الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

الاغتيال المعنوى بالهلاوس والأكاذيب

الثلاثاء 10/سبتمبر/2019 - 07:23 م
طباعة
أيام وتحل الذكرى التاسعة والأربعون لرحيل جمال عبدالناصر، الذى انتقل إلى جوار ربه فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، تاركًا صفحات مضيئة فى تاريخ مصر، حاول أعداؤه، وأعداؤنا، أن يلخصوها فى صفحة واحدة سوداء، كتلك التى أمسك بها أنتونى إيدن، على شاشة التليفزيون البريطانى، وهو يقول لمشاهديه: «انظروا.. هذا هو سجل عبدالناصر».
إيدن، الذى لا يزال يحمل لقب أسوأ رئيس وزراء فى تاريخ بريطانيا، أوهم البريطانيين بأن عبدالناصر سوف يسقط، وأن الشعب سوف يرحب بعودة القوات البريطانية مرة أخرى إلى مصر. وبالتزامن، مع تلك الحركة التليفزيونية، كانت المخابرات البريطانية تقوم بواحدة من محاولات اغتيال الزعيم المصرى الأسبق معنويًا، وتصفية أو تشويه معنى الاستقلال الوطنى.
محاولات المخابرات «البريطانية، الأمريكية والإسرائيلية»، لم تتوقف منذ تم إرسال «نيكولاس إليوت» مندوبًا للمخابرات البريطانية إلى تل أبيب، لتنفيذ جانب من مخططات «لجنة دووس باركر» التى شكلتها الخارجية البريطانية لإسقاط عبدالناصر، باستخدام الوسائل غير العسكرية: بـ«الدعاية السوداء» عبر اختراق وسائل الإعلام الإقليمية وتكليف هيئة الإذاعة البريطانية، BBC، بتبنى سياسة إعلامية أشد عدوانية.
كان لدى الأمريكيين، أيضًا، خطة لإسقاط عبدالناصر اختاروا لها اسم: «أوميجا» بعد أن فقدوا الأمل فى احتوائه. وطبقًا لما ذكره سيمون سى سميث فى كتابه «إعادة نظر لما حدث بالسويس: آراء حول الأزمة وتوابعها»، ففى أبريل ١٩٥٦ وتنفيذًا لخطة «أوميجا»، قامت الولايات المتحدة بتأجيل مساعدات كان من المفترض أن تصل إلى مصر، وفى الوقت نفسه قدمت مساعدات إضافية لما يسمى بحلف بغداد، الذى يضم العراق وتركيا وإيران. وكان الهدف من ذلك إثارة الرأى العام ضد عبدالناصر من أجل الإطاحة به.
لورا إم. جيمس، محللة شئون الشرق الأوسط فى وحدة المعلومات بمجلة «الايكونوميست»، لها كتاب مهم عنوانه «ناصر يخوض الحرب» أو «ناصر محاربًا»، عبارة عن صياغة مطورة للرسالة التى نالت عنها الدكتوراه فى العلاقات الدولية، فى مجدالين كوليج بجامعة أكسفورد. وفيه أشارت إلى أن خطة «أوميجا» كانت فى الأساس بريطانية، واستندت إلى ورقة كتبها ايفلين تشكبورو، الدبلوماسى البريطانى البارز، حدد فيها البدائل المختلفة المطروحة أمام الغرب للتعامل مع عبدالناصر، أرسلها فى ٨ مارس ١٩٥٦ إلى سير ايفون كير كباتريك، الوكيل الدائم لوزارة الشئون الخارجية البريطانية، تضمنت تلك الفقرة: «فقدنا نحن والأمريكيين بصورة حقيقية الأمل فى ناصر وبدأنا البحث عن سبل القضاء عليه».
عن «عبدالناصر والمخابرات البريطانية»، أصدر محمد شكرى حافظ، أيضًا، كتابًا بهذا العنوان، تضمن وقائع عملية مخابراتية جرت سنة ١٩٥٣ شارك فى إجهاضها حين كان يعمل فى المباحث العامة، وقبل انتقاله إلى المخابرات. وتضمنت مستندات ووثائق تلك العملية، محاضر اجتماعات لبحث سبل التحريض ضد الثورة عقدها تريفور إيفانز، المستشار الشرقى بالسفارة البريطانية فى القاهرة، مع بعض قيادات جماعة الإخوان: المرشد العام حسن الهضيبى، منير الدلة وصالح أبورقيق، فى منزل بالمعادى يملكه الدكتور محمد سالم، أحد قيادات الجماعة والموظف فى شركة النقل والهندسة.
مع الاغتيال المعنوى، كانت هناك محاولات للاغتيال الجسدى، استوقفتنا منها تلك المحاولة التى تمت فيها الاستعانة بالصحفى البريطانى «جيمس موسمان» مراسل الـ«ديلى تليجراف» فى القاهرة الذى كان يعمل قبلها فى هيئة الإذاعة البريطانية، BBC، وكانت الخطة التى اتفق عليها مع ضابط المخابرات البريطانية، فرانك كوين، هى أن يقوم بتجنيد طبيب عبدالناصر لكى يضع له السم فى القهوة مقابل عشرين ألف جنيه إسترلينى. ولسوء حظهم، كان الطبيب الذى تسلم السم والنقود أحد ضباط المخابرات المصرية. وقبل أن يخرج «كرومبو» اللى جواك وتشكك فى تلك الواقعة، نشر أنها على عهدة الصحفى البريطانى ستيفن دوريل، الذى حكاها فى كتاب عنوانه «مغامرة من داخل العالم السرى للمخابرات البريطانية فى الشرق الأوسط».
حملات المخابرات الإسرائيلية، البريطانية، والأمريكية، ضد عبدالناصر، كما قلنا، لم تتوقف. وكان أحدثها قيام الإسرائيليين، بنشر «هلاوس»، قالوا إنها وثائق «سرية للغاية»، يعود تاريخها إلى ١٣ ديسمبر ١٩٥٩، وتضمنت معلومات عن الحياة الخاصة للرئيس الأسبق وعلاقته بزوجته وأولاده، كان مصدرها سيدة يهودية زعمت أنها كانت تقيم بجوار منزله، قبل هجرتها.
النكتة، هى أن تلك السيدة زعمت أن ابن عبدالناصر الأكبر، اسمه «عمر»، فى حين لا يخفى على أحد أن غالبية مواليد العالم العربى، فى ستينيات القرن الماضى وما تلاها، حملوا اسم «خالد»، اسم الابن الأكبر لعبدالناصر الذى كانوا ينادونه بـ«أبوخالد». ومع ذلك، احتفت وسائل إعلام الإخوان ومركوبيها بتلك «الهلاوس»، كما يحدث عادة مع أى «هلاوس» أو أكاذيب، لا رأس لها ولا قدمين، تخدم أهداف الجماعة ومن يستعملونها ويستعمل بالتبعية مركوبيها!
ads