السبت 19 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
RevUP Advertisements

محمود قرني يستعرض مساره الشعري في "كبُرت وكبُرت معي خطاياي"

الأحد 22/سبتمبر/2019 - 11:57 ص
جريدة الدستور
آلاء حسن
طباعة
عرض الشاعر محمود قرني، مساره في الشعر تحت عنوان "كبُرت وكبُرت معي خطاياي؟!"، وذلك بمؤتمر قصيدة النثر بدورته السادسة، الذي انطلق مساء أمس السبت، بأتيليه القاهرة بمنطقة وسط البلد، ومن المقرر أن يستمر حتى غدا الإثنين.

وجاء ذلك ضمن الجلسة الثانية (مسارات)، التي أدارها الشاعر عيد عبدالحليم، وتضمنت مسار عبدالمنعم رمضان "مريض بالشعر"، ومسار محمود قرنى "كبرت وكبرت معى خطايا".

وفي السطور التالية ينشر "الدستور" جزء من مسار محمود قرني:

منذ أن عرفت الطريق إلى الشعر، قارئا له ثم كاتبا عنده، يترسخ يقيني بأن الأصل في الشعر عدم خضوعه لتاريخ تمليه المصلحة. فهو منذ أفلاطون يبدو بين أعلى تعبيرات الإنسان الحر باعتباره نشاطا تلقائيا لا تحكمه سوي محددات موضوعية تحتقر السياسة والأيديولوجيا على نحو خاص، لكن يبدو هذا التعريف غير كاف لمن يقدسون فكرة الخلق الذي يجب أن يوافق المثال، وقبل سبعة قرون أو يزيد كتب حازم القرطاجني صاحب "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" أنه: "قد ران الجدب على قلوب شعراء المشرق المتأخرين وأعمى بصائرهم عن حقيقة الشعر، فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا نحو الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها، فخرجوا بذلك عن مَهْيَعِ الشعر ودخلوا في محض التكلم".

ورغم أن "حازم" يعد واحدا من أهم مؤسسي النقدية العربية؛ إلا أن دعوته تظل واحدة من آثام الاتباعية التي لا زالت تمثل سلطة شبه انتقائية حتى لو فقدت الحماية الفقهية، فتاريخيا تبدو المسافة بين الشعر والدين معقدة علي قربها، وكان ابن عباس يقول: "إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوانهم".

وكان إهدار النبي لدم كعب بن زهير قبل دخوله الإسلام واحدا من مظاهر هذا الاعتداد المخيف بأهمية الشعر ومن ثم قيام الضرورة على تدجينه، ربما لذلك لم يشفع للشاعر، بعد أن ضاقت به الأرض، سوى درته "بانت سعاد.." التي يعلن فيها توبةً يشكك فيها النقد ويعتبرها أضعف حلقات قصيدته الفريدة.
ليس هذا فحسب، بل مرت لحظات لم يضمن فيها الشعر صك الحرية حتى لصاحبه، ويروي لنا تاريخ الأدب أنه تم عرض الشاعر "سحيم" "عبد بني الحسحاس" على "عثمان بن عفان" وكان عبدا أسود، وقالوا له: إنه شاعر يُرغَبُ في مثله؛ فقال لا حاجة لنا فيه؛ لأنه إن شبع شبب بنساء أهله، وإن جاع هجاهم "ما دعا سحيم إلى القول: أشعار عبد بني الحسحاس قُمن له يوم الفخار مقام الأصل والورق، إن كنتُ عبدا فنفسي حرة كرما أو أسود اللون إني أبيض الخلق، ولم يكن مدهشا ألا ينتج هذا التجاور غير العادل بين الشعر والدين والتقاليد الاجتماعية الرثة إلا طرائد فقهية مثل أن: "الشعر داع لسوء الأدب وفساد المنقلب".. هذا هو ميراث الشاعر الحديث من تركة ثقلت موازينها لا زال كل شاعر حر يدفع ثمنها حتى ساعتنا تلك.

أعتبر دراستي للقانون بين أهم ما فعلت، فالقانون أعلى تعبيرات علم المنطق، وهو بدوره أعلى تعبيرات العقل الإنساني الذي أنضجته التجربة، فلا يمكن لعاقل أن يتصور العالم دون فكرة العدالة، وهي أفكار تشكلت لدي الإنسان في رحلة بحثه عن النظام ردا على شواغل البشرية التي دهست لحمها عجلات الحروب والفوضى والمشاعية والحروب الدينية ومظالم الإقطاع والأبوية والكهانة وأثرياء الحروب، وقد كان غياب فكرة العدالة دافعا من دوافع تنامي مفهوم القوة كأداة لحسم الصراعات، وسوف أتوقف أمام مقولة شيشرون: "القانون سيد؛ وإذا غاب القانون فلا سيد؛ وحيث لا سيد فالكل سيد؛ وحيث الكل سيد فالكل مسود، القوة تنشئ الحق وتحميه"، وقد كانت رؤية مؤسسي النظريات الاجتماعية الكبرى مثل جان جاك روسو وفولتير ترى أن تنامي مفهوم العدالة هو الذي استطاع أن ينقل البشرية من حالتها الغريزية "أي المشاعية" إلى حالتها المدنية.
ولم تكن علاقتي بمفهوم العدالة على إطلاقه سوى جزء من مشاغلي بأزمة الوجود في أبعادها الماورائية، وقد خرجت من تلك الأزمة ولدي قناعات بأن جميع الأفكار العظيمة بما في ذلك الأديان نالت من البشر، وطالما تم استخدامها لإشعال الفتن وتوسيع الأطماع والحروب المذهبية والعشائرية لصالح الحكام والساسة ورجال المال، لذلك كانت الدولة الحديثة عدوة لكل المفاهيم العقائدية.

انتقلت إلى القاهرة في نهايات العام 1987، عملت محاميا في شركة حكومية، كنت أخشي الصحافة والعمل بها، فقد كانت نصيحة كبار الشعراء لي أن الصحافة قاتلة للمبدع، بعد ذلك عملت بالصحافة لكن كان لدي من النضج ما يحميني من غوائلها ومن ارتباكاتها وامتيازاتها التي تستطيع خلق مراكز نفوذ ودوائر مصالح مدمرة في نهاية الأمر، كنت حريصا على ألا تكون الصحافة سببا في حصولي على امتياز من أي نوع، لأنني كنت أعلم أنني سأتركها يوما ما.
وقد حدث ذلك بالفعل بعد أن استقلت من جريدة القدس العربي بعد 14 سنة من العمل عقب أن اشترتها قطر، أنا الآن حر من كل ذلك، كسبت أشياء كثيرة وخسرت ما هو أكثر، لكن بقيَ لي الشعر متحصنا بنفسه لا بغيره.

كان جنوني بالشعر ومساجلات الكبار الذين تعلمت عليهم شاخصة أمام عيني، القاهرة كانت بالنسبة لي أعلي تعبيرات الثقافة المخترقة التي افتقدتها بعيدا عن مركزيتها القاتلة والساحرة، كانت الأطواق التي تحيط رغبتي في التجدد تقلص قدرتي علي المغامرة في إطار ثقافة يبدو احتفاءها بأصالتها مشوبا بالمزيد من المبالغة، ومع أن القاهرة فتحت لي ذلك الأفق المجرب على مصاريعه إلا أنني لم أكن متحمسا للانخراط في صالونات كان يقيمها وجهاء في الحركة الثقافية في الثمانينيات والتسعينيات.
كانت فكرتي عن استقلال نصي دون أن أتبع ظلال غيري فكرة ترتقي إلي مرتبة القداسة، فطالما رأيت مرتادي تلك الصالونات من أقراني وهو يسرفون في تقليد أصحاب تلك الصالونات خسرت كثيرا جدا، وملأت أسماء أخرى فضاء عابرا، لكنني استطعت أن أصنع لنفسي موقعا من نوع آخر، ربما لا يكون الأفضل لكنه موقعي، باختصار أنا لم آخذ من القاهرة أو من غير القاهرة سوي بقدر حاجتي.
ads