها رفضت، وقتها، مشروع البنك الدولى، فانتهزت الفرصة لتنكل بمصر، وساعدت إثيوبيا من خلال المنح والقروض.
ما سبق ننقله عن الدكتور مفيد شهاب، ونضيف إليه ما أشرنا إليه، أمس، بأن النصر الكبير الذى تحقق فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ بإرسال جماعة الإخوان إلى القبر، وإسقاط قادتها أو غلمانها عن حكم مصر، ليسقط معهم مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، الذى حاولت ثلاث إدارات أمريكية تحقيقه. ومفيد شهاب، لو لم تكن تعرف، هو رئيس جامعة القاهرة الأسبق وأستاذ القانون الدولى فيها، رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولى، عضو اللجنة القومية للدفاع عن قضية طابا، وزير التعليم العالى الأسبق كما كان وزيرًا للمجالس النيابية والشئون القانونية، وهو أحد أبرز رجال الدولة المصرية. وتصادف أن يكون الرجل هو شخصية عدد أكتوبر من «مجلة السياسة الدولية» التى يرأس تحريرها زميلنا وصديقنا الكبير أحمد ناجى قمحة. وتضمن العدد حوارًا مهمًا مع الرجل، جرى، فى ٢٥ أغسطس ٢٠١٩، سنتوقف عنده غدًا.
بهذا الشكل، أو بعد هذا الكلام، يمكنك النظر، أو إعادة النظر، إلى ترحيب مصر بالتصريح الصادر عن البيت الأبيض بشأن المفاوضات الجارية حول السد، والذى تضمن دعم الولايات المتحدة لمصر والسودان وإثيوبيا فى السعى للتوصل لاتفاق على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبى يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث، وبمطالبة الولايات المتحدة الأطراف الثلاثة بإبداء حُسن النية للتوصل إلى اتفاق يحافظ على الحق فى التنمية الاقتصادية والرخاء وفى الوقت ذاته يحترم بموجبه كل طرف حقوق الطرف الآخر فى مياه النيل.
الرئيس قال بوضوح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن مصر منفتحة على كل جهد دولى للوساطة، وحث جميع الأطراف على التحلى بالمرونة، سعيًا للتوصل لاتفاق مُرضٍ للجميع. وعليه، كان طبيعيًا أن يعلن المُتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية أن مصر تتطلع لقيام الولايات المتحدة الأمريكية بدور فعّال فى هذا الصدد، خاصة على ضوء وصول المفاوضات بين الدول الثلاث إلى طريق مسدود، بعد مرور أكثر من أربع سنوات من المفاوضات المباشرة، منذ التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ.
مع ذلك، رأت الخارجية الإثيوبية فى تمسك مصر باتفاق المبادئ مثالًا آخر «على التكتيك التخريبى الذى تعتمده من أجل وقف عملية تقييم التأثير البيئى والاجتماعى للسد»، وزعمت أن مطالبة مصر، بدعوة طرف دولى رابع لحل المشكلات القائمة حول السد، «لا مبرر لها». بينما لو رجعت إلى اتفاق المبادئ المُوقع فى الخرطوم ٢٣ مارس ٢٠١٥، ستجد أن أحد بنوده ينص بوضوح على جواز طلب الوساطة الدولية لتسوية النزاعات.
ads