الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

الفيل الأزرق.. «تعويذة سينمائية» لتحرير السينما من شياطين الملل

الأحد 25/أغسطس/2019 - 06:40 م
طباعة

إذا كنت ناقدًا غير محترف لا تسترزق بالكتابة عن الأفلام، ولا تبحث عن الشهرة عن طريق الهجوم على فيلم جديد أثار دهشة جماهير السينما المصرية بصورة غير مسبوقة منذ عقود طويلة، فستجد أنه من الصعب عليك أن تخفى انبهارك و«دهشتك» أيضًا التى أصابتك عقب مشاهدة فيلم «الفيل الأزرق ٢».
عندما ظهرت كلمة النهاية على الشاشة، شعرت أنا، وربما أغلب الحضور، بأننا نستفيق من حلم سينمائى ممتع ومثير، حبس أنفاسك وسارع نبضات قلبك، وألهب حماسك وأثار فضولك.. مرة واحدة شعرت بالراحة، لأن اللغز الدرامى قد تم حله بسهولة ويسر، لكننى شعرت بالضيق أيضًا، لأننى صحوت من «حلم سينمائى» شديد العذوبة والإثارة وكنت أتمنى ألا ينتهى، حتى لا تتوقف حالة المتعة الوجدانية والبصرية التى أصابتنى منذ أول مشهد.
السينما هى فن من فنون المتعة والحكى، ولقد استطاع صناع هذا الفيلم أن يخلقوا معادلة خاصة للمتعة البصرية والحسية ترضى جميع الأذواق، وبطريقة سلسة ودون «فذلكة» أو تعالٍ على الجمهور، أو كما يقال بطريقة السهل الممتنع، وفى اعتقادى أن هذا هو سر النجاح الكبير، لفيلم يغوص فى عالم مثير بالنسبة لملايين المصريين، وهو عالم الجن والعفاريت التى تلتبس أجساد الناس، وتتحكم فى أفعالهم، وتثير حيرة وخوف كل المحيطين بهم، ويقف الأطباء النفسيون عاجزين أمام المطالبين بمحاولة شفاء أصحابها، فعلمهم يجعلهم يدركون أنهم ليسوا أمام مرضى، ولكنهم يواجهون «ملبوسين» بالجن.
الدخول إلى هذا العالم مغامرة بكل معانى الكلمة، إذا كنت ستطرقه بطريقة تقليدية، فستجد نفسك فى النهاية فى حالة خوف من الاصطدام بالمفاهيم الدينية لمن ينصبون أنفسهم حراسًا للإيمان وما أكثرهم.. ولكن المغامرة هنا آمنة، لأنك تخوضها مع اثنين من حراس «الإبداع» الشبان، الكاتب أحمد مراد، وهو ساحر يمتلك تعاويذ الإبداع، التى تطلق شياطين الخيال بقوة وأنت تقرأ رواياته، والمخرج الرائع مروان حامد وهو «كاهن» يستبدل لغة البخور والتمتمات، ويسعى بدلًا من ذلك باختطاف خيال مشاهديه بصور سينمائية مبهرة، وبالتوظيف الجيد للجرافيك لخدمة الدراما وتحويل المشاهد السينمائية إلى «خلطة» رائعة، تجتمع فيها مذاقات الأساطير مع الأحلام وما تبقى من خيالات عالم خيال الظل الذى كان يقدم لنا منذ عقود طويلة، صور بسيطة يحولها الراوى الواقف على الصندوق إلى أساطير بكلماته الموزونة المقفاة.
الفيلم يعيد ما بدأه صناعه فى الجزء الأول من اللعب على حكاية الجن الذى يلتبس أجساد البشر، والذى يطبع على أجسادهم وشومًا غامضة، تتولى رسمها فنانة غامضة.. وطبيب نفسى «كريم عبدالعزيز» يحاول اكتشاف أسرار هذا العالم، من خلال تعاطى نوعية معينة من الأقراص المخدرة، أو المؤثرات العقلية المعروفة بين متعاطى المخدرات فى العالم بأقراص الفيل الأزرق، أو مخدر «dmt»، حيث يساعد هذا العقار، الذى يفرزه المخ البشرى قبيل الوفاة مباشرة لتهيئة الإنسان للانتقال إلى عالم جديد، على رؤية بعض الأشياء وسماع أصوات ليس لها وجود فى الواقع، وتقع هذه الأشياء بين الماضى والحاضر والمستقبل.
وهو ما يجعل المتعاطى يرى بعض الأشياء غير المتوقع حدوثها فى الحياة اليومية، وتكشف بعضًا من الأمور الشخصية التى حدثت فى حياتهم سواء بشكل حقيقى أو غير حقيقى.
يبدأ الفيلم بقيام الطبيب النفسى لقسم الحالات الخطرة بأحد السجون، باستدعاء الدكتور يحيى، «كريم عبدالعزيز»، الذى نجح فى الجزء الأول فى فك لغز جريمة غامضة، لمحاولة فك لغز جريمة أخرى ارتكبتها فريدة، «هند صبرى»، وهى أم قتلت طفليها، لكنها ترفض الاعتراف بقتلهما، ويفاجأ الدكتور يحيى بفريدة تتلاعب بحياته، من خلال إخباره بمخاطر تتعلق بزوجته لبنى، «نيللى كريم»، وتهدد حياة ابنه وابنة زوجته، التى كانت فى يوم من الأيام زميلة للمتهمة فى أحد البنوك، وبالفعل يواجه الابن خطر القتل من أمه التى تحاول الانتحار هى الأخرى، ومرة أخرى يستعين الدكتور يحيى بأقراص الفيل الأزرق فى محاولة منه للسيطرة على الأمور وحل الألغاز التى تواجهه، ليكتشف أن المتهمة ملتبسة بجنى سكن يومًا فى جسد شبيهتها الغجرية الجميلة، التى تخون زوجها فيقرر سجنها حتى الموت، وهنا يظهر لها الجنى الذى يعقد معها صفقة، تنتهى بموافقتها على قتل ابنتها والانتحار، لتتحرر من جسدها وتعيش فى جسد آخر لا يبلى.
ويستمر الصراع حتى يكتشف الدكتور يحيى العقدة، والطلسم الذى يحرر جسد فريدة من الجنى، ويوقف تهديدها لعائلتها، التى أصبحت مهددة بالموت القريب.
وعند نهاية الفيلم تكتشف كناقد غير محترف، أنك لست أمام فيلم تقليدى، بل تستطيع أن تقول إنك أمام تعويذة فنية رائعة، قادرة على طرد شياطين وعفاريت الملل التى سكنت جسد الأفلام المصرية منذ عقود طويلة، وجعلتها تئن من النمطية والتقليدية، وهو ما أدى لهروب كثيرين من عشاقها إلى السينما الغربية.
نجح المخرج مروان حامد فى تقديم فيلم مثير وجميل، بلغة سينمائية متطورة دون تعالٍ على جمهوره، وقدم صورة جميلة أعاد من خلالها تفجير طاقات الفنان كريم عبدالعزيز بصورة غير مسبوقة، وكذلك الفنانة نيللى كريم، كما أطلق كل مردة الإبداع الساكنة فى ثنايا موهبة الرائعة هند صبرى، التى تستحق أكثر من جائزة على أدائها فى هذا الفيلم.
هنيئًا للسينما المصرية بمبدعيْها الشابيْن، أحمد مراد ومروان حامد، اللذين حرراها من أسر الدراما التقليدية، وفتحا لها نافذة عريضة لتقديم سينما جديدة تأسر عقول وقلوب ملايين من المشاهدين، وتعيد للسينما المصرية بريقها وألقها.
ads
ads