الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
جلال حمام
جلال حمام

استجواب صدام حسين

الأربعاء 11/سبتمبر/2019 - 07:45 م
طباعة

بالرغم من مرور عامين على صدور هذا الكتاب، إلا أن قراءته لم تتوفر لي سوى قبل قليل، وقد وجدت في مضمونه ما أغراني على المضي في متونه حتى نهايتها.. فقد يراهن كُتّاب المذكرات والسيَر الذاتية وتناول حياة الآخرين، على الإتيان بمعلومات جديدة، ومواقف صادمة لا يعرفها عامة الناس، وربما تبقى حبيسة الأدراج لسنواتٍ طوال قبل أن تجد طريقها إلى العلن.. وكتاب (استجواب الرئيس) لجون نيكسون، يُعد من نمط الكتب المثيرة التي تنطوي على مفاجآت متتالية على مدى فصوله التي تمحورت حول الرئيس العراقي، صدام حسين.. وتكمن أهميته في أن مؤلفه ليس صحافيًا عابرًا يطارد الأخبار ويلاحق المستجدات هنا وهناك، وإنما هو خبير شؤون الشرق الأوسط، كبير محللي وكالة المخابرات الأميركية CIA والمسؤول عن قراءة وتحليل أخبار وخطب صدام حسين، خلال عمله في الوكالة.
يقول المؤلف (كنت خلال عملي في وكالة المخابرات الأميركية، أعيش مع صدام حسين واستنشقه يوميًا، وبعد سقوط بغداد، تم إرسالي من قِبل وكالة المخابرات إلى العراق، لمتابعة البحث عن الرئيس.. وبعد اعتقال صدام، أُسندت إليّ مهمة استجوابه).. ويروي تفاصيل استجوابه للرئيس صدام خلال الأسابيع التي تلت أسره.. وبعد أربعة عشرة عامًا من ذلك الاستجواب، أصدر الرجل كتابه (لأزيل عن كاهلي عبء إخفاء الحقيقة!).
قبل أن نخوض في طبيعة الاستجواب وفحواه، لا بد من الإشارة إلى الطريقة التي تعرّف فيها نيكسون إلى أن هذا الأسير المُحتجَز، هو صدام حسين نفسه، وليس أحد بدلائه.. هذا المحلل القادم من نيويورك يعرف أن عشيرة (بو ناصر) لديها وشم قَبَلي مُحدّد تستدل بواسطته على أبنائها، وصدام كان يحمل هذا الوشم الذي يأخذ شكل مثلث أو هلال، بين أعلى السُبّابة والإبهام، وخط مستقيم على أسفل رسغه الأيمن، كما كانت لديه نُدبة في ساقه الأيسر جرّاء الرصاصة التي أصيب بها في المحاولة الفاشلة لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم.. أما العلامة الثالثة والأخيرة، فهي شفته السفلى التي تدلّت وانحرفت قليلًا إلى اليسار، بسبب ثقل السيجار الكوبي الذي كان يدخِّنه.
كما أكد عبد حمود، السكرتير الشخصي لصدام، وطارق عزيز أن الأسير الذي رأياه عبر حاجز زجاجي، هو صدام حسين بشحمه ولحمه.. ولم يكن القبض على صدام ممكنا دون خيانة بعض أفراد أمنه، الذين يعرفون مكان اختبائه.. فالعقيد الركن محمد إبراهيم عمر المسلط، المكلف بحماية صدام، وهو ابن عمّ زوجة الرئيس ساجدة خير الله طلفاح، هو الذي أرشد القوات الأمريكية إلى الحفرة الواقعة في المزرعة التابعة للشيخ نامق جاسم خضر، مقابل 25 مليون دولار مكافأة، وتأمين سفره إلى الخارج.
وعن تجربة استجوابه لصدام حسين، قال )إن كثيرًا ما كان الناس يسألونهُ: كيف وجدت صدامًا؟ أو: هل كان مجنونًا؟)، فيجيب جون نكسون: خلال الفترة التي تحدثت فيها مع صدام حسين وجدته بكامل قواه العقلية، كان العالم مليئًا بأعداد من السفاحين المختلين، ولكن الغريب هو أننا اخترنا ملاحقة هذا الرجل، خصوصًا في ضوء التداعيات، أما أنا فاعتقد ــ والكلام لنيكسون ــ (أن الحكومة الأميركية لم تأخذ في اعتبارها أبدًا ما سيؤول إليه الشرق الأوسط بغياب صدام، الإطاحة بصدام خلفت فراغًا في السلطة حوّل الخلافات الدينية في العراق إلى حمام دم طائفي).
ومما يذكره المؤلف في كتابه، على لسان صدام حسين، أثناء الاستجواب، أنه اعتقد أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت يجب أن تقرب الولايات المتحدة منه ومن نظامه لا العكس، فقد اعتقد صدام أن التحالف بين البلدين أمر طبيعي وبديهي في الحرب على التطرف، وهو ــ حسب جون نيكسون ــ كرر أكثر من مرة خلال التحقيق معه أنه لا يفهم سبب الخلاف معه، وهو السني الذي يمثل حزبه رمز القومية العربية الاشتراكية، والذي يَعتبر بالوقت نفسه، أن التطرف السني مصدر تهديد لقاعدة سلطته.
توصّل المحلل جون نيكسون إلى نتائج مذهلة أهمها أنّ أسلحة الدمار الشامل لم تكن موجودة في العراق، لأن صدامًا تخلّص منها قبل 2003، وأن لجان التفتيش لم تعثر على أي دليل حتى وإن كان ضعيفًا أو واهيًا على وجودها.. أما النتيجة الصادمة الثانية فتقول بأنّ صدام حسين لم يأمر باستعمال الأسلحة الكيميائية في معركة حلبجة، وأن الفريق نزار الخزرجي هو الذي أمر بتنفيذ الهجوم الكيميائي الذي راح ضحيته قرابة خمسة آلاف مواطن كردي، جُلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وكان صدام صادقًا كما استنتج نيكسون!.. أما علاقته بتنظيم القاعدة والإرهاب الدولي، فقد تركوها لمكتب التحقيق الفيدرالي، وأن نيكسون نفسه فوجئ بأن صدامًا كان يخشى السلفيين في بلاده، ويرفض أن تتدخل العمامة في السياسة.
يعتقد نيكسون أن صدامًا كان سريع البديهة، حادّ الذكاء، ومناورًا، ولكن هذا المحلل نفسه يقول في مكان آخر، أن صدامًا (كان يفتقر إلى العمق الفكري ليتعلّم من دروسه)، وذات مرة وصف صدام مُستجوِبه نيكسون بأنه )قليل الذكاء)، فردّ بروس، المسؤول عن تشغيل جهاز كشف الكذب بما معناه: (هل تعتقد أن غباء صديقي نيكسون مشابه لغبائك يوم أرسلت قوتك الجوية بكاملها لتأمينها لدى ألدّ أعدائك، إيران؟)، فصمت صدام لفترة وجيزة، ثم انفجر مقهقهًا.
ينطوي هذا الكتاب على معلومات جديدة لم نعرفها من قبل مثل، عمليات الفساد التي كان يمارسها صهره حسين كامل في الصفقات التجارية، وتأسيسه لشركات غسيل الأموال في الأردن، ولم يجد صدام حرجًا في القول بأنه اتخذ قرار إطلاق صواريخ «سكود» لضرب إسرائيل دون أن يستشير القيادة العسكرية، وأن الكويت كانت مسمارًا في قدَم العراق.. ويبدو أنه كان خائفًا على ولده علي، من أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه ولديه عدي وقصي وحفيده مصطفى، الذين قتلوا على يد القوات الأمريكية في نينوى، بعد أن وشى بهم قريبهم الشيخ نواف الزيدان مقابل 25 مليون دولار، وهي الجائزة التي رصدت للإبلاغ عن أي من المطلوبين الـ 55 لقوات التحالف الدولي.
هناك تفاصيل صغيرة، وإشارات عابرة، لكنها مهمة جدًا في تسليط الضوء على شخصية صدام، فسنوات الطفولة، حسب المؤلف، هي المفتاح المناسب لفهم شخصية صدام، الرجل الذي ينطوي على تناقضات كثيرة.. وينهي نيكسون كتابه بالقول )إن شخصية صدام جذابة، وكنتُ أحترمهُ يومًا ثم أكرهه في اليوم التالي)، وكأن صفة التناقض قد انتقلت من المستجوَب إلى المستجوِب!.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.
ads